يعتقد بعض اللبنانيين والعرب، غالبًا نتيجة رغبةٍ بالتّحرّر من المصطلحات الرّثة التي تزخر بها قواميسنا الاجتماعية والسياسية، أن كلمة “أسوَد” تعبيرٌ عنصري، ويفضّلون استبدالها بعبارة “أسمر” أو “أميركي من أصول أفريقيّة” أو خلافها من المصطلحات “الصائبة سياسيًا”. أحدُ مقدّمي البرامج المعروفين في لبنان مثلًا، نيشان ديرهاروتوينيان، استهجن مرّة ورود الكلمة على لسان طبيب لبناني مقيم في الولايات المتّحدة خلال إحدى حلقات برنامجه على قناة “الجديد”، وقام بـ”تصويب الخطأ” بأن نصح ضيفه باستعمال تعريفٍ بديلٍ لا يحتوي على مدلول عنصري.

لكن الكلمة المُستهجنة، في الواقع، ليست ذات حمولة عنصريّة إطلاقًا، فهي ترد في أبحاثٍ ومقالاتٍ وبرامج تلفزيونيّة أميركيّة على الدوام من دون أن يثير الأمر جدلًا ولا أن يستدعي تحرّيًا. بل إن إحدى الدراسات الصادرة عن The American Association for Public Opinion Research عام 2005 (مطبوعات “دار جامعة أكسفورد”) تُظهر تفضيل كلمة “أسود” على “أفرو ـ أميركي” بين الأميركيين من أصول أفريقية. كذلك تتصدّر الكلمة، كما هو معلوم، عنوانَ أكبر حملةٍ داعمةٍ لحقوق الأميركيين السّود في العقود الأخيرة Black Lives Matter. أَستخدِمُ مُقدّمة المقالة هذه (المقطعين الأوّلين) كهامش لعنوانها، بغرض استباق أيّ استهجان مُحتمل للكلمة الواردة في متن العنوان.

التمييز البنيوي والمؤسّسي

“أن تكون أسودَ في أميركا لا ينبغي أن يكون عقوبة إعدام”. بالتعليق هذا على حادثة القتل المروّعة لجورج فلويد بأيدي (بل بأرجُل) عناصر الشرطة، أشار رئيس بلدية منيابوليس قبل أيام إلى ما لا ينبغي أن يكون عليه حال السّود في الولايات المتّحدة. لكنّ واقع الحال ما زال مختلفًا عمّا “ينبغي أن يكون عليه”، برغم التقدّم الذي أحرزوه خلال العقود الأخيرة لجهة انتزاعهم الكثير من الحقوق وقونَنتها وإحلال السّجال حول انتهاكها في متن الفضاء العام public sphere، بعدما كان على هامش هذا الفضاء في أحسن الأحوال.

أن تكون أسودَ في أميركا اليوم يعني أنّ ذاكرتك تحمل ندوبًا ناجمة عن تاريخ من الحقوق المهدورة، وإرثًا مديدًا من النضالات من أجل نيل هذه الحقوق أيضًا. لكنّ أثر نيل الحقوق، في المحصّلة، ظلّ مقيّدًا بتبعات الكثير من الحقوق الاقتصاديّة ـ الاجتماعيّة المُكتسبة للبيض، والتي لم تكن إعادةُ النظر بها ممكنة عمليًا بعد إعادة تشكيل المنظومة الحقوقيّة الأميركية على دفعات وعلى وقع الانتفاضات المتتابعة للفئات المهمّشة (وعلى رأسها مجتمعات السّود) والعمل الدؤوب للمؤسسات الحقوقيّة الداعمة لها. فبين عامي 1868 و1934، مثلًا، وزّعت الحكومة الفدراليّة الأميركيّة حوالي 245 مليون هكتار مجانًا على مستفيدين من البيض بشكل شبه حصري. وبما أنّ الملكيّة ولّادة لأرباح ريعيّة تستفيد منها أجيال من الملّاك، كما نعلم، فإن أحد آثار توزيع واسع النطاق للملكيّة على مدى نحو سبعين عامًا، لا بدّ أن ينعكس اختلالًا في المداخيل على مديات زمنيّة طويلة أيضًا.

من هنا، فأن تكون أسودَ في أميركا اليوم ما زال يعني أن تُضطر إلى التعامل، يوميًا، مع أشكالِ ومظاهرِ وتبعاتِ عنصريّةٍ بنيويّةٍ ومؤسّسيّة structural and institutional racism، تعزّزها وتعكسها خطوطٌ فاصلة ـ بالمعنيين العرقي والاقتصادي ـ بين التجمعات السكنيّة المختلفة، وتراجع في الخدمات التعليمية والصحيّة في المناطق “الملوّنة” الأكثر فقرًا، قياسًا على نظيرتها الأكثر حظوة. ففي نيويورك، مثلًا، إن ركبت المترو من مانهاتن (أغنى أحياء المدينة الخمسة) إلى برولكين أو كوينز أو البرونكس، بإمكانك أن تلاحظي تغيّر نسبة ركّاب القاطرة، من غالبية بيضاء في مانهاتن إلى غالبية من السّود والأميركيين اللاتينيين والآسيويين في أعماق بروكلين وكوينز والبرونكس. أما بالنسبة للتفاوت في الخدمات الصحيّة، فنسب الوفيات الناجمة عن فيروس “كوفيد ـ 19” أخيرًا تبيّنها بوضوح (السود أكثر من البيض بثلاثة أضعاف)، فيما تكشف أرقام قطاع التعليم تفاوتات مشابهة (أظهر تحليل للبيانات الفدراليّة عام 2016، مثلًا، أن غالبية السّود في 83 من أصل أكبر 97 مدينة أميركية، يرتادون مدارس يُصنّف المسجلون فيها قليلي الدخل أو فقراء).

