لم تُتح لنا فرصٌ كثيرة للّقاء. تعرّفنا من خلال زميلة تربطني بها صداقة تمتد نحو ثُلث العمر، ومَعزّةٌ تتجاوز حساب المدّة تلك بكثير. قبل أسبوعين التقيتُ بصديقتي في القاهرة. قالت لي هيّا نجتمع بزياد. أذكر أنّكَ ليلتها كنت منهكًا، لكنّك كُنت فرحًا لسببين، أوّلهما عيد ميلاد ابنك، وثانيهما تحالفٌ عَقَدت عليه الأمل واعتُقلت مع رفاقك أول أمس بسببه، بحجّة الإعداد لإسقاط مؤسسات الدولة المصرية!

“ضربة قاصمة وجهتها وزارة الداخلية لإجهاض تحركات جماعة “الإخوان” الإرهابية التي تسعى لزعزعة أمن واستقرار البلاد… والقبض على المتورطين، بينهم النائب السابق زياد العليمي”.

بصراحة، حين قلتَ لي يومها إنك تتوقع الاعتقال، لم يخطر ببالي أن الخبر قد يرِد بالمستوى الهزلي أعلاه في الصحف الصفراء. لكنّ “الأخ الأكبر”، بطل جورج أورويل، أو شيطانه، يتجاوز توقعاتنا دائمًا بنسخته العربية. ومصر اليوم ليست استثناءً في خرابنا العربي العميم، بل لعلّها شرطه اللازم.

أنت متّهم اليوم، مع مجموعة من رفاقك المنتمين إلى حركات سياسية مختلفة، بالإعداد لانقلاب على الدولة عبر “خليّة” “تحالف الأمل”، في ذكرى الثلاثين من يونيو. مذهلة رمزية هذه التهمة. تبدو فيها كالمحكوم بالإعداد للأمل في ذكرى حراك بدأ احتجاجيًا ضد الرئيس السابق محمد مرسي، وانتهى مطيّةً لخلفه إلى السلطة. يا لهذه التهمة؛ الأملُ بتجاوز خَيبتيْن.

وغرابة الاتهام لا تقف عند هذا الحد، فالإعداد للأمل تمّ عبر “خليّة سرّية”، يقول الزعم، فيما المعلوم أن المبادرة تتّصل بمساعي التأسيس لتحالف عريض من القوى المدنية لخوض الانتخابات. حتى أنا، اللبناني الذي كنت عابر سبيل ليومين في القاهرة، أعلم ذلك.

لم نتداول في السياسة كثيرًا في ذلك اليوم. تحدثتَ قليلًا عن تجارب اعتقالك الأولى، وبينها ما تسبّبَت به تظاهراتٌ مناهضة للحرب على العراق عام ٢٠٠٣، يوم كان مبارك في الحكم. تحدثنا كذلك عن السودان، الذي تابعتَ أحداثه أولًا بأول، عاقدًا المقارنات بين ثورته وثورة يناير.

أدري اليوم أن المعتقل يفرض اختبارات يصعب احتمالها. بالأمس، قالت لي الصديقة إنهم تمكنوا من إدخال دواء السّكري لك. “طب الحمد لله”، قلت لها. تدفعنا الديكتاتوريات إلى الفرح بإنجازات صغيرة كهذه. هذا الفرح موجعٌ، وقاهر.

على صفحتك على “فيسبوك”، تقول إنك لم تكُن تتوقع في مطلع يناير أن يتنحى مبارك. في الخامس والعشرين من الشهر ذاك، يوم بدأت الجموع تتدفق إلى شوراع مصر، قُلتَ مع عدد من رفاقك المتظاهرين “هنتحبس شوية ونخرج”. وفي الثامن والعشرين منه، أخذ تقديركم يتطور مع تتابع الأحداث: “إحنا هناخد أحكام كبيرة”. ثم بُعيد “معركة الجمل”، راح سوء الظن بعيدًا: “اتعدمنا خلاص”، قال الواحد منكم للآخر. لكنّ التقهقر في ذلك اليوم لم يكُن خيارًا متاحًا ولا كان التراجع واردًا، وكان النضال لنيل الخلاص مذهلًا.

على صفحتك أيضًا إحالات إلى الشاعر أمل دنقل.

“إن الرصاصة التي ندفع فيها.. ثمن الكسرة والدواء:

لا تقتل الأعداء

لكنها تقتلنا إذا رفعنا صوتنا جهاراً”

لعلّ الشاعر أمل منظّرُ خليّتكم السريّة التي تحمل اسمه.

وعلى الصفحة كذلك تفاعلٌ مع مجريات الأحداث في السودان، وأبيات حفظها آلاف السودانيين عن ظهر قلب وراحوا يرددونها في الساحات:

“نحنا السقينا النيل

من دمنا الفاير

ما بننكتم نسكت

في وش عميل جاير

الطلقة ما بتحرق

يحرق سكات الزول”

طلقةُ الرصاص لا تحرق، تقول القصيدة، بل السكوت يفعل.

ظنّي أنك لم تكن من الساكتين قط، لا حين كنت ناطقًا باسم “ائتلاف شباب الثورة” عام ٢٠١١، ولا يوم أصبحت نائبًا معارضًا في البرلمان، ولا بعدما راح أخٌ أكبر يبتلع منجزات الثورة واحدًا واحدًا، وإنسانًا تلو آخر.

“بكرا بتاعنا”، يفيد “هاشتاغ” تستخدمه على “فيسبوك” مرارًا. بديهي أن يتمسّك به من لا يرغب بالسكوت، وبأن يكون، كما الحالمين بغدٍ مدنيٍ ديمقراطي، في الاعتقال وخارجه، من المحيط إلى الخليج، جزءًا من تحالف الأمل.

وبانتظار أن يكون ذاك التحالف أكبر “خلية سريّة” في التاريخ، فإن الأمل معقود على الإفراج عن أفراد “خليّتكم” المصغّرة بأسرع ما يمكن، والعمل مطلوب في هذا الاتجاه، بما تيسّر من أدوات شعبية وقانونية.