تصعب كتابة مقالٍ أو تحليلٍ حول خفايا دوائر صناعة القرار وآليات عمل الحكم في المملكة العربية السعودية من دون الإشارة إلى حساب “مجتهد” على “تويتر.” يتابع الإعلام العربي – القابع على شتى الضفاف المواجهة للسعودية – ما ينقله “مجتهد” من أسرار وتسريبات بشغف وتصديق لا حد لهما، خاصة أنه تموضع في موقع معادٍ تماماً لولي العهد محمد بن سلمان. فهل تلك الثقة التي يمنحها المتابعون يا ترى ما يشجع “مجتهد” اليوم على الانتقال من كشف خبايا العائلة الحاكمة إلى إطلاق الأحكام الشرعية ضدها؟

فرض “مجتهد” نفسه على المشهد الداخلي السعودي عام 2011 حين كانت معركة خلافة عبدالله بن عبد العزيز مشتعلة بين ابنه متعب، قائد الحرس الوطني، وخالد التويجري، رئيس الديوان الملكي، من جهة، وخط الوراثة التقليدية للعرش المتمثلة بولي العهد آنذاك سلمان وابنه الطامح محمد، ومن ورائهما الجناح السديري لأسرة عبد العزيز الهائلة. نجح “مجتهد” أيامها في نشر خبر وفاة الملك مبكراً وتسريب أخبار أخرى تصف الصراعات داخل القصر، ناقلاً أيضاً أنباء إقصاء متعب والتويجري وتثبيت أركان حكم سلمان. تأكدت تلك التسريبات لاحقاً عبر البلاغات والقرارات الرسمية، وهو ما ثبّت من مصداقية المغرد الغامض، وأكد وجوده داخل دهاليز قصور آل سعود بشكل ما.

منذ صعود محمد بن سلمان وسيطرته الفعلية على السياسة السعودية، تركزت تغريدات “مجتهد” على نقده وعلى مهاجمة فريقه وخططه لتغيير وجه السعودية. وفي حقيقة الأمر، فإن المسألة الأخيرة هي أكثر ما يثير حفيظة المغرد الغامض، بل معارضته التامة لما ينويه بن سلمان. لم يكن “مجتهد” يوماً تلك الشخصية “الروبن هودية” التي تميز المغامر المتمرد على النظم والهيكليات، والمستعد للتضحية بكل شيء بهدف إيصال “الحقيقة.” في الواقع، فقد عبّر دائماً عن وجهة نظر محافظة دينياً وسياسياً. انتقاداته لبن سلمان وشخصيات أخرى موالية له، كسعود القحطاني أو تركي آل الشيخ، تستند على امتعاضه من عدم التزامهم الديني وشربهم الخمر ورؤيتهم لمملكة سعودية متحررة من أثقال التشدد والتكفير.

قاد المغرد متابعيه في استطلاع إلى الإجابة على سؤالين حول توجهات بن سلمان الدينية: (1) هل يقصد الحرب على الإسلام وتقويض العقيدة؛ أم (2) هو مفسد وشرير ولكنه لا يدرك أنه يحارب الإسلام

الملفت في أسلوب عمل “مجتهد” اعتماده على الأقوال المتناقلة، خلافاً للأسلوب التوثيقي الذي يعتمده المسربون عادةً عند كشفهم أخطاء الحكومات. جوليان أسانج أسس موقعاً قائماً كلياً على الوثائق. تشيلسي مانينغ سربت آلاف التقارير العسكرية والبرقيات الدبلوماسية بالإضافة إلى تسجيلات فيديو تظهر إعدام الطيران الأميركي مدنيين في شوارع بغداد. كذلك فعل إدوارد سنودن الذي حمل معه إلى منفاه آلاف الوثائق التي تكشف برامج التنصت والتجسس الخاصة بأجهزة الاستخبارات الأميركية. أما “مجتهد”، فهو يعتمد على كونه هو مصدر المعلومة، وما على القارئ سوى إيلائه ثقته. وهو، وإن كان قد صدق في عدد من الأخبار أو التوقعات، إلا أن الخط الفاصل بين ما هو حقيقي وبين ما هو مختلق يبقى مبهماً تماماً.

