(الصورة تعود إلى 2011)

 

“أتمتع، على الأغلب، بحظ جيد. فقد عدت إلى بلدي. كان يمكن أن أكون الآن جثة ملقاة في العراء، أو أسير حرب، أو محتجزاً لدى الاستخبارات السعودية. كثيرون ممن كنت معهم خلال الأشهر الماضية واجهوا هذه المصائر، إلى جانب تلقيهم إصابات بالغة”. هكذا يصف شاب من مدينة تعز اليمنية تجربة انضمامه إلى أحد الألوية العسكرية الموجودة على الحدود الجنوبية للسعودية مع اليمن. التجربة القاسية لن تثني الشاب اليمني عن العودة مرة أخرى إلى ميدان القتال نفسه. لذلك فهو يفضل عدم الإفصاح عن هويته. يعرف أن العودة ممكنة في حال ظلت الحياة موصدة في وجهه، كما يقول، ويطلب أن نسميه بجاش المحمدي.

في ظل النزاع المسلح الدائر في اليمن منذ خمس سنوات والظروف المادية الصعبة المرافقة، يضطر مدنيون كثر – من بينهم قاصرون – إلى الالتحاق بجبهات القتال، أملاً في تحسين الوضع المعيشي لأسرهم. ومع شح فرص العمل، يوشك التجنيد أن يكون الفرصة المتاحة الوحيدة لجني المال بالنسبة لعموم اليمنيين.

ذكور من مختلف الأعمار التحقوا ولا يزالون بالكيانات العسكرية التي تشكلت بعد آذار/ مارس 2015، سواء تلك التابعة لـ”أنصار الله” (الحوثيين) أو الموالية للحكومة المعترف بها دولياً، بينما يفضل البعض أن يلتحق بالتشكيلات (الألوية) العسكرية الموجودة على الحدود اليمنية مع السعودية لارتفاع البدل المادي، حيث يحصل الفرد على راتب شهري يصل في حده الأدنى إلى ألفي ريال سعودي (حوالي 500 دولار أميركي)، ويزيد بناء على الرتبة العسكرية.

يأتي تشكيل تلك الألوية في إطار مشروع “التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن”، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وإليها توكل مهمة السيطرة على المحافظات اليمنية المحاذية للمملكة انطلاقاً من أراضيها. يقول المحمدي: “المشكلة الآن لا تكمن فقط في أن الألوية تلك غير نظامية وأنها لا تتبع إلى وزارة الدفاع اليمنية أو السعودية، أي أن وجودها مرحلي/ مؤقت، ولا في نظرة البعض إلى أفرادها على أنهم مرتزقة مأجورون للدفاع عن الحدود السعودية، بل الأقسى تلخصه القصص المؤلمة التي يعيشها كل من التحق بتلك الوظيفة الصعبة”.

شبكة سماسرة وإتجار بالبشر

تتولى شبكة من السماسرة المحليين عمليات التجنيد لصالح ألوية الشريط الحدودي. هؤلاء السماسرة الذين يُنادَون بـ”المُفوّجين” هم في الغالب من المجندين في الألوية الذين تربطهم علاقة مع ضباط وعسكريين داخلها. يتولى المُفوّجون تسجيلَ الراغبين بالتجنيد وتسهيلَ سفرهم من القرى والمدن إلى منطقة الوديعة الحدودية مع السعودية، وينسقون عمليات دخولهم إلى “معسكر التحالف” المخصص لاستقبال المجندين. ويحصل “المُفوّج” على 500 ريال سعودي (حوالي 130 دولار أميركي) عن كل مجند يحضره، ينفق منه ما يقارب الـ150 ريال سعوي (حوالي 40 دولار أميركي) كبدل مواصلات.

