تقوم برامج الكاميرا الخفية على وضع “الضحية” في فرضية تهدف في محصلتها إلى استفزاز الضّيف وانتزاع ردّ فعل عفوي منه، قبل احتواء انفعاله وإنهاء الدعابة التي لم تكن تتعدّى قبلاً حدود المزاحِ، وإن جنحت نحو بعضِ المبالغات.

عربياً، كانت البداية مع الكوميدي فؤاد المهندس الّذي اشتغل في الثمانينيات على نسخة مصرية من “كاندد كاميرا”، ثمّ كرّت السبحة وصولاً إلى سوريا، حيث قدّم برنامج “التلفزيون والناس” في واحدةٍ من فقراته تجربة تبلورت عام 1993، في “منكم وإليكم والسلام عليكم” (إعداد وتقديم عبد المعين عبد المجيد)، وتحوّل هذا الصنف من البرامج، مطلع الألفية، إلى واحدٍ من كلاسيكيات شهر الصوم وصولاً إلى آخر ما حُرّر في المقالبِ على قاموس رامز جلال.

رامز جلال، خرّيج قسم التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية (القاهرة). له في السينما تجاربُ لم تُحِل إلى ممثّل استثنائيّ، أمّا على مستوى التلفزيون، فآخر مشاركاته كانت، عام 2010، في مسلسل “السرايا” (تأليف أحمد صبحي / إخراج وائل عبد العزيز) قبل أن ينقطع عن دراما رمضان ويخصّص حضوره، في شهر الصوم، لبرامج المقالب الّتي كانت باكورتها “رامز قلب الأسد”، عُرض للمرة الأولى على تلفزيون الحياة.

القناة المصريّة احتفت في رمضان 2012 بـ“رامز ثعلب الصحراء”، وعرضت في العام الّذي يليه ثلاثين حلقة من “رامز عنخ آمون”، قبل أن تقرّر شبكة MBC أن تستثمر في جماهيرية الفكرة وتخصّص، بدءاً من عام 2014، مساحة ثابتةً لألاعيب رامز جلال، حيث تحتمل كلمة “ألاعيب” في هذا السّياق معانٍ عدّة.

يطلّ رامز جلال، خلال رمضان الجاري، في برنامج “رامز مجنون رسمي”، الّذي يُبثّ، كما جرت العادة، على MBC وMBC مصر وMBC بلاس دراما، إذ يستضيف في كلّ حلقة واحداً من المشاهير العرب الّذين يدخلون الاستديو بعد أن يتمّ “إياهمهم” بأنّهم سيحلّون ضيوفاً في برنامج حواريّ تديره مقدمة البرامج “أروى”، قبل أن تنسحب الأخيرة لتكشف عن متن “الدعابة” حيث يظهر رامز جلال، معلناً بدء جولة “التعذيب”…

كرسيٍّ يطير بالضّيف المقيّد إليه ثمّ يهوي به. صعقٌ بالكهرباء. شتائم وتنمّرٌ وصوتٌ مستعارٌ يُناسب المزاج الساديّ الّذي يغلّف به جلال “دعاباته”.

الضّيف يستغيث، والمُضيف يزيد جرعة التخويف، ثمّ يجبر محدّثه على التوسّل والاستجداء، ليبدو المشهد، في ظلّ ديكور الاستديو الّذي يحيل إلى مزاجٍ هيتشكوكيّ من الدرجة العاشرة، أقربَ إلى حفلة عبودية يُقال إنها تندرج تحت إطار “الترفيه”.

هذه المادة التي تقرؤونها الآن تصبّ، حسابياً، في مصلحة جلال، فهي تعني في المجال الرقمي مزيداً من الجدل

نسبةٌ لا بأس بها من الجمهور تصرّ على أنّ الأمر، في خلاصته، هو تحايلٌ جرى الإعداد له مسبقاً بين صاحب البرنامج وضيوفه، وأنّ ما يبثّ على الشاشة هو مسرحية ليس فيها ما هو حقيقيٌّ باستثناء تعويم ثقافة “التخويف والتنمّر لإنتاجِ الضحك”، وهذا ما أشار إليه فنّانون كثر، تلميحاً أو تصريحاً، حيث غرّدت المغنية الكويتية شمس، عبر حسابها في “تويتر”، قائلةً “اعطيني فلوس وركّبني ترند وأنا مستعدة أتكهرب وأتشقلب وأقول مقلب”.

ضمن السياق ذاته، نشر الموقع الإلكتروني لتلفزيون “الجديد” متابعةً قال فيها إنّ الممثلة المصرية أمينة خليل كانت تعلم مسبقاً بصنفِ المقالبِ التي تتضمّن مغطس ماءٍ بارد، فطلبت من جلال، الّذي فرد مقدمة طويلة للسخرية من أنف بطلة “لا تطفئ الشمس”، أن يخلع لها حذاءها الّذي يبلغ ثمنه، بحسب الجديد قرابة 836 يورو، كي لا يتلفَ أثناء التصوير.

ردود فعل الشارع تفاوتت بين من رأى أن البرنامجَ يحرّض على العنف، ويسيء لضيوفه بصورة غير مقبولة تحت غطاء الظرافة، أو التظارف، وبين من لم يُسئه ما رأى، واعتبر أنّ الأمرَ لا يحتاج إلى تأويلات مبالغٍ فيها، فالريموت كونترول موجود، و”من لا يعجبه، لا يتفرج”.

يكتفي رامز جلال بقراءة ما يُكتب عنه، مديحاً أو نقداً أو شتماً وتقريعاً، ولا يردّ على منتقديه بكلمة واحدة، والغالبُ أنّه ينتشي بنجوميته التي ينتجها السباب، ولا مُشكلة لديه بما يُكتب عنه، فالأفهم، بالنسبة له وللمعنيين بثقافة الرواج، أن ترتفع نسبة المتابعة، حتّى وإن جاءَ المشاهدُ على ظهر الفضول الّذي أنتجه “بوست” على “فيسبوك” يشتمُ “المحتوى المجنون رسمي”.

هذه المادة التي تقرؤونها الآن، مثلاً، تصبّ حسابياً في مصلحة جلال، فهي تعني في المجال الرقمي مزيداً من الجدل، وبالتالي زيادةً في صبيب المشاهدة، لكنها تظلّ من وجهة نظرِ ما بقي من أعراف المهنة موقفاً يُسجِّل ملاحظاتٍ سيؤرشفها محرّك “غوغل”، حتّى يقال يوماً ما إنّ هناك من طرح تساؤلاً ولم يبتسم لـ”طرافة العنف”.

نستطيع أن نقول إنّ “الميكافيلية” باتت سمةً لغالبية إعلام المرحلة، فالانتشارُ والكسبُ هدفان يسموان على الوسائل كلّها. اليوم، نوَجَّه نحو العنف تحت ستار الضحك، وغداً، ربّما نشاهد رامز جلال يبتر قدم أحدهم على خلفية موسيقية تناسب كرتون “توم وجيري”. وحين يعترض بعضُ الّذين يعتقدون أنّ الكاميرا الخفية لا تحتاجُ إلى مزاج الرعب هذا، سيخرج أحدهم ويغرّد “الريموت كونترول موجود، ومن لا يعبجه، لا يتفرج”، ثمّ يضحك…

المزيد من هذا المؤلف

“الدحيح” مشي عزيزي المشاهد

 
×