مريم* شابة ثلاثينية هربت من شتائم زوجها وضربه إلى حبس شقيقها وتهديداته ببيع طفلتها، ليصل بها الطريق إلى دار إيواء وتتعرض اليوم لعنف من نوع آخر، حيث لم تتمكن من استصدار شهادة ولادة لطفلتها وتسجيلها في الأوراق الرسمية أو حتى الحصول على الطلاق القانوني، بعدما تعطلت المحاكم مع فرض قوانين الإغلاق المحكم (التعبئة العامة) لمواجهة انتشار فيروس “كورونا”.

صمتت مريم سنة كاملة على التعنيف الجسدي واللفظي من زوج لا يعمل ويتعاطى حبوب “الكبتاغون”، حتى لا تعود مطلقة بعد زواج أقبلت عليه لضغط نفسي عاشته في منزل ذويها لأنها “كبرت” ولم تتزوج – بحسب قناعات الاهل. كانت آنذاك تبلغ 27 عاماً.

تقول: “طليقي كان يضربني بأي شيء يقع في يده، بكرسي الحديد أحياناً. لا تزال آثار الكدمات على جسدي، وكذلك علامات الضرب بحزام جلدي. كنت أصرخ من الوجع، ولم يكن يبالي”. يمتد صمت مريم ثم تضيف: “لاحقاً صرت أخشى التواصل معه. أفضّل السكوت لأن أي حوار بيننا كان ينتهي بالصراخ والضرب وسجني في المنزل”.

انفصلت مريم عن زوجها بطلاق شفهي، وانتقلت مع رضيعتها الى منزل والدتها المزدحم، حيث شقيقها وزوجته وأطفاله الثلاثة. وتحت وطأة الظروف الاقتصادية الخانقة، أصرّ شقيقها على ترك الطفلة لدى والدها مستخدماً أسلوب الحبس في الغرفة والتهديد ببيع الطفلة لعائلة محرومة من الأطفال. ومع الخلافات الزوجية، انقضت المهلة الإدارية لتسجيل الطفلة لدى مأمور النفوس.

يجب أن يتم التصريح بالولادة لدى مأمور النفوس خلال مهلة ثلاثين يوماً ليتم قيدها في سجلات الأحوال الشخصية. بعد انقضاء هذه المهلة يبقى التصريح ممكناً مع دفع غرامة حتى مرور سنة على الولادة. بعدها لا يمكن التسجيل إلا بقرار قضائي.

تتلقى مريم اليوم الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني من منظمة “أبعاد” المعنية بالدفاع عن حقوق النساء، التي احتوتها وطفلتها في إحدى دور الإيواء التابعة لها.

 العنف الأسري: ارتفاع بنسبة 87

ارتفع معدل جرائم العنف الأسري بنسبة 47% في الشهور الثلاثة الأولى من انتشار “كورونا” وقرار الحجر المنزلي في لبنان، بحسب سجلات قوى الأمن الداخلي التي حصلت عليها معدة التحقيق. والأخطر هو عدد الجرائم الأسرية المصرح عنها خلال أشهر تفشي “كورونا”، والتي بلغت 453 حالة مقارنة بـ 242 في الأشهر ذاتها من العام المنصرم، أي بمعدل زيادة قوامها 87% .

 

العنف الأسري

 

العنف الأسري قبل وبعد كورونا

قبل وبعد “كورونا”

242 شكوى من آذار/مارس ولغاية 30 حزيران/يونيو 2019.
453 شكوى من نهاية شباط/فبراير ولغاية أيار/مايو من العام 2020

 

زمن الفقد

المتخصصة في علم النفس الاجتماعي والعيادي الدكتورة في الجامعة اللبنانية أنيسة الأمين تتحدث عما تسميه “زمن الفقد”. فمفاتيح الحياة اليومية الطبيعية والتقليدية “فُقدت” بفعل الحجر، إضافة إلى فقدان العمل واستعار الصراعات السياسية التي تُنتج التوتر والعدائية والجهوزية لفتح باب العنف على مصراعيه.  

