من نحن؟ وما هي مكامن الوجع الذي يضربنا؟ ولماذا نفشل خلال العقد الأخير في الثورة وفي تحقيق التغيير؟ أسئلة يحاول هذا المقال الإجابة عنها. هي محاولة لتحفيز نقاش مغاير، انطلاقاً من مقولة “نحن ضحايا منظومة جديدة من الجهل، وهذا الجهل يحدث ضجيجاً مسموماً”.

هذه المقولة قد تبدو حادة، وربما هي كذلك، لكنها بطبيعة الحال مساهمة تحاول أن ترمي حجراً ما في بركة متجمدة ما في العالم العربي.

****

تتخذ المسلسلات التركية رواجاً كبيراً في أنحاء مختلفة من المعمورة، ومنها في العالم العربي منذ سنوات، وبين هذه الأعمال بعض الإنتاجات الدرامية التي تعالج مراحل من حياة السلطنة العثمانية، تلك التي انتهت وانتهى حكمها على العالم العربي منذ نحو مئة عام.

مضى قرن إذاً، وهو مساحة زمنية صاخبة كالمحيط الهادر المتخبط أبداً في أعاصير وتحولات وحروب عسكرية ومعارك دبلوماسية، قرن دامٍ في بقع مختلفة من العالم العربي وممتد بدمويته إلى اللحظة الراهنة. كان للعقد الأخير منه وجه مختلف عما سبقه، عقد افتُتح بآمال كبيرة، ويُختتم بخيبات دراماتيكية، ومن سماته الأبرز الغرق في حالة من النكران، والترداد الأعمى لشعارات براقة يمكن أن تصلح لأي مكان وزمان، لكنها لا تقدم إجابات على أسئلة ممنوعة حالياً كسؤال “ما الذي جرى؟ ولماذا فشلنا بسرعة قياسية في تحقيق شيء ما؟”.

العقد الأخير في العالم العربي، الذي انطلق مع “ثورة الياسمين” في تونس، بما آل إليه هو في رأينا نتاج ما زُرع في التسعينات، ويقع على مفترق عربي ـ عالمي بأزماته ومنتجاته ولغته. الزرع المطروح هو بدوره من عمل ثلاث مستويات: مستوى شعبي، ومستوى المنظومات العربية الحاكمة، ومستوى المنظومة العالمية المسيطرة بقيمها السياسية والاقتصادية والثقافية.

يقودنا النبش في أرشيفات وسائل إعلام عربية وأجنبية إلى تحليلات وتصاريح خجولة، يعود تاريخها الى تسعينات القرن الماضي، عن غضب الشباب العربي مما أنتجته حرب الخليج الثانية من واقع سياسي. وقد كانت مفاوضات واتفاقيات السلام العربية ـ الإسرائيلية من نتاج هذه الحرب والمبرر العالمي لاستمرار أنظمة الحكم العربية. حرب الخليج الثانية كانت محطة مفصلية بهذا المعنى عربياً وعالمياً.

في ظل بروبغندا إعلامية جارفة سيطرت مقولة “نهاية التاريخ”، والملفت أننا هنا في العالم العربي، وبعد مرور نحو عقدين على المقال الشهير لفرنسيس فوكوياما، نتبنى في الخطاب- الضجيج المسيطر عنا قناعة بنهاية التاريخ وبدايته، ونتقوقع في المرحلة التي انطلقت مع التسعينات ورواج الإنترنت، وبشكل عام في مرحلة الحداثة المتأخرة والتسريع الإلكتروني وتسريع أنماط العيش والتواصل.

تقوم هذه القناعة على نسيان اللحظة الفاصلة المنبئة بولادة منظومة عالمية جديدة (باتت قديمة) وعلى الاقتناع التام في المقابل بكل ما تنتجه وتبعثه لنا، ومن هذه المنتجات منظومة قيم “نضالية” ينتفي معها خيار مساءلتها، وينسف العمود الفقري لأي تغيير، ألا وهو الهم القائم على ترسيخ العدالة بين مختلف مجموعات المواطنين. الشرط الأساس لهذه المنظومة هو تدمير للذاكرة من خلال الجهل، الجهل المبطن بشهادات جامعية وبوهم المعرفة من خلال سهولة القدرة على الوصول الى أي معلومة من خلال شبكة الإنترنت.

