حين نسأل عما يعبّر عنّا على نحو خلاق، تقفز أمامنا عبارة «الفن المعاصر». ويفتح صداها بابًا من أسئلة لا تنتهي، أولها وأبسطها السؤال عما تعني صفة المعاصرة بخلاف «راهنية» المنتج الإبداعي وانتمائه إلى عالم اليوم. وحين نقفز على جدل كهذا، ونذهب مباشرة لتأمل الفنون البصرية وإبداعاتها المحيطة بنا، نجد خليطًا مربكًا، تختلط فيه أنماط وأساليب وأجناس متباينة، تنتمي إلى أزمنة عديدة، وقد جرى دمجها وتهجينها لتنتج هذا الذي ننعته باسم “الفن المعاصر”.

قد نتعجل ونحسب ذلك حالةً تعبر عن سيولة المعنى الجمالي الذي يعكس إفلات المعنى من بين أيدينا في واقع تتقاذفه التحولات السريعة. وإزاء حيرتنا نسلم، أو نستسلم، لقول مريح، يجعل من السيولة مبدأً بذاته، وملمحًا ملازمًا لمعنى المعاصرة. ومن العجلة كذلك أن نركن في تفسير الأمر إلى مقولة جرى ابتذالها في العقدين الماضيين، مقولة “الهوية المأزومة” التي تلقي بنا إلى تصور محافظ، يتعاظم في ثقافتنا، ويميل إلى فرض أطر جامدة على الحياة، ويقيد المعنى الجمالي فيها ضمن بضع تصورات محدودة ومبتسرة؛ بعضها نتف من تراث، يجري استدعاؤه – دونما حافز إبداعي حقيقي– لغاية تعزيز أيديولوجيات بعينها؛ سواء قومية أم دينية أم عرقية، أو حتى كملمح زخرفي يذكرنا بالحفلات التنكرية، أو تماشياً مع نزعة مظهرية استهلاكية، كل مرادها أن تقولب الأنماط الفنية، وأن تختلق تفضيلات، يمكن عبرها ترويج سلعة من هذا الباب الهوياتي. لكن كل هذا لا يقول لنا من نحن، وما هذا العصر، ولماذا نعبر عنه هكذا! ربما قليل من بين فنانينا هم من اشتبكوا على نحو واع مع قضية المعاصرة وتجلياتها في الفن، وآلوا على أنفسهم أن يكسروا حصار المعنى الجمالي، عبر مشروع إبداعي يشتبك مباشرة مع جدالات المعاصرة.

أحمد اللباد فنان تشكلت خبرته من اجتماع عملٍ دؤوب، وثقافة بصرية رحبة، وتوظيف واعٍ لدراسته الأكاديمية

في ظني، تندرج أعمال الفنان أحمد اللباد ضمن هذه المساحة المنشغلة بسؤال بات عابرًا للثقافات. من تخصصه في فن الغلاف، وعمله عبر عقود ثلاثة في تصميم المطبوعات، وضعنا إزاء جدل مركزي ضمن سؤال المعاصرة، يحتدم في الساحة التشكيلية العربية: وهو جدل الإبداع المرقمن في مواجهة الإبداع اليدوي. والمتأمل لمشروع اللباد يلمس مباشرة أنه لم يخش وحش التكنولوجيا، وسعى دون وجل إلى ترويض جموحه، ليصيغ به أطروحة تبرز قيمة الصنعة الحذقة وتلك اللمسة اليدوية الحميمية. وكأنما يرمي أمامنا بإجابة ثالثة تجاوز استقطاب هذا الجدل وتهمس فينا: إهدأوا أيها السادة، فثمة طريق لأن نوحد النقيضين.

