بعد حوالي عقدٍ من الحرب والدمار والتشرد والعنف والضغينة والتعثّر، قد يقول قائلٌ إن السوريين، حكاماً وشعباً، موالاةً ومعارضةً، مقيمين ومغتربين، تلقّنوا الكثير من العِبَر. فبدخول الأزمة السورية سنتها العاشرة، صارت خسائر الأرواح تقدر بحوالي نصف مليون شخص – مع وجود هامشٍ كبيرٍ للخطأ – عدا عن أرقام النزوح الداخلي والخارجي الهائلة، فيما تقدر الخسائر المادية، في البنى التحتية والفوقية وميزان التجارة والقطاعات المنتجة، بحوالي نصف تريليون دولار. فإن لم يكن السوريون قد استوعبوا ما يكفي من الدروس، فقد يكونوا على الأقل تعلّموا الهدوء في محاكمة الأمور، وعرفوا أن العالم بأجمعه لا يأبه حقيقةً لصراعاتهم، وأن طعناتهم العمياء لا تقتل أحداً سواهم، وأن قناعاتهم وأفكارهم يمكن مناقشتها أو حتى تفكيكها من دون أن تنهار الدنيا من حولهم.

ولكن الواقع يقول عكس ذلك، إذ ما زال هناك بين المسؤولين الحكوميين وبين المعارضين من يتعنّت في مواقفه لدى مخاطبة الناس، حتى في أشد ساعات الأزمة وأحلكها. مرّ النصف الأول من حزيران/يونيو ثقيلاً ومحملاً بالمزيد من القهر في الشارع، وفيضاً من التخبّط الحكومي والإداري، والتصريحات غير المسؤولة وغير المحسوبة. ومع اقتراب تطبيق حزمة العقوبات الأميركية الأكثر قسوة، المعروفة باسم “قانون قيصر”، تبوّأ الوضع الاقتصادي والمعيشي هموم الناس بعدما دخلت الليرة السورية مساراً انحدارياً فقدت فيه مزيداً من قيمتها أمام الدولار الذي سجل ارتفاعاً بأكثر من ألف ليرة بسعر تصريفه في غضون أسبوع واحد، متجاوزاً حد 3,000 ليرة للدولار الواحد. رافق ذلك جنونٌ في أسعار حتى أبسط المواد وأكثرها أساسية، مع أزمة خبزٍ وطاقةٍ مستمرة منذ بداية العام.

وفيما انتظر كثير من السوريين موقفاً رسمياً يزيح بعضاً من الثقل الملقى عليهم، رفض المسؤولون منحهم ولو نتفاً من الأمل، فلم تخرج تصريحاتهم عن نطاق المعتاد وسط ظروف غير معتادة، وبقي من هم في دوائر عملية صناعة القرار منفصلين عما يجري على الأرض. سمع السوريون مطالباتٍ بالصمود والتصدي للمؤامرات الخارجية، واتهاماتٍ للإعلام المغرض، ووعوداً بحشد الطاقات وكأنما الزمن توقف عند العام 2011 وما من جديد على الساحة.

استفحل الغضب المكبوت لدى الناس إلى أن انفجر تظاهرةً في السويداء جنوب سوريا تباينت مشاعر السوريين حيالها، وإن كانت حرّضتهم إلى حد ٍكبيرٍ على التمترس مرةً أخرى في خنادق قناعاتهم ومخاوفهم. زاد بعض السوريين المعارضين في الخارج من عبثيّة الموقف وضرره. فقفزوا فوراً على المنصات الإعلامية والتواصلية بأنواعها وقد انتعش فشلهم، وأسقطوا النظام في بضع ساعاتٍ ودخلوا دمشق ظافرين مكلّلين بالغار وهم ما زالوا منبطحين على أرائكهم.

دارت دائرة التخوين والتخوين المضاد القاتلة من جديد لدى الطرفين، وغرق المشهد السوريّ/السورياليّ بالشتائم. تشكّل الانقسامات المجتمعية الحادّة لا ريب سمة للبلاد التي تعاني من الحروب الأهلية وبعضها تتوارثه الأجيال لعقود، ولكن فوالق الكراهيّة التي تفصل بين السوريين اتسعت حتى ابتلعتهم. ومع ذلك، ما يزال التخوين أسهل من شربة ماءٍ ولا يختلف في ذلك معارضٌ عن موالٍ. ألم يكتف السوريون تخويناً هيناً لمحافظات ومدن بأكملها؟ كلا، والسويداء تشهد على ذلك. وبعد كل ما هُدم من حوله، يبقى السوريّ خائفاً على أصنام ما يعتقده الحقيقة المطلقة غير القابلة للنقاش، ويخشى اليوم العيش من دونها. ومهما تضاعفت أرقام الخسائر وتفاقمت الأهوال، سيظلّ كثرٌ يبحثون عن نصرٍ ما وعن دحرٍ للأعداء على الشاشات مطلقين التهديدات أو الوعود أو الآمال أو الخطط التي إن اشتركت جميعها بناحيةٍ فهي تشترك بأنها كلّها جوفاء.

ستبقى الطوطمية السورية عصية على الفهم وعلى التفكيك. وسنبقى نصنع من مخاوفنا أصناماً وننتحل من أبطال الآخرين أيقونات. وفيما يكتسح أثر فراشة “جورج فلويد” الغرب اليوم مسقطاً رموزاً ومقتلعاً تماثيل “أبطال وطنيين” وسياسيين عنصريين وتجار عبيد عُدّوا يوماً صفوة مدنهم وبلادهم، ما نزال في سوريا أسرى أساطيرنا وتاريخنا وحاضرنا. نحن نخاف المعرفة ونعاف المراجعة ونهاب التغيير. كم تمثالاً قد ننزع فيما لو تخطينا مخاوفنا وقناعاتنا.

 
×