يقول واحدٌ من الزملاء إنّ درجة نجاح المسلسل، بالنسبة له، تُقاس بما يمكن أن ندعوه، اصطلاحاً، “الجماهيرية الحية”، والمقصود هنا هو كثافة التداول والحكي عن العمل في الأوساط الشعبية بعيداً عن “السوشل ميديا”. فالمحتوى الذي يخلق أخذاً ورداً في الأسواق والمقاهي والطرقات والدوائر الحكومية هو “عملُ شارعٍ” بحقّ، أمّا التصفيق على شكل منشورات أو تغريدات، سواء كان صادقاً أو مصنوعاً، فلا يُمكن أن يعتبر، وفق الزميل إياه، معياراً يُتّكأ عليه في تحديد رواج المسلسل من عدمه.

وجهة النظر أعلاه ربّما تكون أصيلةً، لكنّها، غالباً، ما زالت تتعامل مع “السوشل ميديا” وتوابعها كما لو أنها زوبعة سوف تمضي، غير آخذةٍ بالاعتبار حقيقة أنّ “فيسبوك” و”تويتر” و”إنستغرام” وأفراد العائلة الباقين قد تحولوا، اليوم، إلى قوالبَ تسير في ظلها الدنيا كُلّها.

شركات الإحصاء التلفزيوني تبني على النشاط الرقمي دون سواه. فالحديث عن مسلسلٍ ما في دائرة النفوس، مثلاً، غير محسوسٍ بالنسبة إلى محركات الرصد التي تخرج، بعد كل رمضان، بجملة نتائج تُحدّد بوصلة المحطات التي توصي المنتجين، أو تفرضُ عليهم، أن يعيدوا الاستثمار بهذا الممثل لأنّه ذو “رايت” مرتفع، أو أن يتجاهلوه لأنّه ما عاد يُحقّق التداول المطلوب، الأمر الذي يعني أنّ نسبة متابعيه قد تناقصت، وبالتالي فإنّ وصوليّة الإعلان الذي يُبثّ خلال عرضِ مسلسلٍ يخصّ هذا الممثل ستكونُ أقلّ، والعكسُ صحيح.

ضمن هذا السّياق، يبدو التعامي عن المعيار الرقمي شبيهاً بإصرار البعضِ على استعمال الهاتف الأرضيّ في زمن “السمارت فون”.

ما قيل قبلاً، لا يعني التسليم لميوعة الطرح.

الملاحظ أنّ المحتوى الخفيف، والسخيف غالباً، يَرُوج بسهولة عبر “السوشل ميديا”، بدليل التزايد المهول في تعداد متابعي “البلوغرز” و”الإنفلونسرز” الذين تغصّ حساباتهم بموادَ لا يصحّ أن نصنّفها إلّا في خانة “الترفيه الرديء”، لكنّ هذا لا يعني أنّ كل ما يمكن أن يحظى بـ”شعبية افتراضية” هو ساذجٌ بالضرورة.

لا نستطيع أن نفهم كيف يُمكن لجمهورٍ احتفى بمسلسلات مثل Game of Thrones أن يحوّل أعمالاً رخيصة مثل Elite و Toy Boy إلى تريندات محلية وعالمية

وفق هذا التصوّر، نستطيع القول إنّ على صانع المحتوى، الذي لا يُمكن أن يغفل شرط القيمة لأنّ “السوق عايز كده”، ألّا ينسحب من “المشهد الافتراضي” بحجّة أنّه يغصّ بالابتذال، فـ”السوشل ميديا”، شئنا أم أبينا، صارت بوصلة العملية الإنتاجية كلها، وقلة الاكتراث بها، بذريعة أنّها أداة غير أصيلة للترويج أولاً وللحُكم على درجة الجودة وحقيقية الانتشار ثانياً، تحاكي أن يُصرّ واحدنا على أنّ المصباح الكهربائيّ فكرة مبتذلة و”Fake” بالقياسِ إلى النّار كمصدرٍ أوّل للضوء.

يعتقد البعضُ أنّ منصّات الدراما المدفوعة ربّما تُشكّل حلاً لإعادة توجيه الصنعة وفق منظومة “الصانع يختار ما يجب على المتلقي أن يشاهده” بدلاً من أنْ “يختار المتلقي ما يجب على الصانع أن يصنعه”، لكنّ الإشارات الأولية التي رشحت عن غالبية التجارب المشغولة لتخديم المنصات العربية لا تُبشّر بتحوّل واسعٍ في هذا الخصوص، فهذا الصنف من المنصّات يستهدف، بصورة رئيسة، الجمهور الذي يملك ثقافة الدّفع لأجل المشاهدة، وهذه فئة تأثّرت، وما زالت تتأثّر، بعوامل عدّة، بدءاً من التلقّي القسريّ للمحتوى الخفيف (الساذج) بسبب الاستعمال المتواصل والطويل لـ”السوشل ميديا”، وانتهاءً بالانفتاح على مشاهدة المسلسلات الأجنبية التي باتت تلقى رواجاً لا بأس به في بلادنا، الأمرُ الذي يجعلُنا نتعاطى مع متابعينَ ذوي صفاتٍ معيارية غير واضحة. فالمجال العمريّ ربّما يكون بيّناً، والبلادُ المُفيدة على مستوى صبيب المشاهدة ربّما تكون معروفة، لكنّ الذهنية الغالبة للمتلقّين ليست مقروءة بعد. إذ لا نستطيع أن نفهم كيف يُمكن لجمهورٍ احتفى بمسلسلات Game of Thrones, Breaking Bad, The Walking Dead، أن يحوّل أعمالاً رخيصة مثل Elite و Toy Boy إلى تريندات محلية وعالمية على منصّات عرضها، وبالتالي فإنّ التعويلَ على هذه المنصّات كبوابة لتقديم محتوىً لا يخضع لشروط المحطات التي تُفيد من التداول الرقمي، قد لا يكون ناجعاً بما يكفي لفرز الصالح عن الطالح.

في المحصلة، نستطيع أن نقول إنّ فرضَ القيمة ضمن المحددات العصرية للصنعة، بات يحتاجُ إلى مزيدٍ من الشغبِ في الحيّز الفعّال. فالانسحابُ إلى ما نعتقد أنّه “عالمٌ أصيلٌ لإنجاز الدراما” ربّما يكونُ انسحاباً من المشهد كلّه، وغياباً عن شريحة واسعة، أو عن الشريحة الأوسع، التي ستركنُ إلى السُّخف والسذاجة ما لم يُدافع أصحابُ المشاريع عن شُغلهم بما يتناسب مع العصر وأدواته. والأمرُ هنا لا يعني صياغة بضع منشورات تُضيء على المسلسل والسلام، بل يعني فهماً حقيقياً وُمنتجاً لمعنى المُزاحمة على أدوات الوصولِ والإنتشار في 2020.

المزيد من هذا المؤلف

“الدحيح” مشي عزيزي المشاهد

 
×