كذلك تعكس أشكالَ هذه العنصريّة وتبعاتِها (وتعزّزهما) نسبُ الجرائم المتباينة بين البيض والسّود، وعقوبات الحبس التمييزيّة التي تطالهم أحيانًا كثيرة. ويمكن العودة في هذا الإطار، مثلًا، إلى الأرقام الرسميّة الصادرة عن وزارة العدل الأميركية، والتي تشير إلى أن ما بين 2 و3 في المئة من مُجمل الذكور السّود في أميركا كانوا سجناء محكومين بين عامي 2014 و2018 (السّود يمثلون نحو 13.4 في المئة من إجمالي عدد السكان الأميركيين بحسب إحصائيات 2019). في المقابل، فإن عدد البيض المحكومين يقلّ عن ربع عدد نظرائهم السّود، علمًا بأن الأميركيين البيض يمثلون نحو ستة أضعاف سكان البلاد السّود (نحو 76.5 في المئة من إجمالي عدد السّكان بحسب إحصائيات 2019). طبعًا يمكن الحديث طويلًا أيضًا عن دور عمليّة الإنتاج المعرفي وأدوات هذه الإنتاج، خلال القرن العشرين تحديدًا، في خلق قبول عام لبعض أشكال التمييز وقوننة هذا القبول تحت مسمّيات مختلفة. فعلى سبيل المثال، ليست هناك نصوص قانونيّة تجرّم خطاب الكراهية hate speech في أميركا، بحجّة تعارض قيود كهذه مع مبدأ حرّية التعبير الذي يكرّسه التعديل الأوّل في الدستور الأميركي First Amendment. وكما يعلّمنا ميشال فوكو، فإن اللغة (والإنتاج المعرفي المرافق لها) تمظهرٌ لعلاقات القوّة في المجتمع، وكذلك هي الآليات القانونيّة المعبّرة عنها.

تعايش الهويّات

قبل سنتين تقريبًا، علّق مقدّم البرنامج الأميركي الشهير The Daily Show، الكوميدي الجنوب أفريقي تريفور نوا، على رسالة وصلته من السفير الفرنسي في واشنطن يستنكر فيها الأخير مزحة وردت على لسان نوا خلال إحدى حلقات برنامجه، مفادُها أن الفريق الفرنسي الذي فاز بكأس العالم لكرة القدم عام 2018 إنما هو “منتخب أفريقيا” (بسبب غلبة اللاعبين السّود على تشكيلة الفريق). أشاد نوا (وهو من أب أبيض وأم سوداء)، في ردّه على السفير، بقدرة الأميركيين على التمتّع بهويّتين في الوقت عينه من دون أن تمحوَ واحدة منهما الأخرى، خلافًا لحال الفرنسيّين الذين كان سفيرُهم يساجل انطلاقًا من فهمهم الأحادي البعد لمسألة الهويّة. فالأميركيّ الأسود أميركيٌّ وأفريقيٌّ (أو لاتينيٌّ) في الوقت عينه، هويّتاه الثقافيّتان تتجاوران، بينما الفرنسيّ الأسود فرنسيٌّ فحسب.

يمكن المحاججة دفاعًا عن فكرة “تجاور” الهويّات في المجتمع الأميركي برغم ما في هذه المحاججة من مثالب، على اعتبار أن التجاور أو التعايش بين هويّتين أو أكثر داخل الفرد الواحد، ليس مجرّدًا عن تأثير علاقات القوّة بين الأميركيين، بشكلها التاريخي السابق والبنيويّ أو المؤسسيّ الراهن. لكن الأكيد أن كلّ ما سبق ذكره لا يعني أن حال مجتمعات السّود في الولايات المتّحدة أكثر سوءًا من حال الغالبية العظمى من مواطني دولِنا، كما يوحي به الكثير من التعليقات على أحداث أميركا في وسائل الإعلام العربية وعلى مواقع تواصلنا الاجتماعي. فالإسقاطات المُعلّبة هذه تتّسم بقدرٍ من الاستغراب occidentalism – الذي يمثّل شكلًا من أشكال الاستشراق المعكوس reverse orientalism – وهذا الأمر لا يُظهر ذهنيّة طارئة على أيّ حال، بل فهمًا (أو سوء فهم) عام يعبّر عن نفسه عند كلّ حدث فارق في “الغرب”. لكنّ هذا، بدوره، بحث آخر يطول.

 
×