حين قدّمت شركة DC Comics سلسلة قصصها المصوّرة التي شهدت ولادة شخصية “الجوكر”، لم يعرّج المؤلّفون (جيري روبنسون، وبيل فينغر، وبوب كين) على البنية النفسية الّتي أنتجت هذا النموذج السايكبواتي، والّذي تحوّل، عام 2008، بالإفادة من الأداء العبقري لــ هيث ليدجر، إلى واحدٍ من أكثر الشخصيات شهرةً ورسوخاً في ذاكرة السينما. لم يتّكئ كريستوفر نولان على التصوّر البدائيّ الذي افترض أنّ “الجوكر”، حين كان طفلاً، سقط في خزّان نفايات كيماوية تسبّبت بابيضاض بشرته وجعلت شعره يخضرّ، واكتفى صاحب “دارك نايت” بالإشارة إلى أنّ جروح وجه “الجوكر” تسبّب بها والده، الذي لم نعرف عنه وعن ماضيه شيئاً، فظهرت الشخصية مجرمةً يُبرّر سلوكها الاعتلال النفسيّ وحده.

عام 2019، قدّم تود فيلبس رؤيته الخاصّة لـ”الجوكر”، فنسف ثنائية البطل الخيّر والبطل المضاد (protagonist and antagonist) وقدّم فيلماً يبحث في موجبات صناعة السفّاح ذي الوجه الملوّن. لعب خواكين فينكس الشخصية بما يلزم لخدمة النصّ الّذي جعل شريحة واسعة من الجمهور تتعاطف مع “الجوكر” وتؤيّد الفوضى التي أنتجها، كما نجح الفيلم في تنبيه المُشاهدين إلى أنّ “باتمان”، بطلهم الأصل، وخصم “الجوكر” منذ ولادتهما على الورق، هو سليل أسرة “واين” الرأسمالية، وأنّ رجلاً فاحش الثّراء لا يُمكن له أن يكونَ بطلاً للفقراء حتّى وإنْ لمّع نفسه بموضوعة العدالة. هكذا، جرى تعويم “البطل السلبيّ” في الثنائية، وصار “الجوكر” وفوضاه، نجمَي الصالات على حساب وطواط مدينة غوثام.

Joker، لم يكن الفيلم الوحيد الّذي أسس لفكرة “المتمرّد المقنّع الّذي يجد في الفوضى منصّة لتغيير شكل العالم”، والأمثلة في هذا السياق أكثر من أن تُحصى، ولعلّ V for Vendetta أكثرها شهرة.

في القرن السابع عشر، حاول غاي فوكس أن يفجّر مجلس اللوردات البريطاني، بهدف اغتيال الملك جيمس الأوّل، حتّى تصعد ابنتهُ الكاثوليكية إلى العرش، لكنّه لم ينجح، وأُلقي القبض عليه، ثمّ أُعدِم. تداول البريطانيون لاحقاً رسماً كاريكاتورياً مميزاً لوجه “فوكس”، بهدف صناعة تماثيل يتمّ تدميرها في الذكرى السنوية لـ”مؤامرة البارود” التي تمّ إحباطها. ذلك الرسم، وتلك الحكاية، جرى إعادة تدويرهما لصناعة فيلم V for Vendetta، الذي يتحدّث عن مناضلٍ يُدعى “V”، يريد أن يغيّر الواقع السياسي الّذي تعيشه بريطانيا، المحكومة عام 2038، بحسب افتراض الفيلم، من حزبٍ يمينيٍّ متطرّف.

يلجأ V إلى الفوضى كوسيلة للتغيير، فيقوم، بدايةً، بتفجير المحكمة الجنائية المركزية، ويعد خصومه بتفجير “قصر وستمنستر” في اليوم ذاته من العام التالي، ويكون له ذلك. بفضل الحقن العاطفي للفيلم، تحوّل قناع جاي فوكس من رمزٍ يتمّ إحراقه احتفالاً بإحباط المؤامرة السياسية ضدّ الحاكمين، إلى وجهٍ يمثّل نضالاً يقاوم سيطرة رأس المال على حياة البسطاء.