رفضُ “مجتهد” التام لشخص بن سلمان ولسياساته اليوم دفعته إلى تحميله مساوئ المملكة برمتها. من يتابع تغريدات “مجتهد” قد يظن أن السعودية كانت واحة ديموقراطية ومساواة ورخاء إلى أن أتى بن سلمان “وخربها وقعد على تلتها”. سخريته الدائمة من فشل خطط السعودية العسكرية في اليمن تحت قيادة ولي العهد المتهور توحي بأن للبلاد تاريخاً ناصعاً من الانتصارات المبهرة، أو أن وزارة دفاعها لم تكن يوماً حكراً على أبناء وأحفاد عبد العزيز. وتنطبق هذه الحالة على الكثير غيرها من وزارات وإدارات المملكة التي يجري تقاسمها بين أمراء آل سعود وأعيان القبائل، غالباً من دون النظر إلى الكفاءة أو الجدارة. ولكن ما يضربه بن سلمان اليوم هو تقاليد دينية وعائلية قامت عليها المملكة منذ إنشاءها. هذا بالضبط ما يرفضه “مجتهد” كما يرفضه مغردون ذوو توجه إسلامي متشدد أمثال سعد الفقيه – الذي يظن البعض أنه “مجتهد” نفسه – وسعيد بن ناصر الغامدي وآخرون.

مغامرة الأمير الجامح الأخيرة، المتمثلة في منح البلاد شخصية جديدة “معتدلة” دينياً تقطع مع الماضي الوهابي المتشدد، دفعت بـ”مجتهد” على ما يبدو خلال الأيام الماضية إلى اقتحام منطقة خطرة، قد تدفع به إلى الدعوة إلى هدر دم بن سلمان. قاد المغرد متابعيه أولاً في استطلاع إلى الإجابة على سؤالين حول توجهات بن سلمان الدينية: (1) هل يقصد الحرب على الإسلام وتقويض العقيدة والأخلاق؛ أم (2) هو مفسد وشرير ولكنه لا يدرك أنه يحارب الإسلام. وضع “مجتهد” الاحتمالين بعد تمهيد ساق فيه أمثلة يعتبرها المتشددون مخالفة دينية صريحة، مثل نصب نسخة عن تمثال الحرية، واستضافة حفلة للمغنية نيكي ميناج، ووَعَدَ بإعلان الجواب الصحيح كونه “معروف له”. بالطبع، جاء الجواب ليؤكد عداء بن سلمان للإسلام، فهو وفقاً للتغريدة “يصرح بذلك في مجالسه الخاصة، ويتابع شخصياً تنفيذ البرامج التي تحقق ذلك، ويتحدث بأن الدين هو الخطر الأكبر على سلطته”. بعدها أصعد “مجتهد” متابعيه الواثقين به درجة ثانية، واستطلع رأيهم حيال الحكم الشرعي الذي يستحقه بن سلمان بعد “ثبوت” حربه ضد الدين. جاء الاستطلاع باحتمالين أيضاً: (1) هو مرتدٌ خارجٌ عن الملّة أو (2) مفسدٌ ظالمٌ لكن لم يرتد. وكان من الملفت تغير نسب اختيار الأجوبة في الاستطلاعين، وذلك بالطبع بغض النظر عن تأثير ما يعرف “بالذباب الإلكتروني” على النتائج. ففي حين نال الاستطلاع الأول نسباً ترجّح اعتبار بن سلمان غير مدرك أنه يعادي الإسلام بنسبة 61 في المئة، جاء الاستطلاع الثاني بنسب متقاربة أكثر، مع اعتبار 51 في المئة من المصوتين أن ولي العهد “مرتد”، مع ما تعنيه تلك الكلمة من تهديد مباشر للأخير يعرفه من قرأ التاريخ الإسلامي والعربي على مر العصور. هل نشهد إذاً هويةً جديدة تسم الناشطين والمسربين العرب، تدفعهم إليها طبيعة مواقع “السوشال ميديا” وعواطف المتابعين الملتهبة، وتجعلهم يطلقون أحكاماً – دينية كانت أم مدنية – تهدد حياة خصومهم، بمعزل عن مواقع هؤلاء وقدراتهم؟