بدأ تفاوضٌ في عام 2006 لتشكيل مجموعة تُسمى “بريك” (بالعربية تُسمى “برهص”: البرازيل، روسيا، الهند، الصين). وفي عام 2009 عُقدت أول قمّة لهذه المجموعة. عام واحد مرَّ لتلتحق بها دولة جنوب إفريقيا، مُضيفةً أول حرف من اسمها إلى اسم المجموعة ليصبح “بريكس” (أو “برهصج”). أحد أبرز الأهداف التي كانت وراء تشكيل هذه المجموعة هو كسر الاحتكار (الأميركي – الغربي) للاقتصاد العالمي، وعليه تم تأسيس “بنك التنمية الجديد” في عام 2014 ليكون مؤسسة مالية تواجه هيمنة مؤسسات مالية عالمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. باشر هذا البنك عمله في عام 2015 برأسمال أولي قدره 100 مليار دولار، ورأس مال مساهم قيمته 50 مليار دولار. وفي العام نفسه بدأت نقاشات تدور حول احتمال إصدار عملة جديدة، في المستقبل البعيد، تحمل اسم هذه المجموعة، ويكون من شأنها كسر هيمنة الدولار الأمريكي في التعاملات التجارية. وجد أغلب الاقتصاديين أن فكرة عملة “البريكس” هي ضربٌ من الخيال، فالصين تحتل المرتبة الأولى في قائمة الدول التي تمتلك القطع الأجنبي، حيث يصل الاحتياطي الصيني إلى أكثر من 3 تريليون دولار، أما بالنسبة لروسيا، التي تحل في المرتبة الخامسة بـ 460 مليون، فإن 71% من حجم مداخيل الصادرات الكلية هو بالدولار الأمريكي.

بقيت فكرة عملة “بريكس” الكاسرة لهيمنة الدولار ضرباً من الخيال حتى وصول الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية. الرئيس الذي يستخدم أوراق الدولار كأوراق ضغط سياسية علناً ودون مواربة. لم تمضِ سنة واحدة على حكم الرجل حتى بدأت الدراسات الاقتصادية لكسر هيمنة الدولار، بالنسبة لدول “بريكس”، تأخذ منحى جدياً. في السابق كان خيار “التعامل التجاري بالعملات المحلية” أمراً مستحيلاً في ظل الصعوبات التي تتعلق بمستويات التضخم ومعدلات النمو في كل دولة من الدول الأعضاء على حدة، وتباين هذه المستويات بين الدول. أما في عام 2018 فقد أعلن وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف أن روسيا “ستواصل خفض حيازتها للأوراق المالية الأميركية”، كاشفاً عن بدء العمل باستخدام العملات الوطنية في المعاملات الخارجية، فقد “أصبح الدولار، الذي يعتبر العملة الدولية، أداة محفوفة بالمخاطر في مسألة المدفوعات الدولية”. وفي الوقت نفسه، أعلنت الصين شروعها بتداول عقود النفط الخام مقومة بالعملة الصينية “اليوان” في بورصة شنغهاي الدولية للطاقة. وفي عام 2019 طالب الرئيس بوتين دول “بريكس” بتنشيط استخدام العملات الوطنية في التعاملات التجارية بين الدول الأعضاء. وفي شهر نيسان من عام 2019 تم إطلاق تطبيق للهواتف المحمولة (BRICS Pay) يساعد في تسديد قيمة المشتريات عبر الإنترنت، في جميع دول المجموعة، بغض النظر عن العملة الموجودة في الحساب. يعني: توجد اليوم منظومة دفع تُغني مواطني دول أعضاء البريكس عن اللجوء إلى منظومات الدفع العالمية. ويقول المحللين أن منظومة الدفع (BRICS Pay) تُحوي بالضرورة عملة إلكترونية اعتبارية، لا اسم لها حتى الآن.

