ليست الصحافة مهنة المكاتب المغلقة، بل إن أكثر ما يحتاجه الصحافيون لابتكار الأفكار والكتابة هو التواجد مع الناس في حياتهم اليومية، والحديث معهم في الشارع والمقهى والدكان من دون قيود. ومع تطور قطاع العمل الصحافي وانتقاله بقوة إلى فضاء الإنترنت ومنصات التواصل من جهة، والتحديات الوجودية والمادية التي يواجهها من جهةٍ أخرى، صار العمل المستقل يسمح بممارسة المهنة بحرية بعيداً عن ضغوط موعد صدور الصحيفة أو الحسابات السياسية الضيقة. وتكمن مشكلة الصحافة، على المستوى الاقتصادي، في أنّ ما كان يصنّف عملاً بات أقرب إلى التجارة، وباتت مهنة الإعلام معه أكثر خضوعاً لآليات السوق والعرض والطلب على المواد الصحافية. وبعدما كانت الصّحافة تلعب دوراً أساسياً في خلق وتوجيه الرأي العام، بات الوافدون الجدد إليها يتخاطفون ما يقدّم لهم من فرصٍ صغيرة.

يشهد قطاع الإعلام ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد الصحافيين المستقلين، حتى بات العمل كـ”freelancer” مسلّمة لدى الكثير من طلاب معاهد الإعلام والصحافة وخريجيها. ليلى يمّين واحدة من اللواتي خرجن من بين الجدران الأربعة وقيود دوام التاسعة صباحاً حتى السادسة مساءً لتعمل بين الناس. تخرّجت ليلى من كليّة الإعلام في الجامعة اللبنانيّة عام 2017، ومنذ تجربتها الأولى في الصحافة في ملحق “شباب السفير”، ترسّخت لديها قناعة بأنّها تريد العمل بشكلٍ مستقل. أرادت أن تختار مواضيعها ووجهتها وأوقات عملها بنفسها من دون أي إلزام. هذه الحرية بالنسبة لها هي ما يحفزها على الابتكار. ترفض ليلى قوننة عمل الصحافيين المستقلين، إذ إنّ تأطير العمل ينتزع منه حريّته، ولو أنها تشجع على فتح أبواب نقابة صحافة فعّالة أمام أبناء المهنة كافة. وفي الجانب الاقتصادي، تقول ليلى إنّ المردود المالي للعمل الحرّ أعلى من مردود الوظيفة. ورغم غياب الضمانات الصحية والأجر غير الثابت، إلّا أنّها ترى أن المرونة في العمل أهم من العوائد الأخرى.

حماسة ليلى تجاه الصحافة المستقلة يناقضها جوزيف سلوم، وهو بدوره صحافيّ مستقل، تخرّج عام 2016 من كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، ويعمل على نيل درجة الماجستير في الصحافة البحثية. بدأ جوزيف العمل عام 2015 كصحافي مستقل في موقعٍ إلكتروني حتى تخرّجه. بعدها تنقّل بين العمل الثابت والمستقل. يفصل جوزيف في تجربته بين طبيعة المؤسسات الإعلامية التي ارتبط بها، ملاحظاً خلال عمله مع الصحف أنّ المردود المالي متدنٍ ومحدّد وغير مستدام. وبعد عودته للكتابة المستقلة، وجد أن الوضع مختلف، فهو يكتب لمواقع إلكترونية عدة حيث يوجد تقديرٌ أكبر للعمل والوقت المطلوبَين لإنجاز المواد المُعدّة للنشر. يعتقد جوزيف أن هدف المرء عند التخرج يتمثل بالعمل من أجل اكتساب الخبرة، ولكن بعد فترة تصبح للصحافي معايير مالية معينة لقيمة إنتاجه تجعله يرفض العمل بالشروط السابقة عينها، وهو ما قد يبقيه عاطلاً عن العمل. لكنه يرفض حتى اللحظة الاستسلام لفكرة العمل الحرّ لأنّها تتضمن الكثير من الاستغلال، ويرى أنّ قوننة عمل الصحافيين المستقلين ضرورية لضمان حقوقهم المالية والصحية. كما أن غياب آلية للاعتراض أو الشكوى يسمح لأصحاب المؤسسات الإعلامية بارتكاب الكثير من التجاوزات. ولئن كان الصحافيون المستقلون يملكون حرية التصرف بوقتهم وتحديد عدد المقالات التي سينتجونها، إلا أنهم في المقابل يفتقرون إلى الأمن المعيشي. فمساحة الحرية يقابلها غياب العقود والضمانات، ولا بد من تنازلاتٍ معينة يقدمها الصحافي على المستويين الاقتصادي والعملي في إطار علاقات القوة التي تجمعه بالمؤسسة الإعلامية.

