التلفزيون كما نعرفه دخل طور الاحتضار. قد يطول هذا الطور أو يقصر، ولكن، من دون شك، سينتهي ما اعتدناه من شكلٍ تقليدي للقنوات والبث الأرضي/الفضائي والبرامج المنوعة خلال سنوات.

بينما لا تزال التلفزيونات العربية ذات الهوية الملتبسة تتصارع على تمويلات أو اصطفافات سياسية، وتبث أفلاماً مكررة وبرامج منسوخة أو مسروقة من نظيراتها الناجحة عالمياً، وتراهن على نجاح مسلسلات سطحية محدودة بشهر واحد خلال العام، وتخضع لرقابة حكومية لصيقة، تجتاز التلفزيونات في الغرب عتبةً مرتفعةً باتجاه عصر جديد. هو عصرٌ الغلبة فيه لشركات إنتاج وتقديم المحتوى والإرسال عن طريق الإنترنت (streaming) وصناعة ترفيه مرئي متكاملة قائمة على مليارات الدولارات. لا تأتي تلك القفزة الهائلة من فراغ. تشير الإحصائيات إلى تنامي أعداد المرتحلين عن خدمة التلفزيون التقليدي المدفوع باتجاه الإنترنت الأرخص كلفةً والأكثر تنوعاً في بعض الأحيان. شهد النصف الأول من عام 2019 نكسة هائلة في أعداد المشتركين في أميركا الشمالية مع تخلي أكثر من مليون ونصف المليون مشترك عن خدمة البث التقليدية. شركة “أي تي آند تي AT&T” وحدها خسرت في أميركا أكثر من نصف مليون مشترك خلال العام، وهي لهذا تخطط للدخول إلى عالم “الستريمنغ” عن طريق ذراعها السينمائي “وورنر ميديا Warner Media”.

تشير مؤسسة “ديلويت Deloitte” الاستشارية في أحدث تقاريرها ذات الصلة إلى النقلة الهائلة في عادات المشاهدة وأنماط الاستهلاك لدى الأميركيين، مع تفوق نسبة الأشخاص الذين قالوا في استبيان إنهم يدفعون للحصول على خدمة الإرسال عبر الإنترنت (69%) على أولئك المشتركين بخدمة البث التقليدية المدفوعة عبر الكابل أو القمر الصناعي (65%). تتنامى اتجاهات “قطع الكابل” في أوروبا أيضاً، خاصة في المملكة المتحدة وألمانيا. وتشير الدراسات إلى انخفاض في أعداد المشتركين بخدمات التلفزيون وازدياد في اشتراكات خدمات “نتفلكس” و”أمازون برايم” وإن بفروقٍ ما تزال طفيفة، وتتبدل من بلدٍ لآخر ضمن الاتحاد الأوروبي.

يُرجِع العديد من الخبراء تفاقم هذه التوجهات الجديدة والفروق في أعداد مشتركي خدمات البث على أنواعها إلى أسباب تتعلق بالأجيال وبالدخل بشكل أساسي. غالباً ما تنحو فئة الشباب (18 – 35) إلى التخلي عن خدمة البث التقليدي لصالح الإنترنت. وبينما قد يصل معدل الفاتورة الشهرية للاشتراك بمحطات التلفزيون عن طريق الكابل أو القمر الصناعي إلى 70-100 دولار، فإن فاتورة الاشتراك بخدمات “الستريمنغ” لا تتجاوز نصف هذا المبلغ. وفي حين ما زال كثر يتابعون التلفزيونات التقليدية لمتابعة الأخبار وبعض التغطيات الرياضية، إلا أن نسبة الاهتمام بمجريات السياسة والاقتصاد تتناقص لدى الشباب، في مقابل شغف معظمهم بآخر ما صدر من أفلام ومسلسلات وموسيقى وإلى ما ذلك من منتجات الثقافة الشعبية السائدة. تُضاف إلى هذه الحوافز جاذبية التخلص من الإعلانات ضمن العروض، وهو أمر متاح عبر “الستريمنغ”.

