من مجزرة كرايستشرتش في نيوزيلاندا التي راح ضحيتها مصلون مسلمون، إلى تفجيرات الفصح في سيرلانكا التي سقط فيها مصلون مسيحيون، وصولاً إلى إطلاق النار على مصلين يهود في كاليفورنيا، وما بين هذه الحوادث من اعتداءاتٍ فرديةٍ هنا وهناك، تتفاقم كراهية الآخر بشكل منذرٍ تغذّيها ثقافة “السوشال ميديا” المسيطرة اليوم على المجتمعات. منشورٌ واحدٌ أحياناً يمكن له أن يشعل عنفاً اجتماعياً كما حصل في مدينة ماندلاي في ميانمار عام ٢٠١٤. يومها قامت امرأة بوذية بالادعاء على رجلين مسلمين بتهمة اغتصابها، فقام راهب بوذي بنشر الخبر على حسابه مطلقاً موجة عنف خلّفت العديد من القتلى والجرحى. لاحقاً تبين أن البلاغ كاذب، لكن العنف لم يتوقف لغاية اليوم، والراهب المتعصّب آشين ويراثو استمر بنشر الأكاذيب وتجييش البوذيين ضد المسلمين على “فيسبوك” حتى قامت الشركة بإغلاق حسابه عام ٢٠١٨.

اليوم، وعلى وقع تفاقم حدّة الكراهية “السيبرانية” من جهة وحدّة الانتقادات من جهة أخرى، تحاول شركات تزويد المعلومات والتواصل الاجتماعي الرئيسة كـ”فيسبوك” و”تويتر” و”غوغل” ضبط فضاءاتها والحدّ من خطاب العنف والكراهية على منصاتها. وبالفعل أغلق “فيسبوك” في الأيام القليلة الماضية عدداً من الحسابات والصفحات التي تعود لعتاة اليمين المتطرف في الغرب على شاكلة آليكس جونز وخدمة “InfoWars” التي يديرها والتي تنتج محتوى بصرياً ومقروءاً مضللاً مستمداً من أدبيات اليمين المتطرف ونظريات المؤامرة. كما حظر “فيسبوك” حسابات لوي فرخان زعيم منظمة “أمة الإسلام” في أميركا، صاحب التصريحات الإشكالية والمعادية للسامية وشخصيات يمينية متطرفة أخرى من أمثال ميلو يانوبولوس ولورا لومار. ومن جهتها تستنفر الكثير من الحكومات في العالم من أجل مواجهة مدّ العنف المنتشر في فضاء الإنترنت بالشراكة مع أجهزة الإعلام التقليدي والاجتماعي عبر سنّ قوانين جديدة، وترقية نظم كشف الكلمات المفتاحية في خطاب الكراهية والتمييز.

خلال أيام قليلة، حشدت القوى الموالية للنظام الحاكم في مصر قواها على المنصات الإعلامية تحت وسم #نعم_للتعديلات_الدستورية، واتّسمت الحملة بالكراهية والعنف اللفظي

ولكن إذا ما تركنا العالم وشأنه وانزحنا جغرافياً بعض الشيء كي نصل إلى منطقتنا، نرى وضعاً معكوساً تماماً. ما تزال الكراهية تزدهر وتعمل بجدّ في ربوع فضاءاتنا الإلكترونية والتواصلية. ينتج بحثٌ سريع عن جرائم الكراهية باللغة العربية على محرك “غوغل” حوالي ثلاثة مليون نتيجة، وبالاطلاع على أول خمس صفحات من النتائج، نجد أنها جميعها تقريباً تحوي أخباراً مكررة من قبيل “أكثر من نصف جرائم الكراهية في بريطانيا ضد المسلمين” أو “إسبانيا: ارتفاع جرائم الكراهية وتحذير أممي من شيطنة المهاجرين” أو “ارتفاع جرائم الكراهية ضد المسلمين في كندا” أو “السويد: نصف جرائم الكراهية عبر الإنترنت تستهدف المسلمين”. جميع النتائج منشورة على منصات عالميّة تنشر بالعربية أو على مواقع محليّة تترجم الصحافة العالمية. ليس هنالك أي نتائج محلية تبحث في إشكاليات خطاب الكراهية والعنف والجريمة المصاحبة له أو تقترح حلولاً له. وعدا عن بعض الدراسات مثل تلك التي أعدتها “مؤسسة مهارات” بعنوان “خطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي: أبرز المحطات لعام ٢٠١٨ في لبنان”، واعتمدت فيها على أحداث سياسية واجتماعية محددة أفرزت سجالات حادة وأعمال عنف جراء تفاقمها على منصات السوشال ميديا، يندر أن نجد أي نشاط حكومي أو أهلي ملموس لمكافحة هذه الظواهر.