أحمد اللباد فنان تشكلت خبرته من اجتماع عملٍ دؤوب، وثقافة بصرية رحبة، وتوظيف واعٍ لدراسته الأكاديمية، ولتكوينه كحفار مختص بالجرافيك، متخرج في كلية الفنون الجميلة. وقد شكل ترحاله الفني في عالم الفنون الطليعية ومتاحفها وكتبها نوعاً خاصاً من الحساسية الفنية. وأكملت معرفته بدقائق المدارس الطليعية على تنوعها، سواء في منشئتها الغربي أو في الاستجابات العربية لها، معرفة حدسية هي بنت التجوال وسرها في الشغف بعناصر الحياة اليومية التي تشغى بها مدينته الصاخبة التي تتراكم فيها طبقات المعنى والزمن، مدينة القاهرة. اختمر كل هذا في معمل تجريبه، الذي نهل كذلك من الإرث الفني الحافل الذي خلفه أساتذة عظماء سعوا من قبله للإجابة عن مسألة المعاصرة؛ سواء من درس على أيديهم أو من عمل مباشرة معهم، أو من عاصر إنتاجهم، ومنهم والده الفنان الكبير محيي الدين اللباد.

سيدرك العارف بمشروع اللباد الأب، ومقدار غناه التشكيلي، وما فيه من تنوع المضامين والرؤى، كيف أن الإبن، كغيره من العاملين في ميدان التصميم الصحفي، قد تأثر بهذا الأستاذ. لكن ربما يتوجب التحوط ههنا! فمقاربة مشروع أحمد من باب أنه وريث لأبيه تبدو في نظري غير مجدية. فهذا رأي يظلم الاثنين معاً، بل ويعمي عن حقيقة الافتراق بين رحلتيهما في عالم التشكيل الجرافيكي. ومن الخطأ أن نختزل ما قدمه الابن في مجرد فاصل مكمل لأطروحة بصرية جريئة وهائلة قدمها الأب. فالابن اختط بوضوح مساره الخاص المميز، مستوعباً الدرس الكبير للأب: أهمية الحفاظ على جذوة الروح التجريبية، والتفاعل الحميم ضمن عالم الفنان مع ما تراكمه خبراته ورؤاه، وما تفتحه أمامه عادة نقد الذات وعدم الركون إلى وهم الرضا، والاغترار بالذات وبمديح المحيطين.

تبرز من الوجهة الأسلوبية هذه البصمة الخاصة لأحمد اللباد، إذ أنتجت محاولاته التجريبية نسيجًا مدهشًا جمع الروافد التي اغترف منها؛ وتتجلى من أول رسومه المبكرة بالحبر الشيني، ذات المنحى التعبيري التجريدي، وأعمال الحفر في الاتجاه ذاته، إلى تصميماته التي قدمها مؤخراً لمجموعة الكتب الصادرة عن ثورة 1919، والتي مثلت كل تفصيلة فيها نتاجًا لتطوير سابق، وتجريباً وتكييفاً وتطويعاً، لتناسب تصور كلي للجميل، يمد آصرته من عمل إلى آخر.

كان عمله في “الأهرام”، وتوليه تصميم العديد من السلاسل والمطبوعات لوزارة الثقافة يعني مواجهة مباشرة لحراس المعبد

لعل الملمح الذي يلفت النظر بشده في تجربة أحمد اللباد يكمن في تحديه للمعنى الجمالي الأكاديمي، ولتصورات الجميل التي حاصرتها في محيطنا العربي الرؤى المقومنة والرؤى المقدسة. يبقى الشكل عنده محلاً لإعادة التشكيل وللتجريب الدائمين، فتجده بعد أن يختطف هذا الشكل من عالم الواقع، ويعيد تخليقه بخطوط وبقع لونية، ينزع عنه ملامح التجسيد والمماثلة التقليدية، ليهرب به نحو عالم محتدم، فيما وراء المرئيات المباشرة. كذلك ميله إلى الصدام البصري، واستفزازه الدائم للحس المباشر للمتلقي، والذي بات لعبته الأثيرة، إنما يستهدف إغواء المتلقي ليرتحل معه من عالم المماثلة صوب عالم آخر. عالم ينشغل بالرمز والمعنى. لا يكتفي أحمد اللباد بالاستكشاف الجمالي فحسب، بل يطلب لمغامرته الجرأة وألا تخشى المخاطرة؛ وكأنه يؤمن بأن قدر كل فنان يرتسم عبر رحلة استكشاف، يخوضها لتوسيع حدود المعنى الجمالي، ونقل مخيلته وروحه إلى رحابة أكثر اتساعًا مما تفرضه تلك المعايير والأنماط المكرسة.

