قلّة هي الأحداث التي شكّلت نقطة تحولٍ هائلة في التاريخ العربي الحديث كما هي النكسة باتفاق معظم دارسي أسبوع الفشل ذاك. وإن أجمعت غالبية الآراء على دور تلك الهزيمة فيما انتهت إليه دول المنطقة من انهيارٍ وتشتتٍ، إلا أن الدوائر الثقافية العربية تسجّل سابقةً تاريخيةً حيال لا جدوى ذلك الإجماع في وجه تمترس كل من المجمعين خلف آراءهم المتطرفة في تناقضاتها، وليس وراء حقائق موثقة. لم تظهر بالفعل أي دراسةٍ عربيةٍ متكاملة ومثبتة لما جرى يومها. الأراشيف العربية مغلقة في وجه الدارسين كما في وجه الرأي العام. توجد كتب ودراسات “إسرائيلية” وغربية وكمّ هائل من التحليلات والانطباعات والنظريات العربية التي يعاد تدويرها بحسب الحاجة.

تتجدد مرثيات النكسة في كل حزيران على مدى ما يزيد اليوم على الخمسين عاماً. هنالك من يرثي الأراضي المحتلة التي ما تزال “إسرائيل” تسيطر عليها حتى الساعة؛ وهنالك من يرثي الحرية المفقودة التي قادت إلى الهزيمة؛ وهنالك من يرثي تخلف العرب وعدم قابليتهم للتماهي مع الحضارة الحديثة؛ وهنالك من يرثي كفر العرب وبعدهم عن الله الذي عاقبهم بهزيمة مزلزلة. ولكن تجتمع معظم هذه المرثيات على شخص مركزيّ في التاريخ العربي: جمال عبد الناصر. لا تكمن مركزيّة عبد الناصر هنا في كونه المؤسس الأبرز لتيار القومية العربية الحديث في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولا في كاريزميّته المُلْبِسة التي دفعت الملايين لتطالبه بالبقاء في منصبه رغم الهزيمة المحققة. تكمن مركزيّة عبد الناصر، لدى تناول نكسة حزيران وما سبقها وما أعقبها، في انقسام الرأي العام العربي حوله إلى اتجاهين يكاد يكون لا ثالث لهما في غلوائهما: هو الطّاغية عدو الله المكلّل بالهزائم والفشل، أو هو الزّعيم المنزّه عن كل عيبٍ والمنتصر على كل عدو.

ما تزال هذه الثنائية المتناحرة فاعلة في أدبيات تحليل حرب 67 ودراستها، بشكل أو بآخر، في خلطٍ معتادٍ للأولويات غالباً ما يمارسه الكتاب ذوو الاختصاص كما يمارسه عامة الناس في تحليلات المقاهي سابقاً و”فيسبوك” حاضراً. ما يهم هو تبرئة الزعيم أو إدانته. ولتأتِ بعد ذلك تفسيرات المشاكل جميعها وحلولها. لا يغيب عن هذا التطرف تسييس التاريخ لمصالح تصل الماضي بالحاضر. لطالما أرادت الأنظمة المشيخية البترولية، وما تزال، وأد النسخة الناصرية من القومية العربية الصِدَامية على حساب نشر نسختها من العروبة الاعتدالية. أما دويلات الخلافة الإسلامية المنبثقة هنا وهناك التي تجمع رعاياها من قارات العالم تحت شعار “الحاكمية لله” فتعاف أي تيارٍ قوميٍ يجمع الناس ضمن إيديولوجيا لا دينية. ومع الرفض العربي العام لحكم العسكر، يبدو ملفتاً من جهة أخرى، ليس في مصر وحدها، محاولة استعادة روح الالتفاف الشعبي حول زعيمٍ يحقق الانتصارات العسكرية كما الإنجازات النهضوية.

تكمن النكسة الحقيقية في تناسل هذا الشكل من التطرف، وخروجه من نطاق النكسة التاريخية ليصبح السائد في الفكر العربي. لا يوجد اليوم أي إجماعٍ على أسسٍ موضوعيةٍ حول زعامةٍ سياسيةٍ تقدم برنامجاً وحلولاً واضحة لمراثي نكسة حزيران. ولكن يوجد الكثير من العواطف المتطرفة في عبادةٍ طوطمية للشخص أو بغضٍ أعمى له. تُختزل الأزمة السورية ذات الألف وجه في شخص الرئيس ومحبته من قبل مواليه أو كرهه من قبل معارضيه. أزمات لبنان الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المتوالدة تتحول إلى صراعاتٍ بين ولاءاتٍ متشنجةٍ لرؤساء الأحزاب وزعماء الطوائف. مسلمو العرب منقسمون بين وارث خلافة بني عثمان الجديد ذي القلب الكبير وخادم الحرمين القادم صاحب الرؤى والمشاريع وحلّال مشاكل القرن.

النكسة التاريخية كانت هزيمة عسكرية قد تحصل في أي حرب، وليس تاريخنا ذلك المشحون بالانتصارات. هي هزيمة لها أسبابها الموضوعية التي لمّا تظهر جميعها بعد. أما النكسة اليوم أننا ما عدنا نبالي بتلك الأسباب. جلّ اهتماماتنا تكمن في نصب الأيقونات أو في تحطيمها.