خشيت أن أُمنع من الدخول لأني لا أملك بطاقة ولا جواز سفر، فأنا لم أستطع استصدار أي منها لصغر سني

ضرار مخلافي مراهق يبلغ من العمر 15 عاماً، انضم أيضاً إلى أفواج الملتحقين بالقتال. يحكي عن اللحظات الأولى لانضمامه إلى ألوية الشريط الحدودي، يقول: “أجرينا مكالمة مع المُفوّج وأخبرناه أننا وصلنا إلى المكان. كنا عشرة أفراد. انتظرنا نحو ساعتين أمام بوابة المعسكر. كان الطقس حاراً، ولأن المنطقة صحراوية اعتمرنا أكياس الملابس فوق رؤوسنا لنتقي بها شمس الظهيرة اللاذعة، إلى أن ظهرت شاحنة من خلف البوابة وترجّل منها شخص بيده ورقة وبدأ ينادي بأسمائنا. كان يأخذ منا قبل الصعود إلى الشاحنة البطاقة الشخصية أو جواز السفر أو أي وثيقة رسمية تثبت هويتنا”. يصمت المخلافي لثوانٍ، ثم يتابع كمن يستعيد قلق تلك اللحظة: “خشيت أن أُمنع من الدخول لأني لا أملك بطاقة ولا جواز سفر، فأنا لم أستطع استصدار أي منها لصغر سني. كان بحوزتي فقط رقم جلوس لدخول امتحان المرحلة الإعدادية، لكن المفوّج قبل به وأُعفيت لحسن الحظ من يومي سفر، هما المدة التي يستغرقها المجيء أو العودة إلى محافظة تعز، مكان إقامتي”.

يتألف معسكر التحالف أو الاستقبال من قطاعات عدة، كل منها يحشد مجندين للواء بعينه. هناك، وقبل أن يتم نقل المجندين إلى معسكراتهم، يمكث الواصلون لمدة قد تصل إلى شهرين كاملين، ينامون خلالها في خيم ويقضون حاجتهم في العراء. وباستثناء الماء والطعام فهم لا يحصلون على أي مستحقات مادية أو مالية، سواء طالت المدة أو قصرت.

يُخبر المخلافي: “بعد ثلاثة أسابيع عانينا فيها من الحر والبرد والرمل والوعود الزائفة، نادوا علينا لنجتمع. لم يزفوا لنا النبأ السار إلا بعدما انضممنا إلى الصفوف وأدينا بعض التمارين. كانت الساعة في حدود الرابعة عصراً على ما أذكر، وما إن انتهى الجميع من حزم الأمتعة، حتى وجدنا ثلاث شاحنات في انتظارنا. كانت سعادتي لا توصف وأنا على متن الشاحنة المكتظة، فأنا في طريقي إلى تأسيس حياتي”.

يُعطى المجندون وثائق سفر اضطرارية صادرة عن القنصلية اليمنية في جدة، يُسمح لهم بموجبها بالدخول عبر منفذ الوديعة، المنفذ البري الوحيد المفعّل بين اليمن والمملكة السعودية حالياً. وقد وجد مختصون أن إصدار مثل تلك الوثائق يُعد مخالفة قانونية جسيمة؛ إذ يفترض بالقنصليات منح هذا النوع من وثائق العبور فقط لمن فقدوا جواز سفرهم، فيسمح لهم بموجبها العودة إلى اليمن، وهذا أيضاً لمرة واحدة فحسب.

الحلم كابوساً

تكاد الحدود السعودية تكون موصدة في وجه عامة اليمنيين. وباستثناء عمليات التسلل غير الشرعي، فإن عبورها يتطلب استخراج تأشيرة سفر تقتضي بدورها إجراءات معقدة وشديدة الكلفة، إلا أن ذلك يغدو بسيطاً بالنسبة للراغبين في التجنيد.

“دخول السعودية للعمل حلم لطالما راودني، لكنه كان مقترناً بالثراء دائماً، أذكر أني حاولت تحقيق ذلك مراراً، لكن تكاليف التأشيرة الباهضة ظلت تعيق تحقيق هذا الحلم. غير أن التواصل مع المُفوّج كان كل ما احتجت إليه في الوقت الحالي”، يقول سعيد العوني (45 عاماً) الذي عمل لنحو عام ونصف كسائق شاحنة في “لواء الفتح”.

برغم أن العوني لم يعد في أوج شبابه، إلا أنه واحد ممن دفعتهم المعيشة الصعبة في اليمن إلى التجنيد في جبهة الشريط الحدودي. فهو كان يعيل أسرته المكونة من ست بنات من عمله سائقاً لدى مصنع بلاستيك في تعز، إلى أن سُرّح من عمله عندما قرر مالك المصنع تخفيض النفقات إثر النزاع المسلح.