وبفعل العزلة الاقتصادية يفقد الرجل إحساسه بالقوة و”الذكورة” التي غذتها التربية المنزلية والثقافة السائدة والموروث الاجتماعي، وهي الهالة التي يتمتع بها أمام زوجته. تقول الأمين: “العنف قد يسلك طريقين، بحسب بنية الشخص النفسية: فإمّا أن يرتد هذا العنف على الذات، ويعيش حالة من التبخيس والدونية وقلة الحيلة، أو يتوجه إلى الخارج القريب، أي المرأة في العادة”.  

رانيا* تعرضت للعنف على يد زوجها بأشكاله كافة، وصمتت في وجه هذا العنف إذعاناً منها للعادات والتقاليد ورواية “الصبر” التي ورثتها عن والدتها.

تروي أنّ خروج زوجها سابقاً من المنزل كان بمثابة إبرة “مورفين”، غير أن فترة البقاء المطول في البيت جاءت بعد ذلك لتساهم في اشتداد العنف. وإدراكاً منها أنّه ينبغي على كل سيدة ألا تسكت عن الظلم اللاحق بها، لجأت رانيا إلى جمعية “كفى” بحثاً عن المساعدة والدعم النفسي والاجتماعي وكذلك الاستشارة القانونية.

 قصور قانوني   

في مقابل فقدان الحماية المجتمعية، يُفترض أن تكون الحماية القانونية ملجأ يقي النساء من العنف. لكن الواقع مغاير لذلك، إذ ثمة قصور قانوني ساهم في زيادة وطأة العنف الأسري، خصوصاً في ظل جائحة “كورونا” والحجر المنزلي.   

في لبنان، أُقر عام 2014 قانون يحمي النساء من العنف الأسري وميزاته:

– لم يكن هناك قانون محدد يختص بالعنف الأسري، بعدما كانت هذه الجرائم تُصنف كجرائم من النوع الجنائي العادي.

– يعترف بحاجة السيدات المعرضات للعنف إلى الحماية وسبل الإنصاف القانونية.

– يتيح للنساء الحصول على أمر حماية من الشخص المسيء.

– يدعو إلى إنشاء ملاجئ مؤقتة للناجيات من الإساءة.

– يخصص نائباً عاماً لتلقي الشكاوى والتحقيق في حالات العنف الأسري.

– ينص على إنشاء وحدات مختصة بالعنف الأسري في الشرطة اللبنانية المحلية للتعامل مع الشكاوى.

إلاّ أنّ القانون يحتوي على الكثير من الثغرات. إذ لا يُجرّم الاغتصاب الزوجي مثلاً، وتُصنّف جريمة قتل الزوجة أحياناً “جريمة شرف” . 

تؤكد الأستاذة الجامعية والباحثة في مركز المعلوماتية القانونية الدكتورة هادية الشامي، أنّ عناصر التمادي في الجريمة الأسرية في زمن “كورونا” تعود إلى غياب الرادع، وتقصد بذلك تحديداً إقفال المحاكم لفترة طويلة في زمن التعبئة العامة، ما أدى الى عدم إحساس المعتدي بأنّ ثمة من يلاحقه أمنياً، وبالتالي إحساسه بالحرية التي تسمح له بارتكاب ما يشاء من تجاوزات. وفي زمن “كورونا” وفقدان المورد المالي، أصبح تكليف محامٍ أكثر صعوبة، وبذلك أحجم الكثير من النساء عن متابعة قضاياهن في المحاكم، واكتفين بالتبليغ عن العنف فقط.

مسؤول مطلع في قوى الامن الداخلي –  يرفض الكشف عن اسمه، لحساسية موقعه – يقول: “نسبة القلق ارتفعت ومعها تضاعفت الأمراض النفسية والضغوط المفروضة على المواطنين وبالأخص الرجال، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة تحت سقف واحد إلى جانب النساء، وقد ظهر هذا العنف الخفي الذي كشفته التحقيقات الأولية في عدد من هذه الجرائم التي لا يمكن الكشف عنها”. 