يبدو أن انضمام تركيا وإيران إلى مجموعة “بريكس” يحتاج إلى إجراءات قد تأخذ وقتاً طويلاً (بالنسبة لإيران) وقد تبدو مستحيلة (بالنسبة لتركيا)

بهذه الإجراءات انتقلت مجموعة “بريكس”، بمنظومات الدفع المُبتكرة فيها، من كونها مجرد تكتل لمجموعة دول إلى اعتبارها ملاذاً آمناً لكل من تطالهُ العقوبات الاقتصادية الأميركية. فما أن فُرضت العقوبات على تركيا حتى سارع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الإعلان عن رغبة بلاده في الانضمام إلى مجموعة “بريكس” كممثل عن “منظمة التعاون الإسلامي”. سبق هذا الإعلان تصريحات عدة تفيد بأن تركيا ستستخدم العملة المحلية في تعاملاتها التجارية مع روسيا وإيران. إلا أن طلب الانضمام إلى مجموعة “بريكس” قوبل بالرفض على اعتبار أنه “أمرٌ غير قابل للتنفيذ” بسبب “عضوية تركيا في تحالف الناتو” والذي “يُعد عائقاً يحول بينها وبين رغبتها في التعاون مع مجموعة دول بريكس” كما جاء في تصريح المدير التنفيذي للجنة الوطنية لبحوث ودراسات مجموعة بريكس، جورجي تولورايا. وهذا لا يعني أن روسيا لا تنتظر من تركيا “خبرَ انسحابها الجذري” من حلف الناتو “دون قطع علاقاتها” التجارية مع الاتحاد الأوروبي. وفي لقاء صحفي أُجري مع المدير السابق للمديرية المركزية للتعاون العسكري الدولي بوزارة الدفاع الروسية، ليونيد إيفاشوف، تمّت الإشارة إلى أن تركيا لا يمكن أن تكون ممثلة عن “منظمة التعاون الإسلامي”، بل يمكن أن تكون “ممثلاً عن العالم السنّي بأكمله، وليس كلاعب مستقل” على اعتبار أن هناك دولاً أخرى مرشحة للانضمام مثل إيران “ممثلاً عن العالم الشيعي”.

في فترة ما بعد الاتفاق النووي ورفع العقوبات، كان توجه إيران نحو الدول الأعضاء في مجموعة “بريكس” واضحاً على المستويين السياسي والاقتصادي. كانت معدلات نمو التبادل التجاري تحقق ارتفاعاً متزايداً. أما على صعيد الانضمام إلى مجموعة “بريكس”، فقد كانت إيران تنتظر في حينها قرار الدعوة للانضمام “إذا توصلت الدول الخمس إلى قرار بشأن دخولها” كما صرّح كبير مساعدي وزير الخارجية حسين جابري أنصاري في زيارته إلى جنوب إفريقيا عام 2017. أما بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، فقد صرح وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف مؤكداً أن “الأميركيين حاولوا ممارسة الضغوط على إيران في المجال الاقتصادي على المدى القصير مستغلين هيمنة الدولار على الساحة الاقتصادية، لكن في الحقيقة خلقوا المشاكل لإنفسهم على المدى الطويل”، مشيراً إلى أنه “تم حذف الدولار من 35 في المئة من التجارة الإيرانية التركية خلال العام الماضي”.

وأخيراً: يبدو أن انضمام تركيا وإيران إلى مجموعة “بريكس” يحتاج إلى إجراءات قد تأخذ وقتاً طويلاً (بالنسبة لإيران) وقد تبدو مستحيلة (بالنسبة لتركيا). إلا أننا نستطيع، حتى الآن، تعريف “بريكسيت” بأنها: مجموعة الدول التي تسلك سلوك “بريكس” في التعاملات التجارية لكسر هيمنة الدولار، سواء أكانت هذه الدول عضواً في المجموعة أو في حالة انتظار. وهي على التوالي: البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب إفريقيا، إيران، تركيا.

 
×