تقتحم مجموعة من اللصوص المحترفين مطبعة العملة الوطنية، وبالسلاح يتّخذون الموجودين رهائن، يهددونهم، يربطونهم، ويزنرون المبنى بالمتفجرات. إلا أننا نحبّهم، نحفط أسماءهم، ونرددها ليلاً تلك الأسماء الملتحفة بمدن من أحلام. هذا ريو وتلك طوكيو، المدينتان البعيدتان، يحبّان بعضهما، وهذه نيبروبي صديقة هلسنكي وأوسلو، أما موسكو فابنه دنفر، بينما الرجل الذي يحمل اسم برلين يظل وحيداً. رحلة حول العالم يقودنا إليها البروفيسور، في مسلسل La Casa de Papel.

في مسلسل Breaking Bad يتحوّل والتر وايت مدرّس الكيمياء الخجول إلى صانع مجرم وصانع مخدّرات. يقتل، يخطف، يشهد على قتل طفل، يُغرق السوق بالمخدّرات، ويتسبب بحرب عصابات. إلا أننا نحبّه أيضاً، ونريده أن ينجح وأن ينجو من مرضه ومن الشرطة التي تلاحقه. نريده أن يصير “هايزنبرغ” العظيم، وأن يصير قائداً لمافيا المخدّرات.

هكذا نحب لهؤلاء الخارجين عن القانون ما نحب لأهلنا، أن ينجحوا في مساعيهم. أمام الشاشة نتحول كلنا الى أمهات تتمتم ما تردده الأمهات في بلادنا؛ “الله يوفقك، الله ينصرك على عدوينك” يا برلين يا أخو البروفيسور.

في المقابل، فإن كان هناك شخصٌ يتفق العالم على كرهه أكثر من “الهيلاهو” نفسه، فهو أرتوريتو في La Casa de Papel. مدير البنك الذي يحاول مراراً النجاة ومقاومة العصابة.

كذلك في Breaking Bad، أغلب المشاهدين كرهوا هانك، على الأقل في الجزئين الأول والثاني. وهانك، لمن لا يعلم، هو الشرطي المثابر المتفاني بعمله والمؤمن به الى حد إهمال نفسه وإهمال زوجته في بعض الأحيان.

هكذا يُقدّم لنا هانك الذي يهمل زوجته بدايةً، ويُقدّم لنا، قبالته، والتر، المدرّس المظلوم المحبّ لعائلته مع ولدٍ ذي إعاقة وزوجة أقلّ منه ذكاء. ثنائية تجعل غالبية الجمهور يحب والتر وينبذ هانك بالإفادة من فعل التعاطف الناتج من كون “هايزنبرغ” مصاباً بالسرطان أيضاً.

في المحصّلة، يجد الجمهور نفسه متعاطفاً مع تاجر المخدّرات، ذي المظلومية المكرّسة في بداية المسلسل، على حساب ضابط مكافحة المخدرات الذي يقدّم في لبوسٍ جامدٍ وثقيل بدرجة ما.

نحن “الشعب”، الذي لم يكن يوماً غنياً، ولم يكن يوماً مرتاحاً لحاله. نحن المواطنون المتعبون في بلادنا المتعِبة، نحب والتر لأنه يشبه عجزنا وقلة حيلتنا وتعبنا. نحب والتر لأنه منكسر أمام الحياة مثل غالبيتنا، ولأنه يحب عائلته مثل غالبيتنا، لكن ما باليد حيلة. لذا عندما يتحول إلى صناعة المخدرات يصير عندئذ ذاك الشخص الذي اخترق الجدار، الرجل الذي عبر الى المكان الذي لم نجرؤ نحن على العبور إليه. الرجل الذي تحدى حالته واقتنص من الموت فرصة الانتقام من معيشة قاسية، لذا نتعلق به. وهذا دليلٌ على يأسنا من ذواتنا، لأننا لا نستطيع، فنحب فانتازيا من استطاع اختراق الجدار.

نحبّ أصحاب البروفسور، لكننا نحب البروفسور أكثر. لأنه ذكي ربّما، أو لأنّه متفانٍ في عمله وبهي الطلعة. ربّما نحبّه لأجل ذلك كله، ولأنّه يشبهنا بتلعثمه أمام الفتاة القوية، وبحزنه لوفاة أبيه، وللعديد من التفاصيل في شخصيته التي توحي بأنه وحيد وهش مثلنا.