ويؤكد المسؤول أنّ قطعات قوى الأمن كانت تتحرك تلقائياً فور ورود أي شكوى على الخط الساخن، “لم نتوقف عن العمل بل على العكس، تضاعفت وتيرة العمل خلال “كورونا”، والأرقام بين أيديكم عن ازدياد نسبة العنف أكبر دليل على ذلك. وبدورنا كنا نقوم إمّا بتوقيف المدعى عليه في حال كان هناك عنف متكرر أو تسطير محاضر تعهدات بحق المعتدين لعدم تكرار الفعل العنفي. وفي حال كان الجرم أكبر من مجرد اعتداء، فحتماً نحن – وبعد توقيف المعتدي – كنا ننتظر ادعاء النيابة العامة للتحرك، وهذا إجراء قضائي”.

 متى تتحرك النيابة العامة؟ متى يتحرك القضاء؟

تشرح قاضية معنية في جرائم العنف الأسري – ترفض الكشف عن اسمها لأنها غير مخولة بالحديث إلى الصحافة –  الآلية المتبعة، وتشير إلى أنّ النيابة العامة تتحرك فوراً عندما تلجأ المعنفة الى المخفر لطلب الحماية، أو بمجرد تواصلها مع القوى الأمنية عبر الخط الساخن عند تبليغهم بأي ممارسة عنفية من قبل أحد أفراد الأسرة. 

وتتابع القاضية: “حينها يتدخل الجهاز المعني في المخفر ويتم إحضار المعنفة للإدلاء بإفادتها. وحالياً بسبب الزيادة الملحوظة في العنف الأسري، فإنّ النيابة العامة تتحرك فوراً حتى في ظل تعطل المحاكم أو عمل المحامين، وتعطي النيابة إشارتها غالباً إمّا بإحضار المعتدي وصولاً الى حد توقيفه، وهذا ما حصل أكثر من مرة في العديد من الملفات التي استلمتها شخصياً”. 

 هذه الإجراءات لم تكن متبعة بالشكل المطلوب في الفترة الأولى من إقفال البلاد بسبب التعبئة العامة والإجراءات الصارمة بالحجر، وهو ما جعل المحاكم مقفلة لفترة طويلة خلال هذه المدة، ليصدر بعدها قرار النائب العام  لدى محكمة التمييز القاضي غسان عويدات رقم 68/ص/2020، ويتضمن إجراءات لحسن سير عمل النيابات العامة خلال فترة التعبئة العامة في منتصف شهر نيسان/أبريل وبدأ العمل به في أواخر الشهر، أي تقريباً بعد شهر كامل على تسجيل أول حالة “كورونا” في لبنان. 

وجاء في نص القرار ضرورة الإيعاز إلى عناصر الضابطة العدلية بفتح محاضر فورية في جميع قضايا العنف الأسري، حتى في حالات الجرائم غير المشهودة، بالإضافة إلى عدم اشتراط حضور الضحية إلى مركز الضابطة العدلية للاستماع إلى إفادتها في حال أدلت بأنها غير قادرة على التنقل بسبب الأوضاع الصحية، وقيام المحامي العام الاستئنافي المختص بالاستماع اليها من قبله شخصياً أو من قبل الضابط العدلي المكلف بالتحقيق، عبر تقنية “الفيديو كول” أو عبر أي وسيلة يراها مناسبة.

لبنان الخاسر اقتصادياً.. بالأرقام 

تفيد أرقام وزارة العمل التي حصلنا عليها أنّ أكثر من 6500 عامل تم تسريحهم خلال الأشهر الستة الأولى من 2020، وهذا الرقم لا يعكس الواقع لأن بعض الشركات لا تصرح بإغلاقها، والكثير من العمال المسرّحين لا يلجؤون إلى الوزارة للإبلاغ.