قصة العوني تتشابك في بعض تفاصيلها مع حكاية م. التويتي، فالأخير أستاذ مدرسي من محافظة أب، لم يعد يقبض راتبه الشهري (قيمته 150 دولاراً أميركياً) بشكل منتظم منذ ما يزيد عن أربعة أعوام، حاله حال المعلمين والمعلمات في بقية المحافظات اليمنية. التويتي الذي آل به الحال إلى التجنيد وترك طلاب وطالبات بلدته الريفية من دون معلم رياضيات، أسف لاضطراره إلى تقديم التزامه الأسري على التزامه الأخلاقي المتعلق بمهنته. يقول: “لطالما اعتمدت على الراتب الحكومي كمصدر دخل وحيد، وبمجرد انقطاعه غدوت عديم الحيلة. أسرة من ثلاثة عشر فرداً لا شك تفرض نفقات شهرية كبيرة لجأتُ إلى تغطيتها عن طريق الاستدانة، إلا أن ذلك بالطبع لم يكن ليدوم إلى ما لانهاية”. يضيف أستاذ الرياضيات الذي صار مجنداً: “في ظل التدهور المعيشي، كنت أسمع عن ذهاب فتيان وشباب من القرية إلى ما خلف الحدود للتجنيد، كنت أحس بالألم والاستياء لأن بعضهم من طلابي ولم يكن بوسعي منعهم، إلا أني لم أكن أتوقع أني سألحق بهم في النهاية تحت ضغط الديون وانعدام فرص العمل”.

الحل السحري للمشكلات المالية ليس حلاً حقيقياً في نهاية الأمر، إذ لا يقبض المجندون رواتبهم بصورة منتظمة، أي نهاية كل شهر، وغالباً ما يتأخر موعد صرفها إلى أكثر من خمسة أشهر، ما يدفع بكثيرين إلى التواصل مع أهاليهم لتحويل المال لهم.

هذه الوثيقة/الشيك توضح تأخر رواتب مجندي أحد الألوية إلى ما يزيد عن ستة أشهر، ثم صرف جزء منها فقط برغم ذلك

ترقيات ضد القانون

يحيلنا الحديث عن تحديد المبلغ المستحق للمجند وفقاً للرتبة العسكرية إلى حقيقة أن آلية منح الرتب والترقيات تتم بصورة مخالفة للقوانين المنصوص عليها في الدستور اليمني. ثمة تبريرٌ واحد يُجمع عليه الكثير من المجندين في هذا السياق؛ فهم لا ينكرون أن جني المال دافع أساسي لوجودهم خلف الحدود اليمنية. إلا أن الكثير منهم يشدّد على موقفه المناهض أصلاً لـ”أنصار الله” (“الحوثيين”) الذين سيطروا على الحكم بالقوة. في المقابل، يعتقد المحمدي أن الدافع هذا “مجرد عزاء” يسلي المجندون ضميرهم به، قائلاً: “لا وجود للحكومة اليمنية الشرعية هناك، فالسعوديون هم من يتحكم بكل شيء. هم من يعطون أوامر بالهجوم والتراجع. لديهم صلاحية كاملة بتعيين القادة وعزلهم، بل حتى بمحاكمتهم. وإلى جانب تقديم المؤن والسلاح، فهم أصحاب القرار في صرف الرواتب ومنح الإجازات للأفراد أو حجبها عنهم”.

نلفت في هذا الإطار إلى أنه برغم احتواء البطاقات العسكرية الموزعة في أوساط المجندين على ترويسة وزارة الدفاع اليمنية، إلا أن حاملها واقعياً لا تربطه أي صلة بالوزارة، حتى إن بعض المختصين يجد في إصدار البطاقات تلك ضرباً من التزوير، خصوصاً لجهة حمل بعضها أرقاماً عسكرية وهمية.

مليشيات أم مرتزقة؟

لا توجد إحصائيات دقيقة حول ظاهرة تجنيد اليمنيين على الحدود السعودية. لكن منظمة “سام”، وهي مؤسسة يمنية غير ربحية مقرها جنيف، أوردت في تقرير لها صدر نهاية آب/ أغسطس الماضي بعنوان “محرقة الحدود“، أن عدد المجندين يقدّر بما يزيد عن 30 ألفًا، وأن عدد الجرحى بينهم قارب الـ10 آلاف منذ بداية الحرب، 300 منهم على الأقل خسروا أحد أطرافهم.

