المُتطلب الرئيس لأي مستوى من العلاقات الخارجية هو الاتصال، المباشر أو غير المباشر، الشخصي أو غير ذلك. هذا سهل عندما تكون العلاقات بين البلدان أو المنظّمات المعنية علاقات مستقرة، أو في الحد الأدنى موجودة بمستوى ما. يبرز التحدي عندما لا يكون هناك علاقات أساساً أو أن العلاقات بين بلدين معينين لا تصل للمستوى الذي يسمح بمناقشة قضية حرجة.

هذه مشكلة قديمة بطبيعة الحال، والحلول في جوهرها لم تتغير كثيراً: إما وساطة طرف ثالث – دولة أو فرد – أو تواصل الطرفين سراً. خلال تسعينيات القرن الماضي، قام الملياردير الأميركي رون لاودر بالوساطة بين سوريا وإسرائيل. وخلال المفاوضات النووية في عهد إدارة أوباما، لجأت الخارجية الأميركية إلى هاتين الوسيلتين. بداية كان هناك دور سري حيوي لسلطنة عمان للوساطة بين إيران والولايات المتحدة وعقد اللقاءات، وثم استمر الأميركيون والإيرانيون بالتواصل بسبل مختلفة، كان من بينها البريد الإلكتروني، غير المشفر.

قد يبدو الاهتمام بمثل هذه التفاصيل مبالغاً فيه. ولكن لنتذكر، أولاً، أن هذه الاتصالات حصلت في مرحلة غامضة في العلاقات بين البلدين، وكان بعض المسؤولين الأميركيين يخشون من انهيار هذه الاتصالات وانكشافها لاحقاً، واتهامهم بالتواصل مع العدو، وثانياً، كانت معظم مزودات خدمات البريد الإلكتروني أميركية، وكانت تحظر حتى تقديم هذه الخدمات لإيران. إلا أن الطرفين نجحا بالتفاوض بالرغم من كل العقبات المحتملة. ستبدو هذه الجهود اليوم مبالغاً فيها فيما دونالد ترامب يعرض على الجميع أن يمسكوا الهاتف ويتصلوا به مباشرة!

لدونالد ترامب علاقة خاصة غير مألوفة بالهواتف والاتصالات، أثارت الجدل حتى قبل أن تبدأ ولايته الرئاسية – عندما أصر على الاستمرار باستخدام هاتفه الخاص، غير المحمي، بدل استخدام الهاتف الخاص الذي قدمته له أجهزة الأمن الأميركية – ربما بدأت اتصالات ترامب تلفت النظر منذ أن قبل تلقي الاتصال الهاتفي من رئيسة تايوان بعيد فوزه بالانتخابات الأميركية، ليخرق بذلك تقليداً عمره أربع عقود يقوم على عدم الاعتراف بتايوان مستقلة وعدم التواصل مع مسؤوليها، وذلك ضمن سياسة «الصين الواحدة».

والآن، في الوقت الذي تعمّد بعض المسؤولين الأميركيين إظهار التحركات العسكرية إلى المنطقة – وهي بمعظمها مجدولة منذ فترة طويلة – على أنها تحركات طارئة غايتها مواجهة احتمال قيام إيران بعمل عسكري يستهدف القوات الأميركية في المنطقة، بشكل مباشر أو غير مباشر، في هذا الوقت يخرج ترامب وهاتفه مرة أخرى ليفاجئ المراقبين، مرة أخرى، وذلك من خلال طلبه من سويسرا أن تنقل رقم هاتفه لإيران للاتصال به بشكل مباشر في حال رغبوا بالتفاوض المباشر. فما الذي يريده ترامب فعلاً؟ هل يرغب بالتصعيد كما يشير باقي أفراد إدارته، مستشار الأمن القومي جون بولتون، ووزير الخارجية مايك بومبيو، والمبعوث الخاص لإيران بريان هوك، وآخرون، أم أنه يرغب بعقد تفاهمات مباشرة على نحو ما فعل مع «رجل الصواريخ»، رئيس كوريا الشمالية؟

يمكن القول إن سنوات الخروج من العقوبات، ٢٠١٦-٢٠١٨، كانت هي الاستثناء، لا الوضع الطبيعي، في تجربة الكثير من الإيرانيين، لهذا من المستبعد أن يتلقى ترامب ذلك الاتصال الهاتفي الذي ينتظره

ترامب بالطبع يرغب، وهو قادر على أن يقود السياسة الخارجية الأميركية بنفسه، خصوصاً مع وجود وزارة خارجية عرجاء، يقودها بومبيو الذي لفظته وكالة المخابرات المركزية الأميركية بسبب انحيازه السياسي الشديد لترامب، والتي تعاني من استمرار الشواغر في كوادر الوزارة ومناصب البعثات الدبلوماسية الأميركية في الخارج. ولكن رغبة ترامب بحد ذاتها لا تغير كثيراً لا من محدودية قدرته على مواجهة المؤسسات الأميركية ولا من حقيقة التحديات التي تواجهه في الملفات المختلفة: الملف النووي لكوريا الشمالية، وملف الحرب التجارية مع الصين، وملف مواجهة خطر روسيا في أوروبا ووسط آسيا والقطب الشمالي، والملف الإيراني المتشعب.

