منال الحباشي – تونس

ملاذ اليوسف – سوريا

انتهت جولة الانتخابات الرئاسية التونسية الأولى بتصدر المرشح المستقل قيس سعيد، يليه المرشح نبيل القروي رئيس حزب “قلب تونس”، وبالتالي انتقالهما إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية. بلغت نسبة التصويت في الجولة الأولى 45.02 في المئة متدنيةً عن نسبة تصويت الجولة الأولى في عام 2014، والتي وصلت إلى 62.91 في المئة. هذا التدني المطّرد في نسبة التصويت منذ عام 2011 حتى اليوم، وما يرافقه من انخفاض ملحوظ في إقبال الشباب على الانتخابات، ومقاطعتهم لها، يدل على تزايد انعدام ثقة المجتمع التونسي بصناديق الاقتراع. كما يدل على تحول عملية تداول السلطة إلى لعبة سياسية بعيدة كل البعد عن هموم المواطن التونسي. كما أن تصدّر مرشح مستقل، لا ينتمي إلى أي حزب سياسي، يدلُّ على تدنّي الثقة بمرشحي الأحزاب التونسية.

المرشح المستقل قيس سعيد تصدّر نتائج الجولة الانتخابية الأولى بنسبة 19.5 في المئة من الأصوات، يليه المرشح نبيل القروي بنسبة 15.5 في المئة. يعني هذا أن تونس اليوم تقف أمام مُرَشحَين للرئاسة نالا ثُلث أصوات الناخبين الفعليين فقط، ونسبة 15 في المئة من مجموع من يحق لهم الانتخاب، أي أن 15 في المئة فقط من التونسيين الذين تجاوزوا سنّ الاقتراع هم من حدّدوا مستقبل تونس ككل! وهذا، إن دلّ على شيء، فعلى أن حملة مقاطعة الانتخابات بدت بمظهر المنتصر، مع إحجام أكثر من نصف الناخبين عن المشاركة.

السبب الرئيسي لهذه النتائج الانتخابية البائسة هو المسافة الشاسعة، تلك الهوة، التي تفصل بين الديمقراطية السياسية (النظام) والديمقراطية الاجتماعية (الشعب). إنها لعنة الاكتفاء بـ”التغيير في الأعلى” فقط، فالطبقة السياسية في تونس عاجزة عن التحوّل من الديمقراطية السياسية (الاهتمام بمصدر السيادة والسلطة، وحقوق المواطن السياسية ومساهمته في الانتخابات وتشكيل الأحزاب وإبداء الرأي ونشره…) إلى تحقيق الديمقراطية الاجتماعية (الاهتمام بتحسين أوضاع المواطن المادية من خلال التوزيع العادل للثروة عن طريق تطبيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين أفراد المجتمع في نيل فرص العمل…). وعلى العكس، بقيت الطبقة السياسية الحاكمة تحافظ على الديمقراطية في السماء (سياسية – في الأعلى) وتخوض تحالفاتها ومعاركها السياسية دون الاكتراث بالمواطن (على الأرض) الذي يعاني من بؤس المعيشة والأزمة الاقتصادية. وكلما ازدادت تلك المسافة، وكَبُرت تلك الهوة، التي تفصل بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية، ازداد إحباط المجتمع التونسي من جدوى صناديق الاقتراع. وما القطيعة الأخيرة إلا برهاناً واضحاً على أن هذه المسافة الفاصلة لم تعد تُطاق.

لم ينل المواطن المحبط في الشارع التونسي من الاستحقاقات السياسية طوال السنوات السابقة ما يجعله يؤمن، ولو قليلاً، بجدوى العملية الانتخابية

لقد قامت الطبقة السياسية التي حكمت سابقاً بمناقشة قضايا عديدة مثل: المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وقانون الحريات الفردية، وحقوق المثلية الجنسية، وحكم الإعدام. وبالرغم من اعتبار البعض أن الهدف من الانشغال بهذه القضايا الثانوية هو التهرّب من القضايا الاقتصادية الرئيسة، إلا أنها تُحسب كنقاط إيجابية تُسجل لصالح الطبقة السياسية الحاكمة. غير أن هذه المحاولات تبقى منقوصة، طالما أن أي تغيير جذري على المستوى الاقتصادي-الاجتماعي لم يسبقها. فمتصدر الانتخابات الرئاسية التونسية اليوم أعلن سابقاً أنه ضد المساواة في الميراث، وضد الحريات الفردية، وضد إلغاء حكم الإعدام، وضد المثلية الجنسية، وهو ما دفع البعض إلى اعتبار تصدره الانتخابات بمثابة انقلاب على منجزات سابقة. وهذا ما يؤكد أن منجزات الديمقراطية السياسية تبقى هشّة ما لم تُدعّم بديمقراطية اجتماعية حقيقية.

نستطيع فهم حقيقة ما يحصل في السماء السياسية التونسية، وانعكاسه على الأرض، من خلال تصريح لافت للمرشح المستقل والمتصدّر (قيس سعيد)، يعد فيه الشعب التونسي ككل بأنه سيبقى مستقلاً حتى يوم مماته “عشت وسأموت مستقلاً، وإن كان هناك حزب أنتمي إليه فهو الحزب التونسي”. لم تعد غالبية المواطنين التونسيين تثق بشعارات وبرامج أي مرشح (حزبي أو مستقل) لأنه قد يعارض في شعارات حملته الانتخابية أحزاباً سياسية أخرى، ويستقطب أصوات الناخبين إثر ذلك، وما إن يصل إلى الحكم حتى يدخل في سوق التحالفات مع تلك الأحزاب التي كان يعارضها.

وتنقسم المقاطعة الشعبية في تونس إلى أحزاب سياسية (القوى الوطنية الثورية) ومُحبطين فُرادى لا يلمّ شملهم أي كيان. وقد جاء في بيان للقوى الوطنية الثورية (الحزب الشيوعي الجديد – في طور التأسيس، وحزب الوطد الثوري الماركسي اللينيني، وحزب الكادحين، وحزب النضال التقدمي، وأنصار الديمقراطية الجديدة) أن أسباب مقاطعة الانتخابات الرئاسية تعود إلى أنها ليست إلا “خدعة جديدة للشعب هدفها إعادة تنصيب وكلاء الاستعمار في السلطة السياسية على غرار ما وقع في شهر أكتوبر من سنتي 2011 و2014″، كما أنها “شكلية لأن نتائجها محسومة سلفاً بسبب خضوعها للمال السياسي والتوظيف الإعلامي والديني والإداري ولعمليات الضغط على الناخبين وشراء الذمم والتدليس”.

أما المواطن البسيط والمحبط في الشارع التونسي فلم ينل من الاستحقاقات السياسية طوال السنوات السابقة، سواء كانت انتخابات رئاسية أم انتخابات مجالس محلية، ما يجعله يؤمن، ولو قليلاً، بجدوى العملية الانتخابية كلها. فنادرًا ما ردمت صناديق الاقتراع حفرة في شارع يصل إلى منزله، أو حمت البنية التحتية بيته من كوارث طبيعية.

عندما أشعل بوعزيزي النار في نفسه، بدا كمن يصرخ في وجه مجتمع يحترق. وإذا ما ظلّ مجتمعه يعاني من تهميش يحول دون وصول طبقة سياسية تنجز التحول من الديمقراطية السياسية إلى الديمقراطية الاجتماعية، فإن جسد بوعزيزي سيظل يحترق، ليس في دواخل التونسيين فحسب، بل في داخل كل مواطن عربي أيضاً.

 
×