تزعم المنظمة أن الوضع القانوني لهؤلاء المجندين معقد وشائك، فـ”هم من جهة يقاتلون بدافع الإغراء المالي بالدرجة الأولى، وهو ما ينطبق على المرتزقة عادة. لكن انتماءهم إلى دولة طرف في النزاع الدائر يُخرجهم من هذا التوصيف وفقاً لتعريف الشخص المرتزق الوارد في البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف، أو الوارد في الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم”. بناء على ذلك، اعتبرت المنظمة هؤلاء الجندين “ضحايا ميليشيا يمنية تعمل لصالح المملكة العربية السعودية وبتمويل منها، وهي بالتالي مسؤولة عنهم أو عن أي انتهاكات يرتكبونها”.

في محاولة لفهم ظاهرة المجندين من وجهة نظر الأطراف المؤيدة لـ”التحالف”، تواصلنا مع العميد عبده مجلي الناطق باسم “الجيش الوطني” للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وطلبنا تعليقه على التوصيفات المتداولة حول هؤلاء المجندين. كما سألنا عما إذا كان مصيرهم معلوماً في المستقبل المنظور وعما إذا كانوا سيسجلون رسمياً في كشوف وزارة الدفاع اليمنية، غير أننا لم نتلقّ أي يرد.

بحسب شهادات من الميدان تم جمعها من شهود لا يفصحون عن أسمائهم، فإن معظم من يسقطون قتلى خلال المعارك تُوارى جثامينهم في مقابر مستحدثة في منطقتي نجران وجازان جنوبي السعودية، ويُعطى لأهاليهم 15 ألف ريال سعودي (حوالي أربعة آلاف دولار أميركي) كتعويض أو دية، أما مستحقاتهم الشهرية فتُصرف بعد مرور ستة أشهر، وتنطبق القاعدة نفسها على من يقعون في الأسر.

القتال الإجباري

“خلال الأيام العشرة الأولى من وصولنا إلى مقر لواء “صقور اليمن” في محافظة العيدابي السعودية، تلقينا بعض التمارين. أنا أخصائي فم وأسنان ولدي خبرة في التمريض والإسعافات الأولية، وبناء على طلبي قالوا إنهم سينقلوني إلى القطاع الطبي بعد انتهاء مدة الدورة التدريبية. لكن لحظة استهدافنا بهجوم، أُجبر الجميع على حمل السلاح والمشاركة في القتال بمن فيهم أنا”، هكذا يروي أديب محمد (26 عاماً) قصته، يضيف: “كان ذلك في نهاية شهر تموز/يوليو الماضي. كان علينا تنفيذ هجوم لدخول قرية يمنية حدودية. طمأننا السعوديون والقادة اليمنيون بأن أعيان القرية ووجهاءها في صفّنا، وأن ما علينا سوى المضي قدماً وتثبيت المواقع، لكن الرصاص بدأ ينهمر علينا من كل جانب حالما توغلنا بين المنازل الحجرية”.

بأعجوبة، تمكن محمد وعدد من زملائه من الانسحاب من موقع المعركة بعدما تخلصوا من أسلحتهم، فيما وقع العشرات أسرى لدى جماعة “أنصار الله”، وكان الإعلام الحربي التابع للجماعة قد نشر فيديو يظهر عدداً من الأسرى الذين تعرف إليهم محمد (أنقر هنا لمشاهدة الفيديو).

بعد هذه الواقعة، اندفع نحو 300 مجند إلى المطالبة بترحيلهم إلى اليمن، وافتعلوا احتجاجات داخل مدينة بلغازي السعودية، فسُجن بعضهم لدى جهاز الاستخبارات السعودي بتهمة التحريض والتخابر مع عدو.

حسام عيسى (21 عاماً)، ابن محافظة عدن، كان من بين المطالبين بالرحيل. يروي ما واجهه قائلاً: “رميت سلاحي للقائد وأخبرته أني أرغب بالعودة إلى اليمن، فأمر مرافقيه بأخذي وبتسليمي للاستخبارات السعودية. بقيت محتجزاً لديهم ليومين، وكانوا يحققون معي بتهمة التحريض وافتعال الفوضى المدفوعة الأجر”.