ليس هناك استثمارات فعلية في العالم العربي ترفع من شأن المحتوى، فنياً وتجارياً، على المدى الطويل

وفي ضوء كل تلك الأرقام، تتحضر أسماء كبرى عدة للقفز في فضاء الإنترنت. ويبدو أن نمو “نتفلكس Netflix” ونجاحها في تحقيق خرقٍ لا يستهان به في ثقافة إيصال المحتوى حسب الطلب، وتحولها من منصة عرضٍ لأعمال الآخرين إلى منتجٍ لأعمال أصيلة تدخل المنافسات في المهرجانات، بالإضافة إلى تغيّر عادات المشاهدين، يبدو أن كل ذلك قد لفت نظر عمالقة عالم السينما والتلفزيون. أصبح الجميع اليوم يسعى لينال حصته في ذلك العصر الجديد. البداية مع “ديزني” التي ستطلق في تشرين الثاني/نوفمبر القادم، كما تشير المعلومات، منصتها الخاصة للإرسال عبر الإنترنت باسم “ديزني بلس Disney+” لتخلق مكتبةً هائلةً تجمع فيها إنتاجات “ديزني فيلمز” و”ديزني أنيميشن” و”بيكسار” و”مارفيل” و”لوكاس فيلمز” و”أي بي سي” و”توينتي فيرست سنتشري فوكس”. بالإضافة إلى كل ما سبق، ستعمد “ديزني” إلى صناعة محتوى خاص بالمنصة الجديدة سيكون من الصعب على عاشقي أفلام أبطال “مارفيل” ومغامرات “ستار وورز” تجاهل دفع كلفة الاشتراك بالخدمة من أجل مشاهدتها. أما “وورنر ميديا” الجالسة على جبل من الإنتاجات، فترغب أيضاً بأن تستثمر نجاح مسلسل “لعبة العروش” عبر إطلاق خدمة HBO Max التي ستستعيد حقوق بث بعض من أنجح عروض التسعينيات كمسلسلات Friends وBig Bang Theory وSeinfeld بشكل حصري، بالإضافة إلى إنتاجات سابقة وقادمة ستغري المشاهدين. “آبل” تسعى أيضاً إلى شق طريقها في سوق محتوى الترفيه مع إطلاقها خدمة Apple TV+. لا يبدو عملاق الهواتف الذكية مقتصداً في سعيه هذا، فقد جرى الإعلان عن استثمارات تصل إلى أكثر من أربعة مليارات دولار خلال السنوات الثلاث القادمة من أجل صناعة محتوى خاص بمنصة “آبل” تجتذب أسماء لامعة كأوبرا وينفري وستفين سبيلبرغ وصوفيا كوبولا وجينفر آنيستون.

أما في العالم العربي، فعلى الرغم من أن الإنتاج الدرامي بطبيعته يشكل صناعةً بإمكانها درّ أرباح هائلة، لكن ليس هناك استثمارات فعلية ترفع من شأن المحتوى، فنياً وتجارياً، على المدى الطويل. بل إن جلّ المبالغ التي يجري استثمارها يهدف إلى تحقيق ربحٍ آنيٍ في مواسم قصيرة. ويأتي إهمال النص المحكم، والإنتاج الذي يخدمه، على حساب حشو المسلسلات بمواضيع خلافية بأسلوب يتفجر إثارةً وعنفاً من أجل جذب المشاهدين، ضمن ذات المنطق العتيق لعرض صورة قبلةٍ يتيمةٍ أو مشهد شبه عارٍ في ملصقات الأفلام على أبواب دور السينما قديماً. ومع الانحسار المستمر لأموال الإعلانات والإعانات، والتغيرات السياسية والاقتصادية التي تضرب العالم العربي، ومع انخفاض القدرة الشرائية وتضاؤل الطبقة المتوسطة المستهدفة أصلاً في ثقافة الترفيه التلفزيوني، لا يبدو أن واقع الإنتاج والبث التلفزيوني العربي على طريق التطور. هكذا، غالباً ما تفشل ثقافة الترفيه العربية في تحقيق خرقٍ على مستوى جماهيري. ويمكن ملاحظة هذا من خلال ما يدور من نقاشات حامية على “السوشال ميديا” بين الشباب، تتناول مسلسل “لعبة العروش” أو “بيت الورق” على سبيل المثال، وحماساً لمتابعة آخر إنتاجات السينما والعروض العالمية، في مقابل إحباطهم من الإنتاجات المحلية أو العربية وتعبيرهم عن سخرية مريرة من ضحالة “مسلسلات رمضان” وقصورها.

 
×