ينتشر بين الصحافيين شعور بانعدام الأمان يبدأ بالظهور بين خرّيجي مدارس الصحافة، وينتقل إلى الصحافيين في منتصف حياتهم المهنية، ويصل أخيراً إلى الصحافيين في حياةٍ مهنيةٍ متقدمة

يأتي العمل المستقل ضمن خانة “البريكاريا (Precariat)” وهو مصطلح ظهر عقب الاحتجاجات التي اندلعت إثر لقاء “مجموعة الثماني” عام 2001 في جنوى، إيطاليا، وقد جرى صكّه من كلمتي “بروليتاريا (Proletariat)” التي تعني الطبقة العاملة و”precarious” التي تعني المتقلقل وغير المستقر. يندرج هذا المصطلح ضمن اتجاهٍ عالمي ينحو لإلغاء العمل النظامي، وإلى نموّ قطاعات عملٍ غير رسمية، لا سيّما في الاقتصادات النامية. يصف الاقتصادي البريطاني جاي ستاندنغ في كتابه “الطبقة الجديدة الخطيرة” هذه الطبقة بالعمال غير النظاميين، وغير المتفرغين، والمتعاقدين والمتدرّبين، ويرى أنهم ليسوا ولن يكونوا جزءاً من الطبقة العاملة. في حين يرى ديفيد هارفي أنه يجب أخذ هذه الطبقة بالاعتبار لدى الحديث عن أي حركةٍ ثورية، إذ إنهم يعملون لبعض الوقت، وغير منظمين، ويتقاضون أجوراً زهيدة. في المقابل، تطرق أستاذ الإعلام وعلوم الاتصال هنريك أورنبرغ في مقالة بحثية بعنوان “صحفيون يفكرون بالبريكاريا: إدراك الوضع الطبيعي الجديد”، إلى التغيير في نمط تفكير الصحافيين ونظرتهم حيال أنفسهم كمحترفين، في حين لم يعد الوضع الهيكلي للعمل بدوامٍ كاملٍ مستقر، عاملاً أساسياً في خلق طرائق التفكير التقليدية والمحافظة عليها. كما بحثت المقالة في كيفية إسهام رقمنة العمل الصحفي المستمرة وسيادة الابتكار التكنولوجي عليه في تحوّل الصحافيين إلى “بريكاريا” لجهة نمط العمل والتفكير.

لاحظ اورنبرغ أنّ واحدةً من السّمات المميزة للعمل الصحفي المعاصر هو أن هناك القليل منه، على الأقل إن أراد الصحافي تقاضي بدلٍ مادي. ولطالما اعتمد سوق العمل الصحفي على زيادة العرض من الراغبين في الدخول إلى المهنة، لكن الطرد الجماعي في العقد الأخير، خصوصاً في قطاع الصحف اليومية، زاد من تردّي وضع الصحافة التقليدية. اليوم، ينتشر بين الصحافيين شعور بانعدام الأمان، وهو يظهر بداية بين خرّيجي مدارس الصحافة الذين يتزاحمون للحصول على وظيفتهم الأولى، وينتقل إلى الصحافيين في منتصف حياتهم المهنية إذ يضطرون إلى التعامل مع إغلاق مكاتب التحرير، ويصل أخيراً إلى الصحافيين في حياةٍ مهنيةٍ متقدمة، حيث يتعين عليهم الاختيار بين إعادة التدريب أو التقاعد المبكر.

لقد باتت “البريكاريا” سمة للعمل الصحافي المعاصر، ويراها أورنبرغ حقيقة تتجلّى بوضوح. لم يعد الحصول على وظيفةٍ سهلاً، خصوصاً لمن هم في مرحلة مبكرة في حياتهم العملية أو للمستقلين، كما صارت الحياة المهنية للكثير من الصحافيين تتسم بدرجاتٍ مختلفة من القلق والإحباط. وفيما يضطر الصحافيون إلى بيع عملهم مقابل مردودٍ مالي غير محدد وغيابٍ للرعاية الصحية، باتوا اليوم يشكّلون طبقة جديدة من المهمشين التي تنامت مع انتشار الأفكار النيوليبرالية الداعية إلى الإفادة من مرونة سوق العمل وتحريره من ضغوط كثيرة، من بينها مسؤوليات ربّ العمل تجاه موظفيه. وعليه، يواجه الصحافيون اليوم مستقبلاً مبهماً مع توجه المؤسسات الإعلامية إلى التعاقد وإلغاء التوظيف، فإمّا أن يخلقوا وسائلهم الإعلامية الصغيرة، أو يدفعوا باتجاه تحقّق ملكيةٍ جماعيةٍ لوسائل الإعلام.

 
×