احتفلت “السوشل ميديا” بصورٍ ومقاطع مسجّلة من التظاهرات التي اجتاحت دولاً عدّة في العامين الأخيرين، حيث سجّل الرصد حضوراً لا بأس به لمتظاهرين يرتدون قناع V وآخرين يطلّون باللباس الأحمر وقناع دالي

هناك أمثلة عن “المتمرّدين المقنّعين الميّالين إلى إنتاج الفوضى كوسيلة للتغيير” في التلفزيون أيضاً. إيليوت (مسلسل Mr. Robot)، مريض الشيزوفرينيا، يقود مجموعة من القراصنة الإلكترونيين، في هجومات عبر الشبكة، بهدف إتلاف سجلّات المصرف المركزيّ وتحرير المقترضين من التزاماتهم اتجاه الرأسمالية الحاكمة، كخطوة أولى لإنشاء نظام اقتصاديّ أكثر عدالة. Fuck Society هو اسم المنظّمة التي شكّلها إيليوت (رامي مالك) ورفاقه، والاسم وحده كفيلٌ في تظهير التوجه الثوريّ للمجموعة التي اختارت لنفسها قناعاً، يُحاكي قناع V لجهة السحنة الضاحكة ذات التشكيل الكاريكاتوري، وراحت تخاطب السلطات من ورائه.

مؤخّراً، اكتسب قناع دالي رواجاً شعبياً كبيراً بعد النجاح الجماهيري الّذي حقّقه المسلسل الإسباني La Casa de Papel. مجدداً نحنُ أمام logline يختصر الحكاية كما يلي: “متمردون مقنّعون يهدفون إلى إثارة الفوضى كمنصّة ينطلقون منها نحو صناعة التغيير”. هذه الدرامات باتت تعبّر عن نفسها خارج الصالات وبعيداً عن الشاشات أيضاً. في هذا السياق، نُذكّر بمجموعة “أنونيموس” الشهيرة، التي اتخذت من قناع V رمزاً لها في محاولة لإكساب القراصنة هوية ثورية.

احتفلت “السوشل ميديا” بصورٍ ومقاطع مسجّلة من التظاهرات التي اجتاحت دولاً عدّة في العامين الأخيرين، من لبنان إلى فرنسا، حيث سجّل الرصد حضوراً لا بأس به لمتظاهرين يرتدون قناع V وآخرين يطلّون باللباس الأحمر وقناع دالي، على طريقة أصدقاء البروفيسور بصورةٍ تشرح تأثير الدراما في تحويل أولئك المقنّعين إلى أبطالٍ شعبيين، الأمر الّذي يَعِد بازدياد الالتفاف حول “الفوضى” كشكلٍ أوليّ من أشكال التغيير.

في تسعينيات القرنِ الماضي، كان “الشّرطيّ”، بمعناه الدلاليّ كمدافعٍ عن سيادة القانون وسلطة الدولة، بطل هوليوود المفضّل، فكنّا نشاهده يضحّي ويكابد لحماية بلاده من المتمرّدين وصنّاع الفوضى. اليوم، تلعب درامات كثيرة على شكلٍ مغايرٍ تماماً، يشيطن السلطات ويقول إنّه لم تعد هناك وسيلةٌ أجدى من الفوضى، وإن تخلّلتها جرائم على هامشِ النضال، لإحداث التغيير، الأمرُ الّذي يراه البعضُ حقيقةً واقعةً بالضرورة، بينما يصنّفه البعضُ الآخر تحت بند المؤامرة التي لم تضتح تفاصيلها بعد.

شبكة Netflix وعدت جمهورها بموسمٍ خامسٍ من La Casa de Papel. الاستثمار في الجماهيرية مشروعٌ طبعاً، لكنّ الأكيد أنّ درامات الأبطال المقنّعين، المولودين من مظلومية الشعوب، سوف تتكاثر وتتناسخ على المدى المنظور، لأغراضٍ قد تكونُ أبعد من تجارية، والأكيد، أيضاً، أنّ أولئك المقنّعين سوف يخرجون من الشاشات إلى الشوارع كلّما توافرت الظروف الموضوعية للإفادة من نموذج V.

 
×