غداة هزيمة الخامس من حزيران/يونيو 1967، شرع باحثو قسم الحرب النفسية في هيئة الأركان الاسرائيلية في صوغ كتب شتى لتغزو مكتبات بعض الدول العربية، خصوصاً بيروت. ومن بيروت كانت تلك الكتب تسلك إلى دمشق وبغداد وعمان. ومن بين تلك الكتب المشغولة بعناية كتاب “وتحطمت الطائرات عند الفجر” (باروخ نادل، 1968) الذي هلل له كثيرون من ذوي النيات السيئة، وفرح له آخرون، واتخذوه مرجعاً عن أحوال العرب وتفسخ جيوشهم ومجتمعاتهم، وعن عدم جدوى النضال في سبيل فلسطين والوحدة العربية. ومن الكتب المماثلة التي ظهرت لاحقاً “الموساد: جهاز المخابرات الاسرائيلية السري” (دنيس أيزنبرغ وإيلي لانداو وأوري دان) الذي صدرت ترجمته العربية عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” و”دار الجليل” في عمان في سنة 1981، وكانت غاية الترجمة معرفة كيف يفكر العدو. وكذلك كتاب “الموساد” (ميخائيل بار زوهر ونسيم مشعال) الذي نشرته في بيروت “الدار العربية للعلوم” في عام 2013.

والمشهور أن الموساد يُفرج، بين الفينة والفينة، عن بعض الحكايات الاستخبارية التي يُعاد صوغها بطريقة تتحول معها تلك الحكايات إلى روايات خارقة، وتُنشر في كتب دعائية بعد مراقبتها بدقة، وبعد إضافة ما لا يحصى من معلومات مخترعة، مثل كتاب “جواسيس جدعون” (غوردون توماس) الذي صدرت ترجمته عن “الدار العربية للعلوم” في بيروت سنة 2007. وقد حاولت المخابرات المصرية أن تحذوَ حذوَ إسرائيل في هذا الميدان، فمنحت الكاتب صالح مرسي ملف الجاسوس المصري جمعة الشوان، فحوّله إلى مسلسل تلفزيوني بعنوان “رأفت الهجّان”. وعلى هذا الغرار صدرت كتب، وأُنتجت أفلام، وأُخرجت مسلسلات عن الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين مثل “وحيد في دمشق” (شموئيل ريغف) و”إيلي كوهين محارب دمشق” (جاك مارسييه). وكانت الغاية اختراع جاسوس خارق وأسْطَرَته واستخدام نتائج ذلك في الحرب النفسية ضد العرب، والمفاخرة أمام الغرب بقدرة الموساد على الاختراق والتسلل. والحقيقة العارية هي أن إيلي كوهين يمثل أحد الإخفاقات الشائنة للموساد. وهاكم التفصيل.

جاسوس خفيف ومصادر تافهة

في العادة يُزرع الجواسيس لفترات طويلة في المجتمعات التي يُراد التجسس عليها، وقلما يُكشف هؤلاء إلا في حالات نادرة. وإذا كُشف أحدهم فإنما يُكشف بعد أن يكون قد خدم سنوات طويلة جداً في مهماته السرية. وهذا ما كانت تفعله وحدة “يوليسيس” التابعة لشعبة قيسارية، أي شعبة العمليات الخاصة في المخابرات العسكرية (أمان) التي أسسها في سنة 1950 أيسر هارئيل رئيس الموساد آنذاك، وعهد بها إلى اليهودي العراقي سامي موريه، فكانت تزرع اليهود العرب في المجتمعات الفلسطينية في لبنان وسوريا باعتبارهم فلسطينيين. وهؤلاء المزروعون تزوجوا فتيات فلسطينيات، وأنجبوا منهن، واستمروا سنوات طوال يعيشون كمسلمين أو مسيحيين من دون معرفة زوجاتهم. واشتُهر من بين هؤلاء أوري يسرائيل (عبد القادر) الذي تزوج فتاة من يافا وعاش معها في البرازيل أولاً ثم في لبنان. وآخر يدعى يتسحاق الذي تزوج فتاة من بلدة مجد الكروم، وأولدها طفلين، وغادر وإياها إلى هولندا للعيش في الوسط الفلسطيني المهاجر.