أفاد إحصاء للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بخروج 21 ألفا و450 أجيراً من سوق العمل مع بدء الأزمة الفعلية لـ”كورونا” في لبنان، في حين تباطأت حركة التوظيف بنسبة 71%. وبحسب الصندوق المعني بضمان نهاية العمل، فإنّ 37.5% من الأجراء المصرح بهم للضمان يعملون بأقل من مليون ليرة (حوالي 661 دولاراً)، أي أقل من خط الفقر الأعلى المحدد بنحو 1.5 مليون ليرة (نحو 991 دولاراً)، في حين يعمل 86% بأقل من 3 ملايين ليرة (1983 دولارًا).  

ومع انهيار سعر صرف العملة الوطنية؛ خسرت الرواتب أكثر من 80% من قيمتها، لاسيما أن للدولار أكثر من سعر صرف في البلاد، إذ يبلغ بحسب السعر الرسمي 1510 ليرات، ووفق سعر المنصة الرقمية التي نظمها مصرف لبنان مع الصيارفة يبلغ 3800 ليرة، وفي السوق الموازية يتراوح بين 7000 و9000 ليرة، ومن المحتمل أن يرتفع أكثر.  

تختصر ليلى * أم لأربعة أولاد حالة العنف التي تتعرض لها، بترجمة فعلية للضائقة الاقتصادية التي تعيشها، فزوجها الذي كان يعمل في مجال تأمين العاملات الأجنبيات للمنازل، توقف عمله بسبب تفشي فيروس “كورونا” في لبنان، واضطراره الى المكوث في المنزل لأكثر من ستة أشهر.

تقدّمت ببلاغ أخيراً لدى أحد المخافر وحصلت على تعهد من زوجها رسمياً يقضي بعدم التعرّض لها، إلاّ أنّها لا تزال تجد في أسلوب عيش زوجها حجة لهذا العنف المستجد بحسب تعبيرها. تختصر ليلى وضعها بالقول: “قلة مالية وتعتير”.

حالة ليلى هذه مماثلة لحالات سيدات كُثر رضين بالواقع الأليم لهن، حتى يبقين في منزل زوجي وإلى جانب أولادهن، بانتظار تبدّل الظروف للأفضل.

القلق العائم: عدو من نوع آخر   

تقول الدكتورة أنيسة الأمين إنّ العنف مكون أساسي لدى البشر، يتم ترويضه بفعل الثقافة والتربية، غير أن العوامل الخارجية قد تولد طاقة زائدة تدفع إلى مزيد منه. يتقاطع البعد الشخصي هنا مع الأبعاد السياسية.

 ففي جريمة بعقلين التي هزّت الرأي العام، حيث قتل مواطن زوجته ذبحاً و شقيقه ولبنانيين وخمسة سوريين، تتحدث الأمين عما تسميه “القلق العائم”. فالأجواء العدائية في لبنان مردها التوتر السياسي المستمر، الذي أُضيف إليه توتر أمني واقتصادي وضائقة حجر منزلي. ترى الأمين أن “القلق العائم من أصعب المراحل التي قد يصادفها الفرد. ففي الصراعات والحروب، الخطر مُعرّف ومُعيّن، لكننا اليوم إزاء حالة لا وجود فيها لعدو مباشر”.

مع الجائحة وجد الناس أنفسهم أمام عدو مجهول يهدد حياتهم، يُشعِر الفرد بضعفه ويجعله صغيراً في عين نفسه، وهو ما يدفعه إلى تبخيس ذاته العاجزة. وهذا يفسح المجال أمام الاستسلام أو أمام انتهاج سلوك عنفي كثيراً ما تقع النساء ضحاياه، على اعتبار أنّهن الحلقة الأضعف والأقرب إلى المعنف.  

هي جائحة من النوع المستتر كما وصفتها مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة والمديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة فومزيلي موالمبو نكوكا، حيث بات الحجر يهدد السلام في المنازل.

 
×