على العكس من الضغط الذي تواجهه بعض الحكومات الأخرى في العالم من أجل الحد من العنف والتفرقة في فضاء الإنترنت، ما تزال معظم الحكومات العربية تتجاهل مخاطر العنف والكراهية المنتشران في السوشال ميديا، ولا ترى فيها تهديداً سوى ما يتعلق بالخطاب المعارض لأنظمة الحكم أو المطالب بالحريات الأساسية. ولهذا، تستفيد تلك الحكومات أحياناً من انتشار خطاب الكراهية المتناقض تماماً مع أي من مبادئ الاعتراف بالآخر واحترامه، والذي يحث على التمييز والتنافر بدلاً من التعاضد ومحو الفروقات، مما يمهد لتأسيس حراك اجتماعي فاعل. جرى مؤخراً استثمار السوشال ميديا على نطاق واسع في مصر أثناء حملة الدعاية لاستفتاء التعديلات الدستورية التي ثبتت – نظرياً – عبد الفتاح السيسي رئيساً لغاية العام ٢٠٣٠. وخلال أيام قليلة، حشدت الحكومة والقوى الموالية للنظام الحاكم قواها على جميع المنصات الإعلامية تحت وسم #نعم_للتعديلات_الدستورية، واتّسمت الحملة بالكراهية والعنف اللفظي عبر تخوين أي فرد أو مكوّن يرفض التعديلات أو يشكك بها. في سوريا ما تزال الأزمة مشتعلة منذ تسع سنوات في الفضاء السيبراني قدر اشتعالها في ميدان القتال، وغالباً ما يستفحل خطاب الكراهية بين الموالين والمعارضين ليصل إلى تهديدات “بسحق ودعس” طائفة بأسرها أو منطقة بأكملها.

ما يزال رفض الآخر ممارسةً مقبولةً للغاية في المجتمعات العربية، ولكن إذا ما كانت في السابق محدودة في مناوشات الحارة أو خلال لعبة ورق على طاولة المقهى، فقد توسعت اليوم لتشمل مجتمعات كاملة. أتت السوشال ميديا وكبّرت طاولة المقهى وجعلتها عابرة للحدود. تشير إحصائيات “فيسبوك” خلال الربع الأول من ٢٠١٩ إلى نشر أكثر من ٥١٠ آلاف تعليق وتحديث ٢٩٣ ألف حالة كل ٦٠ ثانية، فيما تشير أرقام “تويتر” إلى نشر حوالي ٣٥٠ ألف تغريدة كل ٦٠ ثانية بمعدل يبلغ ٥٠٠ مليون تغريدة في اليوم. أي أن السوشال ميديا تنتج محتوى خلال يوم واحد أكثر مما تنتجه، على سبيل المثال، الصحافة العربية – التي ما تزال خاضعة للرقابة –خلال عام كامل. ولهذا فإن السوشال ميديا تظهّر الكراهية قبل أن تساهم في خلقها ونشرها على نطاق واسع من خلال تفاعل الأفراد مع بعضهم الآخر. ولهذا أيضاً لا بد من عمل حكومي ومجتمعي شامل يعالج أولاً أسباب الخوف من الآخر وكراهيته كي لا تصبح تلك المنصات وسائل انقطاع اجتماعي.