ليس صحيحاً البتة أن إيلي كوهين انضم إلى حزب “البعث”، وأنه كان مستشاراً لوزير الدفاع، وأنه كان موعوداً بمنصب وزاري مهم. تلك أخبار زائفة ومفبركة أشاعها الموساد بعد إعدام جاسوسه

والحال، إن افتضاح أمر إيلي كوهين بسرعة في دمشق يُعد إنجازاً للمخابرات العسكرية السورية وإخفاقاً للمخابرات الخارجية الإسرائيلية. فالجاسوس إيلي كوهين الذي عملت الإستخبارات الاسرائيلية على تدريبه سنتين متواصلتين، لم يصمد في دمشق غير سنتين ونصف السنة فقط، وسقط بين أيدي الاستخبارات السورية. فهو أقام في سوريا من عام 1962، أي في بداية عهد الانفصال، إلى أوائل عام 1965 (ثلاث سنوات) تخللتها ثلاث زيارات لإسرائيل، أي أنه مارس التجسس 30 شهراً فقط منها شهور ميتة أمضاها في تأثيث المنزل وتجهيزه وشراء المصنوعات الحرفية وغير ذلك من حاجات جاسوس شاب ثري وعازب.

جعلت الدعاية الإسرائيلية كوهين أسطورة في عالم الاستخبارات مع أنه أقل من جاسوس عادي. وضباط الموساد الكبار كانوا يتندرون على رسائله وضحالة مضامينها. ففي إحدى المرات بعث إلى رؤسائه برسالة يعبر فيها عن غضبه لهزيمة فريق كرة القدم الإسرائيلي أمام فريق زائر، وختم رسالته بالجملة التالية: “أَلم يحن الوقت كي ننتصر في ملاعب كرة القدم؟ أبلغوا الفريق الخاسر أنهم جلبوا لنا الخزي والعار”. ولم يكن يتردد في إرسال رسائل إلى مشغّله في مقر الموساد يطلب فيها إبلاغ تحياته إلى زوجته في عيد ميلادها، وإلى أولاده في أعيادهم أيضاً. ولما كان شقيقه موريس يعمل بدوره لدى الموساد في أجهزة استقبال الرسائل المشفرة، لاحظ أن هذه الرسائل تطابق تواريخ ميلاد زوجة أخيه وأولاده، وأن تلك الرسائل الواردة من دمشق تتوقف تماماً حين يكون كوهين في إسرائيل. وفي إحدى المرات سأل موريس أخاه إيلي كوهين عن حذاء اشتراه هدية لابنته، فأجابه أنه اشتراه من باريس. وكانت العلامة التجارية مكتوبة على الحذاء بالعربية. ولما نبهه موريس إلى هذا الأمر، استشاط إيلي كوهين غضباً. والمعروف أن أخطر ما يمكن أن يعرّض الجاسوس للانكشاف هو معرفة عائلته ومحيطه العائلي بمهمته السرية. ومؤخراً، وفي سياق تباهي الموساد باستعادة جثة الرقيب الأول في الجيش الاسرائيلي زكريا باوميل في 3/4/2019، راح يتفاخر باستعادة ساعة اليد التي كان يضعها إيلي كوهين في معصمه الأيسر، وأنها صارت في حوزة عائلته في 5/7/2018. وتبين لاحقاً أن الساعة جرى شراؤها في مزاد علني بواسطة الانترنت.

لم يمكث هذا الجاسوس طويلاً في دمشق، ومعلوماته كانت تأتي من مصدرين فقط: جورج سالم سيف، وهو موظف مدني في وزارة الإعلام السورية، والملازم الأول معذى زهر الدين إبن أخت قائد الجيش المتقاعد عبد الكريم زهر الدين. وكان جورج سيف يزود كوهين بملخص يومي للصحف العربية، فينتقي منه كوهين ما يلائمه ويُرسله إلى إسرائيل. وهذا مصدر فقير جداً، وهو منشور، في أي حال، في الصحف العربية. أما الملازم الأول معذى زهر الدين فهو ضابط صغير، ويكاد يعادل رتبة العريف في الجيش اللبناني مثلاً، لأن الكليات الحربية السورية كانت تخرّج سنوياً مئات الضباط من أمثاله، وهؤلاء الذين لا مناصب قيادية لهم بحكم رتبهم المتواضعة، كانوا يمضون أوقاتهم في الثرثرة السياسية. ومن أفواه هؤلاء كان كوهين يلتقط معلوماته في أثناء السهرات في منزله التي كانت تضم بعض النساء الجميلات. والمعلومات بسيطة في العادة. وعلى سبيل المثال، استقال اللواء محمد عمران في سنة 1964 من منصبه (نائب رئيس مجلس الوزراء)، وأجّلت القيادة السورية إذاعة الخبر لترتيب المسألة داخلياً، فعلم إيلي كوهين من معذى زهرالدين بذلك، وأرسل الخبر إلى الموساد، فإذا بالإذاعة الإسرائيلية تذيع الخبر الذي فاجأ المسؤولين الحزبيين في سوريا. وهذا عمل غير محترف وخفيف جداً، والخبر كان سيذاع في أي حال خلال أيام. لكن إذاعة الخبر في الإذاعة الاسرائيلية نبّه الجهات الأمنية السورية إلى أن هناك جاسوساً في دمشق، وهو الذي يزود إسرائيل بتلك الأخبار. وعلى هذا النحو أرسل كوهين خبراً عن تعيين الوليد طالب وزيراً للخارجية بالوكالة، فأذاع الموساد الخبر، ويا له من خبر أمني عظيم!

