إلى متى تُقتل النساء في بلادنا المجنونة إذا ما قرّر ذكرٌ فالتٌ ذلك؟ للوهلة الأولى، يبدو الجواب بسيطاً، بل بديهياً. حتى يسود قانونٌ وضعيٌ يساوي بين الجميع، وبصرامة. هكذا فقط. لكننا نعرف تماماً أن الأجوبة، في بلادنا، قلّما تكون بسيطة وفي متناول اليد. فمن يسنّ قانوناً كهذا في بلادٍ فيها رجالٌ لا يعتبرون النساء بشراً وحكوماتٌ لا تعتبر الرجال بشراً، وحيث تتداخل دوائر القمع والعنف وتجري إلى الأبد؟ القانون لدينا مزيجٌ عجيبٌ من الشرائع والأعراف الدينية والأخلاقوية والتراثية القمعية، التي يسهُل أن تكيل بمكيالين أو بعشرةٍ حتى. وهي إذا ما نفضنا الغبار عنها ستبعث سحابةً تضاهي دخان حرائق غابات الأمازون. وقانوننا صورةٌ عنا. صورةٌ عمن يقبل عنفاً تجاه الآخر الجندري أو الطائفي، ويشجبه إذا ما أصاب جندره أو طائفته. صورةٌ عن ذلك العِتل الشهوان الذي ينقضّ بالغزل والتطفّل على نساء العالم أجمعين، وينقضّ بالضرب والقتل على أخته. هو قانون ولكن. يسري حيناً ويستتر أحياناً.

وكما قد يكون الجواب السابق بسيطاً، كذلك هي قضية إسراء غريب. هي قضيةٌ بسيطةٌ وواضحة. هي صبيةٌ أرادت عيش صباها وشغفها، وقتلت لأجل هذا. هي صبيةٌ تغلّبت غريزة الدم لدى ذكور عائلتها على رابطة الدم. لم يروا فيها ابنةً أو أختاً، ولا حتى إنساناً يستحق الحياة، فنالت القتل لأنها أرادت الحياة. وكل من يبحث عن أسبابٍ وتفاصيل وتفسيراتٍ وتحليلاتٍ وما ورائيات، يقتلها كل يوم. وتلك الحملة التي خرجت على منصات التواصل الاجتماعي لا تبشر بالخير كما يبدو في الظاهر. فالعديد من المنشورات يسعى في الواقع إلى تبرئة إسراء من “تهمتها” ويبحث لها عن أعذار. هنالك من يقول إنها ضحكت لأنها كانت مع من تحب. وهنالك من يقول إنها تجمّلت لأجل خطيبها، كما عادة الفتيات. وهنالك من يقول إنها خرجت بموافقة والدتها، وأن أخت خطيبها كانت أيضاً موجودة، أي أن لا ثالثَ شيطانٌ كان يلهو بينهما. وهنالك من أنكر تبرير القتل بـ”جريمة الشرف” لأن إسراء “حافظت على شرفها”. ولا يخجل أي من هؤلاء التبريريين، بل يرفعون الصوت عالياً وكلهم فخر أنهم يدافعون عن امرأة مضطهدة “لم تشلّف” كما ورد في محادثة مسرّبة لإسراء.

ولكن، من أعطانا الحق كي نقول لامرأةٍ كيف تلبس وتتعطر، وكيف تحكي وتعيش؟ من أعطانا حقّ الإدانة؟ من أعطانا حق تفنيد مظالم النساء وقصص قمعهنّ؟ ما من أحد سوى موروثنا الديني والاجتماعي الذي أنتج ثقافة لطالما رأت في المرأة كياناً كاذباً مهيأ فطرياً للخديعة والخطيئة. ولهذا تكون ردةُ الفعل الأولى التشكيكَ في قصة أي امرأةٍ تعرضت لتعنيف أو لاضطهاد. “ما الذي فعلته؟” “ماذا قالت؟” “ما الذي كانت تلبسه؟” وإذا ما اطمأن قلبنا إلى الأجوبة، قد نلبس عباءة الرجل المتفهم العصري الذي يرفض ظلم النساء مهيضات الجناح. ولهذا تقضي المرأة عمرها في رهبةٍ وتحايلٍ على المجتمع والعائلة والعمل والشارع، لتنال فتات حقوقها حتى تنسى ما تحب، وتنسى كيف تكون الحياة من دون خوف أصلاً. وما أصبح من عاديّات حياة المرأة في مجتمعاتٍ أخرى، ما يزال يعدّ في بلادنا منّةً أو ترفاً أو أعجوبةً حتى إن حصل. وحريات المرأة الأساسية في بلادنا خطيئةٌ بحد ذاتها. فإن خرجت إلى عملها وتعرضت للتحرش فذلك متوقعٌ، بل جائز. أليست هي من خرجت من شرنقة بيتها وعرضت نفسها للمخاطر؟ “أو ليست حرة؟ فلتتحمل نتائج حريتها؟!”. أليس هذا لسان حال بطاركة مجتمعها، إلى أن تقتنع بأنها مسؤولة عن العنف الممارس ضدّها، وأنها تجلب العار على أهلها إن هي رغبت في أن تكون إنساناً؟

هكذا تقضي المرأة عيشتها – وليس حياتها – في دوامةٍ من العنف الظاهر والمخفي، والمباشر والمتواري. هل إسراء حالة فريدة؟ أبداً. هنالك آلاف الإسراءات. كلنا إسراء وكلنا قتلة إسراء. نحن معنَّفون ومعنِّفون. وإن لم يرَ كلّ فردٍ في مجتمعاتنا في نفسه إنساناً كاملاً وفي الآخر إنساناً كاملاً على الدرجة ذاتها من الاستقلالية والحقوق الواجبات، فلن نخرج يوماً من دائرة العنف والجنون، بل ستظل الدائرة تكبر في موجات ارتدادية لا متناهية.

 
×