في عام 2011، وبعد نجاح الشعبين التونسي والمصري في الإطاحة ببن عليّ ومبارك وانطلاق صيحات الحرية في دول عربية أخرى، سألت صديقة جزائرية: أين الجزائر من موجة التغيير؟، فأجابتني أي تغيير؟ أو بالمعنى الأدق: تغيير إلى ماذا؟، لقد جربنا التغيير وعشنا سنين سوادها ليس مجازاً، لقد كنا نرى القتل عادة يومية دون أن نعرف من يقتل ولماذا. كان الجميع يُقتل ويَقتُل بأسباب ومن دونها.
بعد 8 سنوات خرج مئات الآلاف من الجزائريين يُطالبون بالحرية. ثمة جيل جديد لم يحمل سقم الفزع والخوف من التغيير. وقد خرج أمثالهم في مصر أول الشهر الجاري دون أن يعرف أحد من هم. هؤلاء أيضاً جيل جديد يطالب بربيعه.
في الأول من شهر آذار/مارس الجاري، تم تداول أخبار عن خروج مجموعة من الشباب للتظاهر في قلب العاصمة المصرية، القاهرة، سُرعان ما تم اعتقالهم قبل حتى أن يتأكد أحد من خبر خروجهم، لكن بعد ذلك تواردت المعلومات التي تُفيد بأن عشرات المعتقلين هم من شباب أعمارهم تترواح بين 18 و22 عامًا، لا ينتمون لتيارت سياسية منظمة. قبلهم بيومين ألقي القبض على شباب منفردين يحملون لافتات عليها عبارة “ارحل يا سيسي”، كان أولهم وأبرزهم الصيدلي الشاب أحمد مُحيي، ابن لواء شرطة ونائب برلماني سابق عن “الحزب الوطني” الحاكم في عهد مبارك والذي تم حله بعد الثورة. هم جميعاً يشتركون في عدم انتمائهم لتيارات سياسية معروفة، وجُلهم شباب صغير.
في الجزائر، أكثر من 50 في المئة من السكان هم دون الثلاثين عامًا، أي أن أكثر من نصف الشعب لا ينتابه الفزع من كلمة التغيير التي ارتبطت في وجدان جيل سابق بالدم والألم. كذلك هم الثوار الجدد في القاهرة، فهم لا يحملون أثقال الخيبة التي يحملها من حلُمَ بعزل مبارك ورأى بعينيه ذلك الحلم يتحقق وارتفعت آماله وطموحه إلى أعالي السماء، ولمس بيديه إمكانية وجود ديمقراطية وحرية وتداول سلطة وعدالة اجتماعية وسياسية وربيع مصري يعوض الشعب عن عصور من الاستبداد، ثم انفجع باندثار كل هذا بالوقوع في شتاء عسكري مُظلم. هذه أجيال جديدة لا تحمل خيبات الأمل ولا خذلان الطموح ولا انكسارات أجيال أكبر بقليل.

في الجزائر، أكثر من نصف السكان هم دون الثلاثين عامًا، أي لا ينتابهم الفزع من كلمة التغيير التي ارتبطت في وجدان جيل سابق بالدم

منذ منتصف 2013 حكم سلاحان مصر؛ الخوف واليأس. حافظ النظام عليهما بدأب شديد، استهل بمذبحة مروعة عصره كي يغرق الناس في بحر من الفزع، وواصل حملات الاعتقال اليومية الدورية للحفاظ على مستوى الفزع هذا، وقام بوأد كل المبادرات أو التحركات في مهدها ليُثبت اليأس من التغيير. لكن أزمته وعدوه الحقيقي كانا، ولا يزالان، الزمن الذي لا يتوقف ولا يعود إلى الوراء. ظن النظام أنه سيتمكن من السيطرة على عقول الناس بالاستحواذ على الصحف والقنوات المحلية، فأنفق عليها مليارات كثيرة، دون أن يعلم أن جيلًا جديدًا يخرج إلى الشارع لا يعرف أن هناك قناة تُسمى “القناة الأولى” ولم يمسك بجريدة ورقية، وأن مصادر معلوماته يستقيها من أطراف الكوكب بلمح البصر دون رقيب. أنفق مليارات أخرى على التجسس واختراق وسائط التواصل وبرامج المحادثات، ولكنه-لا يعلم أن هناك جيلًا ينظم نفسه عبر تطبيق على الهاتف.
كان غريباً على الجميع ـ وأنا منهم ـ ألا نعرف من هؤلاء الشباب غير المحملين بخيبات الأمل. كنا نظن أننا ـ جيل يناير 2011 ـ لا نزال في بؤرة العمل السياسي، ولكننا أيضاً لم نُدرك حركة الزمن، فقد خرج جيل لا يعرفنا ولا نعرفه، شبابه أكثر تطوراً وسرعة وطموحًا وأملًا، وربما كان انفصالنا رحمة لهم حتى لا نُحملهم يأسنا.
من العظيم أننا علمنا بوجود هؤلاء وخروجهم من بوابة الزمن التي لا تُغلق. هؤلاء الذين يحملون في قلبهم ربيعًا جديدًا هم من سينتصرون على دولة الرعب واليأس، حتى وإن نجح النظام ـ حتى الآن ـ في تعطيل حركتهم وتأخير فيضانهم. هؤلاء بلا شك قادمون بربيعهم الذي أتمنى أن يكون أكثر جمالاً من ربيعنا.