سقط كوهين جراء تفاهة تدريبه على إرسال الرسائل المشفّرة، خصوصاً في بيئة تعج بمراكز عسكرية ودبلوماسية تبث رسائل من هذا الطراز

لاستكمال أسطرة إيلي كوهين راجت حكايات خرافية عن زياراته الجبهة السورية المواجهة لإسرائيل مع الفريق المصري علي علي عامر، وأنه تمكن من التقاط صور للأسلحة والتحصينات ومواقع الانتشار العسكري، وهذا كله غير صحيح. كوهين زار منطقة الحمّة مرتين والتقط فيهما الصور. والحمّة المطلة على بحيرة طبرية هي منطقة سياحية كان الزوار الأجانب يتدفقون عليها للعلاج في مياهها الكبريتية المشهورة. ثم أن الجولان كان عامراً بسكانه، والناس تسبح عند الشاطيء الشرقي لبحيرة طبرية، وزيارة تلك البقاع كانت ميسورة للجميع، كأن يذهب اليوم أي مواطن إلى الحدود اللبنانية المواجهة لإسرائيل، ويلتقط الصور في العديسة أو ميس الجبل أو كفركلا أو الخيام أو مليتا. فأي قيمة أمنية لمثل تلك الصور؟ وليس صحيحاً البتة أن إيلي كوهين انضم إلى حزب “البعث”، وأنه كان مستشاراً لوزير الدفاع، وأنه كان موعوداً بمنصب وزاري مهم. تلك أخبار زائفة ومفبركة أشاعها الموساد بعد إعدام جاسوسه، وما برح إعلاميون جهلة من الصحافة العربية وفي محطات التلفزة اللبنانية والعربية يرددونها بلا تبصر أو تدقيق أو معرفة. والتقرير ذو الأهمية الذي أرسله كوهين إلى الموساد يتعلق بمشروع جر مياه بانياس إلى نهر اليرموك. فقد تعرف كوهين في دمشق إلى مهندس ومقاول لبناني يدعى ميشال صعب كان يعمل في هذا المشروع، وأطلعه على خرائطه، وأخبره أنهم قطعوا أشواطاً في الأعمال التمهيدية التي سيتمكن السوريون في نهايتها من شق قناة بطول 70 كلم من بانياس إلى اليرموك بحيث يتم احتجاز مئة مليون متر مكعب من المياه سنوياً بعيداً عن طبرية، وتُحرم اسرائيل منها.

السقوط الأخير

صنع الموساد لنفسه صورة مبجلة، وصار اسمه مقروناً بالإقدام والشجاعة، وباتت كلمة “موساد” تعني الذكاء والتخطيط وعدم الفشل. ولا شك في أن بعض العمليات الناجحة أكسبته تلك الهالة مثل اختطاف أدولف آيخمان (جزار يهود ريغا) من الأرجنتين في سنة 1960 وإعدامه في إسرائيل في سنة 1961، وتجنيد الطيار العراقي منير روفا الذي فر بطائرة ميغ إلى اسرائيل في سنة 1966 بعملية منسقة مع وكالة المخابرات المركزية الأميركية وجماعة مصطفى البارزاني وسلاح الجو التركي، واغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة (كمال عدوان ومحمد يوسف النجار وكمال ناصر) في قلب بيروت في سنة 1973، واغتيال علي حسن سلامة (1979) وخليل الوزير (1986)، وعاطف بسيسو (1992) وفتحي الشقاقي (1995) وعماد مغنية (2008)، علاوة على اختطاف مردخاي فعنونو (1986)، وقبل ذلك اغتيال محمود الهمشري ووائل زعيتر ومحمد بودية. لكن الاستخبارات الفلسطينية تمكنت، في عملياتها المضادة، من قتل تصادوق أوفير مدير محطة الموساد في بروكسل (1972)، وعامي تساحوري ضابط الموساد في أمستردام (1973)، وباروخ كوهين مدير محطة الموساد في إسبانيا (1973)، واقتحام الزورق First في ميناء لارنكا القبرصي وقتل ثلاثة إسرائيليين كانوا على متنه وهم أستر بالتزر التي شاركت في اغتيال وائل زعيتر، وأبراهام أفنيري الذي شارك في عملية فردان، وريفلين بالتزر (1985).

