جاء في الخبر المقتضب: مات سيمون أسمر. انتشرت صورة الرجل باسماً على مواقع التواصل الاجتماعي.

الصورة تعود لسنوات مضت، والرجل نفسه انطوى قبل سنوات. سيمون أسمر هو أحد الأسماء الغالبة لحقبة انتهت مع نهاية التسعينيات الممتدة جذورها في الحرب الأهلية اللبنانية. يومذاك كان سيمون أسمر هو الوجه البارز لصناعة الفن والترفيه.

في السنوات الأخيرة لم يعد لسيمون أسمر وجود حقيقي في هذا المجال. كأنه بموته أمس أعلن انسحابه الأخير من المشهد بعدما انطفأ مراراً. فقد غاب لأعوام، ثم عاود الظهور كرجل فاقدٍ ظله على الشاشة، هو الذي كان أحد أعمدة تصنيع الفنانين وتشغيلهم.

تأخذنا الذاكرة إلى التسعينيات. كانت الحرب الأهلية اللبنانية تلفظ نفساً أخيراً، والبلاد تخرج منها بدمار كبير، طغت عليه وعود بإعادة لبنان وبيروت تحديداً إلى الواجهة. خطاب الإعمار غطّى على مطالب بمراجعة الماضي الدموي القريب، لكن البلاد كانت مقبلة على أحلام استعادة دور كان لها في العالم العربي قبل عنفها الأهلي. وإذا كانت السياسة، ومعها الاقتصاد، شُغلَ دوائر محلية وإقليمية ودولية، فالثقافة كان لها أهلها وتحدياتها أيضًا، وصناعة الترفيه بمشهديته التلفزيونية كانت ميداناً قابلاً للتطويع بما يتناسب مع عناوين المرحلة. سيمون أسمر كان اسمه قد ترسّخ كمكتشف لـ”النجوم”، يعلن ولادتهم في برنامجه الأشهر “استديو الفن”، ويرعى خطواتهم الأولى، ثم الأكثر تقدماً وحرفية، في عالم الغناء والاستعراض. من عباءته خرجت أسماء تتفاوت في أهميتها وموهبتها، وذلك التفاوت المريب هو الجانب العصي على التفسير الفني في نشاط سيمون أسمر، لكنه يُترجم في المعادلات الرياضية لعالم البزنس والأعمال.

في مسيرة سيمون أسمر، تتعدد الزوايا التي يُقرأ من خلالها جانب من وجوه لبنان. هو، بدايةً، ابن “تلفزيون لبنان” الزسمي، الذي أنتج قبل الحرب مسلسلات وبرامج حوارية سياسية وفنية تُشكّل جزءاً مهماً وذات قيمة في الذاكرة العربية، وهو الذي تشارك مع سونيا بيروتي في إطلاق فكرة جديدة هي “استديو الفن”، الذي كان يخرّج فنانين في الغناء أولاً، وفي التقديم والرقص تالياً. ومنذ مطلع السبعينيات، لمعت أسماء فنانين من خلاله في العالم العربي، كوليد توفيق وماجدة الرومي.

لم يُقلد آخرين تقليداً أعمى، لكنه فتح الباب أيضاً لموجة استهلاكية أسهمت في أخذ الغناء العربي تدريجياً إلى إنتاج متدنٍ

مع انتصاف الحرب وولادة محطات تلفزيونية خاصة، انتقل أسمر إلى قناة LBC التي تصدرت المشهد التلفزيوني اللبناني. حمل معه برنامجه، وأطلق برامج أخرى، وظل يدور في ميدان واحد؛ “البرامج الترفيهيه”.

كانت ميزة أسمر أنه قادر على الإبداع. لم يستنسخ فكرة بشكل مطلق، ولم يُقلد آخرين تقليداً أعمى. لكنه فتح الباب أيضاً لموجة استهلاكية أسهمت في أخذ الغناء العربي تدريجياً إلى إنتاج متدنٍ، دون أن يبلغ القعر الذي نشهده في هذه المرحلة. بهذا المعنى، فإن سيمون أسمر شريك في إنتاج موجة الغناء التي تقرع آذاننا، وبريء منها في آن. بين خريجيه أصوات متميزة كصوت وائل كفوري، وأخرى يكاد المرء يحتار كيف سيطرت على الغناء كإليسا.

امتاز أسمر بحرفيته في التصنيع. وقف عند خيط رفيع، ما بين ماضٍ متألق بإنتاجاته، وحاضر غارق في استهلاكيته. كان “استديو الفن” يُبث مرة كل أربع سنوات. وكان هو يحتضن المواهب التي يؤمن بها، يرعى خطواتها في الشكل والمضمون، كما يفعل أي صانع للنجوم، ويوقع مع نجومه عقوداً احتكارية تمنعهم من العمل مع آخرين، ومن الظهور على غير شاشة الـ LBC. وكانت سيطرته في هذا العالم كبيرة، وقبضته قوية، لدرجة ندر فيها مَن تجرّأ على إثارة غضبه. قبضة ثبّتها من خلال دخوله في عالم بزنس الليل بكل أضوائه وأسراره. مِرفقه السياحي “نهر الفنون” الذي أقامه عند نهر الكلب، كان مطعماً ومسرحاً لنجوم “استديو الفن”، يطلّون عبره على جمهور لم يعد يعرف غيرهم فنانين، إذ ندر في عقد التسعينات أن لمع مغنٍ من خارج دائرة سيمون أسمر.

ثم دارت الأيام، وقبل انقضاء العقد الأول من القرن العشرين، مرت عاصفة هوجاء على لبنان، حملت معها أشياء كثيرة واقتلعت عوالم كثيرة ومنها عالم سيمون أسمر. فعلت التراجيديا فعلها. اختفى الرجل. تلقى ضربة صاعقة حين تم توقيفه في قضية لم يُعرف عنوانها: “قضية قتل” أم “شيكات بلا رصيد”، كانت هي على الأرجح إعلاناً لنهاية مسيرته. عارفوه قالوا إنه فقد كل ما يملك، ومتابعو مسيرته المهنية فهموا أنه فقد كل ما صنعه. لم يعد لسيمون أسمر مكان في الترفيه في الحقبة الجديدة، حقبة استنساخ برامج عالمية تفرز كل سنة عشرات المغنين والراقصين والاستعراضيين، ثم ترميهم جانباً، لتفرز غيرهم.

قبل رحيله، أطل سيمون أسمر في برنامج مستنسخ عن “فورمات” أجنبي، لكنه ظهر ضعيفاً، كشاهد خجول على ميدان لفظه نهائياً بعدما تربع على عرشه لسنوات.

سيمون أسمر باختصار، يشبه التسعينيات بما أنتجته في الفن والاقتصاد والاستهلاك. يشبه عقداً حائراً في مرحلة انتقالية، أفرز جمالاً وبشاعة بما يشبه التوزان، وانسحب بعدما فُتح الباب على مصراعيه لأفعال التقليد فقط.

 
×