جرت عجلة التعديلات الدستورية المصرية بأسرع مما تصور كثيرون، واعتمدها البرلمان بعد حوارات مغلقة، وقدمها لاستفتاء شعبي معروفة نتائجه مسبقًا.

وبرغم أن مصر لم تعرف طوال تاريخها رفضًا لأي استفتاء خلال أي عهد، بما في ذلك دستور “الإخوان”، إلا أن ذلك لم يحُل دون مطالبة كثير من المؤيدين والمعارضين بضرورة المشاركة في هذا الاستفتاء.

ومع ذلك، ستبقى مشكلة التعديلات الدستورية كثيرة، وأسباب رفضها عديدة، لأن نتائجها ستكون سلبية على استقرار البلاد والعملية السياسية.

وبمقتضى نص المادة ١٨٥ المعدلة من الدستور، ستهيمن السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، وبدلًا من أن يقوم الحكم بإصلاح مؤسسات الدولة وأجهزتها ويطوّر من أدائها ويضمن استقلالية القضاء، فقد فعل العكس وكرس هيمنة السلطة التنفيذية على سائر سلطات الدولة.

أما المادة المفصلية التي اعتبر كثيرون أنها الهدف الأول للتعديلات الدستورية، وهي المتعلقة بتعديل مدد الرئاسة، فهي تهدم الفلسفة التي قام عليها دستور ٢٠١٤، وأي دستور يؤسس لدولة قانون وانتقال ديمقراطي. فالأثر الرجعي أو المباشر الذي جرى طرحه في التعديلات المقدمة هو اختراع قانوني لم تسبقنا إليه أي دولة في العالم. فهو يعطي الحق لرئيس انتُخب لمدة ٤ سنوات أن يبقى ٦ سنوات، وهذا أمر غير مسبوق في تاريخ النظم الديمقراطية وغير الديمقراطية على السواء.

فقد نصت المادة ٢٤١ من الدستور المعدل على التالي: “تنتهي مدة رئيس الجمهورية الحالي بانقضاء ٦ سنوات من تاريخ إعلان انتخابه رئيسًا للجمهورية في ٢٠١٨، ويجوز إعادة انتخابه لمرة تالية”، وهذا يسقط قاعدة قانونية متعارفًا عليها، مفادها أن يكون النص القانوني عامًا ومجردًا، فوجدناه نصًا خاصًا ومحددًا.

والحقيقة أن القضية ليست “فصالًا” حول مدد الرئاسة، إنما تتصل بمدى القدرة على بناء نظام سياسي يقبل بالتنوع وبصراع الأجنحة داخله، كما جرى في مجتمعات كثيرة أخرى سمحت في البداية بتداول للسلطة على أرضية النظام، ثم انتقلت بعد ذلك إلى قبول تداول بين جميع القوى السياسية الملتزمة بالدستور والقانون.

المؤكد أن إدارة أي نظام سياسي يحكمه رئيس متيقن أنه سيغادر السلطة حتمًا بعد فترتين غير قابلتين للتمديد، سيختلف جذريًا عن إدارة رئيس سيبقى إلى الأبد في السلطة

وفي الحالة المصرية، يبدي كثيرون استعدادهم للقبول بتداول السلطة في البداية بين القادمين من داخل الدولة الوطنية، بل ومن المؤسسة العسكرية، ثم مع الوقت والممارسة الديمقراطية يتسع إطار التداول حتى يشمل كل المؤمنين بالدستور المدني والنظام الجمهوري.

والحقيقة أن كل النظم الأكثر كفاءة في المنطقة تعرف تعددية مقيدة أو تداولًا للسلطة على أرضية النظام، حتى لو غابت عنها الديمقراطية الكاملة.

ولعلنا جميعًا نتابع الدور المتصاعد لكل من تركيا وإيران في المنطقة، حتى أصبح بلد عربي مثل سوريا (كان يسمى “قلب العروبة النابض”) يحدّد مستقبله في سوشي الروسية على أيدي ثلاثة دول غير عربية (روسيا وتركيا وإيران) تحكمها جميعًا تعددية مقيدة، وعرفت تداولًا للسلطة من داخل النظام.

لقد شهدت تركيا في بداية تحولها الديمقراطي في ١٩٤٦ تداولًا للسلطة اقتصر على الأحزاب العلمانية فقط، وهو ما أعطاها قدرة كبيرة على تجديد نخبتها وتحقيق إنجازات اقتصادية وتأثير إقليمي.

وعقب تبوء أردوغان السلطة وبقائه فيها ١٦ عامًا، عرف النظام تنافسًا سياسيًا مقيدًا لم يسفر عن تداول للسلطة، فحصل حزبه على ما يقرب من نصف مقاعد البرلمان، وفاز هو في انتخابات الرئاسة بأغلبية ٥٤ في المئة من أصوات الناخبين، في مواجهه منافس قوي حصل على ٣٦ في المئة منها. كل ذلك أعطى للنظام التركي، برغم عدم ديمقراطيته وحملة الاعتقالات المشينة التي يرتكبها بحق الصحافيين والمعارضين، حيوية جعلته في وضع اقتصادي وسياسي أفضل من جيرانه العرب.

أما النظام الإيراني فهو بالقطع نظام غير ديمقراطي، إلا أنه يعرف تداول السلطة على أرضية نظام “ولي الفقيه”. هذا التداول بين أجنحة النظام (“المحافظين” و”الإصلاحيين” بتدرجاتهم المختلفة) ووجود رؤساء للجمهورية لمدتين غير قابلتين للتجديد، رفع من حيوية النظام الإيراني وساعده على زيادة مستوى تأثيره في المنطقة (حتى لو رآه البعض سلبيًا)، كما سمح له بالصمود في مواجهة العقوبات الأميركية القاسية.

والمؤكد أن فلسفة الدستور المصري (قبل تعديله) بتحديد الرئاسة بفترتين غير قابلتين للتمديد ترجع إلى هذه الفكرة، أي إلى فتح باب التنافس على السلطة بين تيارات مختلفة من داخل النظام تلتزم بالدولة الوطنية والنظام الجمهوري والدستور المدني، ويضمنها الجيش.

والمؤكد أيضًا أن إدارة أي نظام سياسي يحكمه رئيس متيقن أنه سيغادر السلطة حتمًا بعد فترتين غير قابلتين للتمديد، سيختلف جذريًا عن إدارة رئيس سيبقى إلى الأبد في السلطة، وأن دخول مصر عصر “الرئيس السابق” سيعني في الحقيقة تجديدًا جذريًا في بنية النظام السياسي ونقله خطوات للأمام.

أما مشهد إدارة الاستفتاء فقد صدم المؤيدين والمعارضين على السواء، لأن التأييد هو اختيار لا تحكمه أوامر ولا تهديد ولا رشاوى، إنما إرادة حرة للناس، في حين أن خطورة تأييد اللافتات التي انتشرت في شوارع وميادين مصر، تكمن في أنها تستر التفاعلات الجارية في عمق المجتمع، وهي تفاعلات خطيرة ومركبة، ولن تسيطر عليها أجهزة التأييد ولا بقايا أحزاب المعارضة، وقد تقفز في وجوهنا فجأة من دون أن نعرف من أين أتت وإلى أين ستذهب.

فحذار اعتبار “نعم” التي ستخرج بها نتيجة الاستفتاء تعبيرًا عن رضا شعبي.

 
×