لن يكون من المستغرب أن يرسل ترامب لطهران رسالةً مفادها أنه مستعد للقاء مباشر مع روحاني، على نحو ما فعل مع رئيس كوريا الشمالية. ولكن هناك مشاكل عدة تعترض نجاح مثل هذه المقاربة. في حالة كوريا الشمالية، كان اللقاء بحد ذاته نجاحاً لكيم جونغ أون. فمن ناحية أولى هو حقق ما لم يحققه والده ولا جده من قبل، وهو اعتراف البيت الأبيض بشرعية النظام الكوري الشمالي عبر لقاء قمة، ومن ناحية ثانية ذهب كيم جونغ أون إلى اللقاء بعد توافق الطرفين على أن الدبلوماسية هي الحل الوحيد بعد فشل كل الحلول الأخرى، بما فيها الحل العسكري. في حالة إيران فإن القبول باللقاء سيكون انكساراً إيرانياً، إذ إن الولايات المتحدة تشترط حصول التفاوض في كامل الملفات: الملف النووي والملف الصاروخي وملف السياسة الإيرانية في الشرق الأوسط، في حين ترفض طهران التفاوض إلا على الملف النووي. كانت إدارة أوباما أدركت استحالة تحقيق اتفاق في جميع الملفات في وقت واحد، فقبلت بالتفاوض على الملف النووي وحده، مقدمةً إياه على غيره. فإذا ما قبلت طهران اليوم ببدء التفاوض في الملفات التي حددتها الولايات المتحدة، سيكون هذا هو رسالة التراجع الأولى.

طهران تعاني حالياً بشدة من تأثير العقوبات الأميركية، خصوصاً مع ظهور بوادر تخلٍّ من بكين، أبرز داعميها، عن شراء النفط الإيراني[١] إلا أن هذه المعاناة لا تعني أن طهران ستتراجع هذا العام أو في العام التالي. ستستحضر طهران تجربة الحرب العراقية الإيرانية ومعاناة الحرب والحصار والتغيير الاجتماعي في سنوات الثورة الأولى. وهذا ليس بالأمر الصعب؛ فعلى عكس المجتمع العراقي الفتي الذي لم تشهد الفئة الأوسع من سكانه ذكريات الحرب (٤١ في المئة فقط من العراقيين أعمارهم تزيد على ٢٥ عاماً[٢]، مقابل ٦١ في المئة من الإيرانيين[٣]) فإن نسبة واسعة من الإيرانيين عاشت الحرب وسنوات التعافي الصعبة في عقد التسعينيات. لهذا، يمكن القول إن سنوات الخروج من العقوبات، ٢٠١٦-٢٠١٨، كانت هي الاستثناء، لا الوضع الطبيعي، في تجربة الكثير من الإيرانيين. لهذا من المستبعد أن يتلقى ترامب ذلك الاتصال الهاتفي الذي ينتظره.

ولكن لماذا يستمر ترامب بهذا التكتيك بعد أن ظهر فشله الواضح في المفاوضات مع كوريا الشمالية، وربما سيظهر قريباً مع روسيا؟ ترامب رجل أعمال تظهر سيرته أنه يعطي المظاهر أهميةً كبرى. فعلى سبيل المثال، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» الأسبوع الماضي أن ترامب عندما كان في بداية مساره، كان قد تكبد خسارات مالية هائلة، في الفترة ما بين ١٩٨٥-١٩٩٤، وصلت في مطلع التسعينات إلى أكثر من مليار دولار[٤]. وذلك في الفترة نفسها التي كان ترامب يُظهر فيها نمط حياته المبالغ في رفاهيته، ويحظى بالشهرة نتيجة كتابه الأشهر، «فن الصفقة»، الذي صدر في تلك الفترة. منطق ترامب هو أنك إن أظهرت للعالم أنك نشط وتتحرك من مكان إلى آخر وتلتقي بالشركاء والمنافسين، فلا بد أنك تحقق إنجازات كبرى. فهل يعقل أن كل هذا وهم؟ نجح هذا التكتيك في العقد الأول من حياة ترامب في مجال الأعمال وسمح بتدفق الاستثمارات والقروض له مما أنقذه، فهل تنقذه هذه التكتيكات في مجال السياسة الخارجية اليوم؟

[١] https://oilprice.com/Latest-Energy-News/World-News/Sinopec-CNPC-Stop-Buying-Iranian-Oil-In-May.html

[٢] https://www.indexmundi.com/iraq/demographics_profile.html

[٣] https://www.indexmundi.com/iran/demographics_profile.html

[٤] https://www.nytimes.com/interactive/2019/05/07/us/politics/donald-trump-taxes.html