برغم قلّة أعداد المحتجّين الذين نزلوا إلى بعض الشوارع والميادين المصرية، ومنها ميدان التحرير، إلا أن الأمر طرح تساؤلات أكثر مما قدّم إجابات، وفتح الباب أمام سيناريوهات تتعلق بمستقبل الاحتجاجات هذه وتحوّلاتها، وبالجوانب المخفيّة فيها التي تكلم عنها البعض همسًا أو علانية.

السياق الجديد

في دول العالم قاطبة، سواء كانت أنظمتها ديمقراطية أم غير ديمقراطية، هناك دائمًا نقاش عام public debate يتناول قضايا مختلفة، من تعليم وصحة إلى اقتصاد وسياسة. وهناك قواعد ناظمة لهذا النقاش محكومة بالدستور والقانون في الدول الديمقراطية. أما في الدول غير الديمقراطية، فهناك خطوط حمراء تسوّر القضايا الكبرى في العادة، فيما بقية التفاصيل تُتاج أمام النقاش المضبوط.

والحقيقة أن أنظمة التعدديّة المقيَّدة، بل حتّى أنظمة الحزب الواحد، تحرص على السماح بحصول نقاش في قضايا جزئية تتعلق بالمشكلات اليومية، وقضايا السياسات العامة داخل الحزب أو المؤسسات الحاكمة، بشكل علني، حتى تمتص جانبًا من الاحتقان، وتتعرف أيضًا على توجهات الناس.

فعلى سبيل المثال، يحكم الصينَ حزبٌ شيوعي يضم حاليًا نحو 90 مليون عضو، أي أكثر من 5 في المئة من تعداد السكان، وهو بذلك يُعد أكبر حزب سياسي في العالم، تناقش قواعدُه معظم القضايا التفصيلية، فيعدّل بناء على هذه النقاشات بعضًا من سياساته، من دون أن ينجم عن ذلك تغيير في ثوابت النظام.

ويمكن العودة أيضًا في السياق المصري إلى كتاب الأستاذ والمناضل النزيه عبد الغفار شكر عن “منظمة الشباب الاشتراكي” (تجربة مصرية في إعداد القيادات 1963 إلى 1976) الصادر عن “مركز دراسات الوحدة العربية”، والذي يدلّ على أن إدارة البلد والمنظمة لم تكن عشوائية ولا أمنية تمامًا (برغم توافر العلّتين) إنما كانت سياسية بالدرجة الأساس.

لقد كان نظام الحزب الواحد في مصر، كما في معظم دول العالم، محكومًا بأصول وقواعد (وهو أصبح جزءًا من الماضي على أي حال)، أي أنه تمكّن من دمج قطاعات عريضة في العملية السياسية لتسويق قدر من الشرعية التي يحكم البلاد عبرها، عن طريق أدوات شعبية وحزبية، ومنظمات أهليه تربط بينه وبين الجمهور، وتسمح بنقل جانب من هموم الناس ومشاكلهم، من المساحات المخفية إلى العلن.

اللافت اليوم أن الوضع الحالي يمثّل استثناء في تاريخ مصر المعاصر، وربما في تاريخ الأنظمة الديمقراطية وغير الديمقراطية على السواء، بحيث يغيب الوسيط السياسي أيًا كان شكله، أو الوسيط الأهلي من نقابات وروابط شعبية ومجتمع مدني أو إعلام مؤثر، وهو ما يعني أن معظم تفاعلات المجتمع ستجري في الخفاء، أو داخل مؤسسات الدولة والنظام نفسه بصورة غير مرئية، وفي أحيان كثيرة سرية.

لماذا الاحتجاجات

إن إحدى الأزمات الكبيرة في مصر تتمثل في غياب النقاش العام الحقيقي حول المشاريع الاقتصادية والتنموية والسياسية، إلى جانب قضايا الصحة والتعليم والمواصلات، كما يغيب الوسيط السياسي والنقابي والأهلي الذي يضمن وجود قنوات تواصل بين السلطة والشعب، وهو ما جعل أي قصة أو شريط فيديو عابر للحدود، مثلما جرى مع فيديوهات المقاول الشاب محمد علي، تؤثر في المجتمع بصورة هائلة، وتصبح بين ليلة وضُحاها حديث البلاد.

والسؤال المطروح هو: هل حماية المجتمع من الدعاية المضادة أو من الإشاعات والإحباط (كما ردّدت وسائل الإعلام المؤيدة للدولة) تكون بالإجراءات الأمنية والمنع؟ الإجابة هي كلا. ليس بالأمن وحده تعيش الشعوب، بل يجب أن تكون لها حصانة ذاتية، تخلقها القدرة على النقاش العام والمبادرة في حدود الدستور والقانون.

لقد سمح هذا الواقع لفيديوهات مقاول شاب عمل مع الدولة 16 عامًا بالتأثير الكبير على جمهور واسع، إذ بلغت مشاهدات فيديوهاته الملايين، بل استجابت أعداد من الناس لدعاوته إلى التظاهر في الشوارع خلال الأيام الماضية، في مشهد لم تعرفه مصر طوال حكم الرئيس السيسي.

إن التفاعلات التي جرت في مصر خلال السنوات الماضية بسبب هذا المسار، كانت معظمها مخفية، تقع في دائرة غير المرئي وغير المتوقع. وهذه الصراعات المكتومة قفزت في وجوهنا حتى اللحظة بصورة حميدة، ولكنها بكل أسف مرشحة لأن تتكرر بصور مختلفة أكثر حدّة، طالما ظل الحكم يفرض قيودًا على النقد العلني بأشكاله كافة، ويحاصر المعارضة المدنية السلمية ويضغط على الصحافة والإعلام، وعلى كلّ من يعمل في العلن.

تحتاج مصر لاستعاده ثقة من يعملون في النور. بخلاف ذلك، لن يكون مستغربًا تحوّل أشخاص ظلّوا مأموني الجانب من قبل السلطة إلى معارضين شرسين لها، ويتأثر بهم ملايين الناس.

 
×