إن إخفاقات الموساد كثيرة جداً مثل فضيحة بنحاس لافون في مصر(1954)، واختطاف طائرة مدنية من المجال الجوي اللبناني لاعتقاد الموساد أن جورج حبش على متنها (1973)، والفشل الاستخباري الكبير في حرب تشرين الأول 1973، واغتيال محمد بوشيخي في النرويج (1973)، وإسقاط الطائرة المدنية الليبية فوق سيناء (1973)، وانكشاف أمر الجاسوس جوناثان بولارد في أميركا بعد 18 شهراً فقط على تجنيده (1985)، واختطاف طائرة مدينة ليبية لاعتقاد الموساد أن جورج حبش وأحمد جبريل على متنها (1987)، وفشل محاولة اغتيال خالد مشعل في الأردن (1997)، وغير ذلك كثير. وكان سقوط إيلي كوهين المولود في الإسكندرية سنة 1924 لعائلة يهودية حلبية مهاجرة (والده شحادة الجندي أو شاوول كوهين، ووالدته صوفي الطويل) أحد أبرز الإخفاقات الإستخبارية الاسرائيلية. وقد سقط كوهين جراء تفاهة تدريبه على إرسال الرسائل المشفّرة، خصوصاً في بيئة تعج بمراكز عسكرية ودبلوماسية تبث رسائل من هذا الطراز. فقد شكت السفارة الهندية في دمشق من التشويش الذي تتعرض له في أثناء بث رسائلها (الثامنة صباحاً)، فقامت الأجهزة المختصة السورية بتحري الأمر مستعينة بجهاز سوفياتي متطور. وبإجراء بسيط هو وقف البث نهائياً في حي أبو رمانة وجواره في ساعة محددة، تمكن محمد داود بشير الضابط في سلاح الإشارة السورية من تحديد المكان الوحيد الذي يجري البث فيه، فدوهم المنزل في 24/1/1965، وقُبض على إيلي كوهين، وخضع للتحقيق على أيدي رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية اللواء أحمد سويداني، ونائبه العقيد عدنان طبارة، ثم أُحيل إلى المحكمة العسكرية برئاسة العقيد صلاح الضلّي التي حكمت عليه بالإعدام، ونفذ الحكم في ساحة المرجة في 18/5/1965 بحضور رئيس المحكمة العسكرية صلاح الضلّي، ومدير مكتب رئيس الجمهورية منذر الموصلي، والقاضي العام أبو الخير الأسطواني، والحاخام نسيم أندبو. وقد راجت حكايات عن أن الاستخبارات المصرية هي التي كشفت أمره، وأن جمعة الشوان (أو رأفت الهجان) شاهد صورته في إحدى الصحف المصرية مع رئيس القيادة العربية المشتركة الفريق علي علي عامر، فعرفه على الفور، وأخبر المخابرات المصرية أنه يدعى إيلي كوهين وليس كامل أمين ثابت. وهذه كلها حكايات لا صلة لها بالحقيقة على الإطلاق.

*   *   *

كتب إيلي كوهين قبل إعدامه رسالة بالعربية إلى زوجته نادية، وبخط يده، يعرب فيها عن ندمه. ونادية ممرضة يهودية عراقية كانت تعمل في مستشفى هداسا في القدس، وهي شقيقة الأديب المشهور سامي ميخائيل الذي كشف بنفسه أن “أمان” حاولت تجنيده للعمل في دمشق منذ سنة 1960، لكنه رفض، فاختارت كوهين لهذه المهمة بدلاً منه. وتلك الرسالة التي كتبها كوهين إلى زوجته بحرية تامة، ليس فيها أي موقف بطولي كالذي يتخذه المحكومون بالإعدام في لحظاتهم الأخيرة حيث لا شيء يخسرونه البتة. ودفن كوهين، في البداية، في كهف على طريق دمشق – الديماس (طريق لبنان)، ثم نُقلت جثته لاحقاً إلى مكان مجهول (صلاح الضّلي، مقابلة مع مجلة الوسط، 22/3/2004). وهذه هي حكاية إيلي كوهين الجاسوس الأقل من جاسوس عادي لكنه نال تمجيداً لا يستحقه على الإطلاق.