مقبرة لمقاتلين يمنيين داخل الأراضي السعودية

سجون صديقة

لا تقتصر هواجس المجندين على خطر التعرض إلى الموت أو الوقوع في الأسر، ولا المعاناة جراء التعرض لإصابة جسيمة، بل ينتابهم ذعر دائم من أن يتم تسليمهم إلى جهاز الاستخبارات السعودي بتهم مختلفة، حيث قد ينتهي بهم الأمر في سجون الاستخبارات لفترة تمتد شهوراً، لا يُسمح خلالها لأحد بزيارتهم، ويمنعون أثناءها من التواصل مع أي كان.

يقول المحمدي: ” قادة ألوية الحد الجنوبي يدركون جيداً أن بقاءهم في مناصبهم أو عزلهم مسألة تُحدّد برضى الجانب السعودي. لهذا يبذلون كل جهد لكسب ذلك الرضى، إما عن طريق تحقيق مكاسب عسكرية على الأرض وإلحاق الخسائر بالعدو (أي بـ”الحوثيين”)، أو عبر كشف خلايا مندسة بين المجندين أنفسهم. هناك الكثير من المجندين اليمنيين في سجون الشرطة العسكرية السعودية في مناطق جازان ونجران”.

“سجون خارجية” هو ملف صادر عن القوة البشرية للواء “صقور اليمن”، حصل عليه معدّ هذا التحقيق. يتضمن الملف كشفاً برواتب مجندي اللواء القابعين في سجن الشرطة العسكرية بقوات جازان السعودية، الذين يزيد عددهم عن 45 مجنداً بعدما أُخلي سبيل عشرات آخرين. العدد الحالي للسجناء كبير إذا ما أشرنا إلى أن القوة البشرية للواء نفسه تقل بكثير عن ألف مجند.

لم ينفِ ضابط استخبارات في اللواء المذكور صحة ما ورد في الملف، لكنه أكد لنا أن المجندين السجناء مدانون بقضايا من قبل التحريض، “التحوّث” (أي الانضمام إلى “الحوثيين”)، التواصل مع العدو، بيع أسلحة وذخائر، تعاطي الممنوعات، وغيرها، غير أنه لم يقدم ما يثبت معلوماته هذه. غياب الإثبات يُضاف إلى غياب المسوغ الذي يعطي الحق للجانب العسكري السعودي بسجن المجندين ومحاكمتهم نيابة عن الجهة اليمنية المخولة دستورياً بذلك.

مصيدة فئران

بعد دخول المجند إلى الأراضي السعودية، تصير العودة إلى بلاده في الغالب أُمنية صعبة التحقق. وما لم تحدث مطالبات جماعية بالترحيل، سيتعين عليه الانتظار مدة تزيد في العادة عن خمسة أشهر.

“بحسب لائحة الألوية، يستحق الفرد إجازة بعد مضي أربعة أشهر من تاريخ التحاقه بالجيش كحد أدنى. وهو أمر قلّما يتحقق بطبيعة الحال”، يقول المحمدي موضحاً. “خلال فترات متباعدة، تمنح الجهات السعودية المختصة لقيادة الألوية عدداً محصوراً من الإجازات. يقدّم كثير من المجندين طلباً إلى القيادة، لكن الأخيرة تمنح الإجازة في النهاية وفقًا لقواعد المحاباة والمحسوبية، أو لمن يدفع رشوة أكبر”. أما “الإجازات الاضطرارية” التي تُعطى في الحالات القهرية، فهي حكر على أشخاص بعينهم دوناً عن عامة المجندين. ويعلق المحمدي قائلاً: “يحلو لي تشبيه التجنيد بالانزلاق نحو مصيدة فئران شديدة الإحكام. أعرف أشخاصاً أصيب أفراد عائلاتهم بالمرض أو توفّوا لكنهم مُنعوا برغم ذلك من الحصول على إجازة للسفر”.

في العادة، فإن المجندين الذين تجبرهم ظروفهم على العودة إلى بلادهم، يلجأون إلى الفرار أو التسلل عبر الحدود الصحراوية بطريقة غير شرعية. وسواء قصدوا هذا المسلك بمفردهم أم بالتعاون مع مهربين، فإنهم يغامرون بتعريض أنفسهم لخطر كبير.

 
×