يقدم المسلسل عقداً من الفانتازمات: رحلة عبر العالم، علاقات متحررة من عقال العقل، والبحث عن النقود، لكن ليس لأجل النقود فقط بل لتوجيه صفعة إلى هذا “السيستم”

تقول الأسطورة إن الدولة/المدينة تحلم بأن يكون كلّ مواطن على هذه الشاكلة. من منا أذكى وأقدر وألطف وأكثر اعتناءً بالآخرين من البروفيسور؟ لا أحد. إلا أن هذه الصورة ما كنّا لنحبها ونتعلق بها لو أنها استمرت على شكلها الخيالي هذا. ما ربَطَنا بهذه الشخصية هو أنها على الرغم من كل شيء تستطيعه، تظلّ وحيدة، وعلى الرغم من كل شيء تمتلكه تظلّ تتوق للانتقام من “السيستم”. نحن المواطنون البسطاء، ربّما لو جمّعنا أنفسنا تحت أسماء مستعارة من المدن، ووظّفنا أدواتنا، سنصير، أيضاً، أبطالاً خارقين. حلم يقدمه لنا المسلسل عبر أسماء شخصياته باتحاد غريب بين مدن متباعدة، كأن تكون نيروبي صديقة لهلسنكي في علاقة بين الشمال والجنوب، وأن تكون دنفر الولايات المتحدة ابنة موسكو روسيا وقبلها الاتحاد السوفياتي، وأن تحب طوكيو أقصى الشرق الشمالي وأغنى مدن العالم، ريو، الفقيرة في أقصى جنوب غرب العالم.

هذه المدن المجتمعة تمثّل كل منها شخصية خارجة عن القانون، وبعضها مهمّش مجتمعياً، كاللاجئين والمثليين والأم المبعدة عن طفلها، والمرأة المستغلة جنسياً. كل مدن العالم تجتمع تحت قيادة “المواطن المثالي الثائر” ليدخلوا الى معبد الرأسمالية من أجل الانتقام. يقدم المسلسل عقداً من الفانتازمات: رحلة عبر العالم، علاقات متحررة من عقال العقل، والبحث عن النقود، لكن ليس لأجل النقود فقط بل لتوجيه صفعة إلى هذا “السيستم”.

المسلسلات التي تقدّم أبطالاً خارجين عن القانون، في Netflix وأخواتها، تداعب مشاعرنا الثورية، إلا أن صفع “السيستم” في الحقيقة يختلف عن صفعه على التلفزيون. محاولة صفع “السيستم” سينجم عنها دخول أغلب المحاولين الى معتقلات النظام في مصر أو سوريا، أو – انتظروا العبارة إذ إنها ستبدو خارجة من فيلم رعب – وقوع المحاولين تحت منشار يقطّعه حتت في سفارة سعوديّة. إن حاولت صفع “السيستم”، سترى “الإينفوي” الأسود في كعب المبنى بعد ساعة، مليئاً بعناصر “المخابرات”. وفي المقابل، إن حاولت جاداً تجميع مدن العالم بين يديك، فقد تظهر لك مغريات العالم الأخضر، عالم الدولار، ومغريات العالم الآخر، عالم الآخرة. وبين الدولار والآخرة ستضيع بوصلة كثيرين لنرى دنفر نفراً من جنود خلافة البغدادي، أو والتر وايت عميلاً مزدوجاً للـ”سي آي إيه”.

نحن نحب الخارجين عن القانون في المسلسلات لأن الصانعين حكوا لنا روايتهم، أخبرونا عن معاناتهم التي أوصلتهم إلى ما هم فيه. نحبّهم لأننا نعرفهم ونعرف ضعفهم الذي يشبه ضعفنا، وأمنياتهم التي تشبه أمنياتنا. إلا أننا في الواقع لسنا بهذه البراءة، ولن يروي لنا أحدٌ سير من نلتقي من سارقين، أو خارجين عن القانون. ربما من المجدي أن نقتدي بالبروفيسور، ونسأل الأشخاص عن حكاياتهم قبل أسمائهم، وأن نستمع إليهم. لن نعطيهم أسماء بدلالات جديدة، إلا أنها قد تكون البداية كي نوجه صفعة إلى هذا “السيستم” اللعين.

 
×