أنتجت هذه المنظومة نموذجاً “متلبرلا” مشابهاً في كثير من النواحي للتيار الإسلامي المتطرف، رغم أن الشعار الأساس لليبراليين هو الحرية، لكن عامل التشابه الأساسي بين التيارين هو الجهل بالتاريخ

أنتجت هذه المنظومة نموذجاً “متلبرلا” مشابهاً في كثير من النواحي للتيار الإسلامي المتطرف، رغم أن الشعار الأساس لليبراليين هو الحرية. لكن عامل التشابه الأساسي بين التيارين هو الجهل بالتاريخ، والحكم على الماضي والحاضر والمستقبل من خلال هذا الجهل. الحكم على الهوية، وعلى حركات التحرر، وعلى الحكام العرب، وعلى التجارب الاستعمارية، وعلى اللغة، وعلى الانتاجات العربية، وعلى التجارب السياسية الحديثة جداً، بل إن هذا الخطاب يُسقط من ذاكرته وحساباته حرب الخليج الثانية بذاتها. في هذا الإطار، يمكننا أن نقود عشرات بل مئات الأمثلة. سنكتفي هنا مثلاً بقيم النظر الى التجارب الاستعمارية للعالم العربي والتي انتهت في القرن العشرين، حيث ثمة خطاب رائج ينظر لها باعتبارها كانت مخلصاً أو داعماً للشعوب العربية. لا يعرف مروجو هذا الضجيج مثلاً شيئاً عن استخدام غاز الكاربون لقتل الجزائريين وفق ما تبينه مذكرات الجنرال دو سانت آرنو نفسه، وهو بالمناسبة الذي قاد غزو الجزائر.

يمتلك هذا التيار منصات كثيرة لفرض لغته وخطابه، أو بالأصح لترويجها، لكنه ترويج الضجيج الذي لا يمكن البناء عليه. فعمليات الإنكار، أو النسيان أو الجهل لا تؤسس لمشروع تغييري أياً كانت وجه التغيير المرجو، لأنها في حقيقتها عملية تشريح خاطئ للمشكلة، تماماً كما يُخطئ طبيب ما في تشخيص علة مريض، فيعتبر مثلاً المريض بالسرطان مصاباً بالكوليرا، ويمده بأدوية لداء لم يصبه، ويسمح في هذا الوقت للخلايا السرطانية بالتغلغل أكثر في جسد المريض واستباحة مناطق لم يكن قد وصل إليها. في هذه الاستباحة تتجذر الأنظمة الحاكمة التي قامت ضدها حراكات أو ثورات، وتأخذ هذه الأنظمة معارضيها هؤلاء الى ساحات القتال التي تتفوق فيها عليهم بأشواط، منها مثلاً لجوء معارضين للاستقواء بالخارج وخاصة الولايات المتحدة على أنظمتهم فيما تلك الأنظمة على علاقة جيدة بأميركا على سبيل المثال.

تنتهي عملية الدوران في حلقة مفرغة من خلال ممارسة يُطبق فيها هؤلاء المعارضون أو الراغبون بالتغيير الدائرة على أنفسهم، إذ هم يتصرفون ويفكرون باعتبار أن نهاية التاريخ تمت فعلاً، ولا يتنبهون الى أن المنظومة القيمية التي آمنوا بها إنما تخضع لامتحان عسير، وأن العالم يتغير، وما صح عام 1990، لا يصح سنة 2020، وأن ثمة قوى عالمية صاعدة تزحف بثبات لتتخذ موقعاً شديد التقدم في الاقتصاد العالمي، وما يفرضه الاقتصاد لن تغيب عنه السياسة.

كالضباب الكثيف الذي يمحو تضاريس الأرض، يسيطر ضجيج تغييري لا يطرح سؤال “من نحن”؟ مما نعاني؟ أين مكامن الوجع؟ انه ضجيج يمنع النظر في المرأة ويعمل فقط على استيراد منظومات قيمية وبطولات وهمية تعتبر أن التاريخ يبدأ عندها وينتهي بها.

خلال عرض ريبورتاج على قناة فرنسية عن فرنسيين في المكسيك، قدم شاب صاحب مجموعة مخابز، تجربته التجارية الناجحة، باعتباره صاحب علامة تجارية، ولفت وهو يروي قصته الى أن العقدة الأساس التي واجهها تمثلت بفشله لفترة طويلة في إنتاج خبز بمذاق فرنسي وفق الوصفة التي استوردها من بلاده، ثم كان عليه أن يفهم أن العوامل البيئية المختلفة تفرض تعديلاً لبعض آليات صناعة الخبز ونسفاً تاماً لبعض المكونات لاستبدالها بمكونات من المكسيك، وقد استنتج في النهاية بأن الوصفات الجاهزة المستوردة محفز سهل للفشل.

 
×