كثيراً ما تظهر مقالات ودراسات تتناول الأثر النفسيّ الذي تتركه “السوشال ميديا” على الفرد، خاصة على صعيد شعوره بالغيظ والحسد مما يراه من منشوراتٍ تستعرض نمط حياة أصدقائه وإنجازاتهم. إلا أن شكلاً جديداً من الحسد يظهر اليوم في فضاء “السوشال ميديا” على مستوى مجتمعي أوسع: حَسدُ المصيبة. ما إن تحصل كارثة أو مجزرة في مكان ما، حتى تبرز مجموعة دينية أو عرقية أو قومية، تنتفض للاهتمام الذي حازته مجموعةٌ أخرى نالت منها المصيبة فنالت عليها التعاطف، وتحسدها عليه. هكذا، تبدأ منشورات متطرفة بالظهور وبتوبيخ المنتمين (نظرياً) للمجموعة نفسها على إظهار تعاطفهم مع الآخرين. ولسان حال هذه المنشورات: دع الآخرين يتألمون مع الآخرين، فنحن أفضل منهم وأحقّ منهم بالتعاطف.

تبرز حادثة احتراق كاتدرائية نوتردام في باريس اليوم كمثالٍ صارخٍ على حالة الاستقطاب هذه. تلك حادثة نالت اهتماماً عالمياً وضخاً إعلامياً مكثفاً، مثلما نالت حزناً شخصياً ومرثيات انفعالية على “فيسبوك” و”تويتر”. وبعيداً عن سرديات المركز والأطراف وصراع العالم الثالث مع سيطرة العالم الأول وتعاطف المستعْمَر مع المستعْمِر، فإن أثر الصورة أصبح من المسلّمات، ولا يمكن لوم الناس على التجاوب كما تمليه عليهم الصورة. ومن انفعل بما رأى، إنما كان منجرفاً مع تيارٍ من الصور والمعلومات أخذ يكتسح كل خبر آخر في طريقه. هذه ضريبة أن تكون فرداً في “بلدٍ” يضم أكثر من ملياري نسمة كـ”فيسبوك”.

لهذا، فليس كل من كتب أو شارك معبراً عن حزنه على معلمٍ إنساني جميل أصبح طعماً للنار هو بالضرورة شخص نسي “المؤامرة الآثمة على سوريا” أو “العدوان الأميركي الغاشم على العراق” أو الاحتلال الصهيوني لفلسطين أو قمع الاستعمار الفرنسي أو جرائم الكنيسة الكاثوليكية أو أي من نضالات الطبقات الكادحة والمسحوقة في وجه الرأسمالية المتوحشة كما ذهبت العديد من المنشورات الغاضبة. بل هؤلاء كانوا جزءاً من سربٍ قد يحزن يوماً على احتراق نوتردام، وقد يفرح يوماً آخراً لزواج الأمير هاري وابنة الشعب ميغان ماركل كما في قصة خيالية، أو قد يتحمس لصعودٍ صاروخي لنجم رياضي مصري كمحمد صلاح إلى مصاف فرق كرة القدم العالمية.

من حزن على نوتردام بصدق، حزن أيضاً على تدمر والجامع الأموي وكنيسة أم الزنار وقلعة الحصن وآثار نمرود ومدائن اليمن وتماثيل بوذا والكثير غيرها، ولا يمكن المفاضلة بين هذه الأماكن كما فعل البعض

كثيرون في الواقع حزنوا لأنهم تعاملوا مع ما رأوه على أنه كارثة وقعت على الإرث الفني. هؤلاء يرون في نوتردام معلماً تملكه الإنسانية جمعاء. عمارة دخلت بأعوامها الثمانمئة وخمسين لائحة “اليونسكو” للتراث الإنساني العالمي. نوتردام لم تعد تراثاً مسيحياً أو إسلامياً أو عربياً أو أوروبياً. هي تراثنا جميعاً. نحزن عليه كما نحزن على أي إنسانٍ يموت ظلماً، أو معلمٍ يُدمّر غفلة، لأن هذا ما تقتضيه المصالحة مع النفس والإنسانية، أو هذا ما يجب أن تكون عليه. وإذا ما استاء الواحد منا لموت زيدٍ فليس لأنه لا يبالي لموت عمرو. فمن حزن على نوتردام بصدق، حزن أيضاً على تدمر والجامع الأموي وكنيسة أم الزنار وقلعة الحصن وآثار نمرود ومدائن اليمن وتماثيل بوذا والكثير غيرها. ولا يمكن مقارنة أي من هذه الأماكن والمفاضلة بينها كما فعل البعض، والقول إن معبد بل في تدمر، على سبيل المثال، لهو أهم وأجدر بالتعاطف من نوتردام. وفي الساعات الأخيرة، امتد الحسد ليشمل التبرعات التي انهالت على فرنسا من أجل عملية ترميم الكاتدرائية. وظهرت منشورات انتقت أثراً عزيزاً على قلب من كتب معتبراً أنه أحقّ بالتبرع والترميم من نوتردام.

وإن كانت نوتردام قد برزت كحالة حسدٍ سياسي ثقافي، فقد انتشرت قبلها حالة حسدٍ مجتمعي طائفي ظهرت أساساً كردة فعل على التعاطف الذي ناله مسلمو نيوزيلاندا إثر مجزرة كرايستشرتش التي ذهب ضحيتها ٥٠ مصليًا أطلق النار عليهم معتوه يؤمن بتفوق الرجل الأبيض. وعلى وقع الصدمة العالمية التي تلت هذه الحادثة، بدأت منشورات حاسدة تظهر باللغة العربية تستكثر على مسلمي نيوزيلاندا التعاطف الذي لم ينله مسيحيو نيجريا ممن يتعرضون للذبح الطائفي الممنهج، فيما الإعلام صامت ومتجاهل لتلك الكارثة البشرية بل ويتآمر من أجل إغفالها.

أصبح الصمت الإعلامي عن قصةٍ ما الحجّة الأكثر تفضيلاً اليوم من أجل تبرير أي “مؤامرة” تنتشر على “السوشال ميديا”. وكثيراً ما تدعم شيوع منشورات كهذه حقيقة أن نسبة المتابعين لتفاصيل أخبار العالم في تناقص مستمر. يكفي أن تضع في متن أي خبر أن وسائل الإعلام تريد كتمانه حتى تؤجّج في نفس المتصفح رغبة “دونكيشوتية” للمشاركة في محاربة “المؤامرة” التي يصفها الخبر. أما الحقيقة فهي أن في نيجيريا انتخابات يتنافس فيها رئيس حكم البلاد وسط اضطرابات وتغير مناخي وتهم فساد وانفلات أمني وزعيم معارضة ثري يعد بالأمن والرخاء، وفيها أيضاً عصابات إرهابية تقتل وتخطف المسيحيين والمسلمين، وفيها صراع دموي وأزلي بين المزارعين ورعاة الماشية.

وفي النهاية لا يُحسد المرء، أيًّا كان، في نيوزيلاندا أو نيجيريا أو في أي بلد آخر على ما يعانيه في ظلّ منظومةٍ عالميةٍ تعادي، في الكثير من جوانبها، الإنسان نفسه. كما لا تُحسد باريس أو تدمر أو بيروت أو أي مدينةٍ أخرى، لأن تلك المنظومة لا تسجّل الجمال بالضرورة ضمن خانة الأرباح في دفاتر رأسمالها.

 
×