ربما يستغرب المتابع لأعمال اللباد ويسأل: كيف تمكّن من الفكاك من ربقة المؤسسة، ومن أسر تصوراتها المقولبة، وخيالها الذي استحال لمساحة بيروقراطية تؤثر التكرار والجمود؟ ونسأل معه: كيف لفنان قدم عددًا معتبرًا من الأعمال لأكبر مؤسستين تحتكران الإنتاج المطبوع، وهما وزارة الثقافة ومؤسسة “الأهرام”، أن يقف بوجه تفضيلاتهما الجمالية، ليكون بذاته قوة تغيير، تدعو عبر العمل الدؤوب إلى تحرر من القوالب الشكلانية للمطبوعات والمنشورات، والنهوض بوجه الكسل والاستسهال والابتذال للمعنى الجمالي فيها؟

كان عمله في “الأهرام”، وتوليه تصميم العديد من السلاسل والمطبوعات لوزارة الثقافة يعني مواجهة مباشرة لحراس المعبد. المؤسستان لا تحظيان بمجرد وضعية احتكارية، كونهما الأكثر انتاجًا للأعمال الإبداعية والدوريات والمجلات الثقافية المتخصصة، بل هما واجهة لدولة الثقافة. المغامرة في هذا العالم مكلفة جدًا، وتجديف ضد تيار جارف، يدفع به الاستبداد، وقواعد عصر جعل من تدجين الفنانين معطى ثابتًا واستراتيجية للتعامل. الحظيرة، حسب التسمية التي أطلقها وزير سابق للثقافة، ظلت تبتكر أدواتها لتليين مواقف المبدعين، وإلزامهم بخطاب يحيل الإبداع المرئي والمكتوب من بحث في المعنى إلى إطلاق لسحب الدخان لتغيم حقيقة البؤس، وتضع رتوشها الملونة وزخارفها لتجمل وجهه. هنالك وظف اللباد عناده ليمرر أطروحة أخرى، وليحقق استقلالاً لمنتجاته بعيدًا عن هذا التيار. أطروحة توجهها غاية محاربة ذلك الصنف من الابتذال البيروقراطي الذي فضلته أجهزة الثقافة الرسمية.

لا يقتصر الأمر على ميل اللباد الدائم إلى الاستغناء عن التفخيم والزخرفة وعناصر الإيحاء بالهيبة، بل يتعداه إلى عبوره للتصورات المسطحة تلك، والإلحاح على أن الجمال كامن في جوهر المعنى الذي يرسله العمل البصري للمتلقين. التقشف سواء في الألوان وعددها، أو في الميل إلى حديتها هو بعض من هذه الرغبة في استخلاص جوهر المعنى الكامن في التصميم. والبحث عن المفردة البصرية المعبرة هو ما يجعله يصر على قراءة النص قبل أن يمنحه عنوانه المرئي. وليس من الغريب أن يكون المصمم قارئًا نهمًا، يمتلك حساسية أدبية فائقة، لينفذ بها إلى قلب العمل، ويغوص بها ليلتقط من النص ما يحيله إلى مفردات وجمل بصرية معبرة. هذا ما يجب أن يكون عليه الأمر.

لكن جدية التفكير لا تمنع انسياب روحه الساخرة وقدرته الهائلة على التهكم. نجد هذا واضحًا في عديد تصميمات اللباد، التي رفضت الروح النيولبرالية التي سكنت أعلى طوابق النخبة، وميلها الحاد إلى تسليع المنتج الثقافي، وطحن كل قيمة تميزه في آلتها التنميطية. واجه من يظنون أن التفكير في التصميم مسبة، وأن التصميم الجيد هو مجرد تلفيق متعجل، ينضح بأمارات «الفهلوة» و«الكروتة»، والاحتفاء الساذج بأي شيء ذي بريق. يؤمن أحمد اللباد بأن قيمة ما ننعته بالجميل كامنة في عمقه الذي يبعد كثيرًا عن ذلك السطح الأملس المفروض. من هنا أيضًا نفهم حساسيته الشديدة لرمزية الزمن، وكيف تنسج من ماضينا ما يتلاقى وحاضرنا ومستقبلنا بغير تلفيقية فجة. ذلك الفنان الذي لا يقدر إلا على إماطة اللثام عن قيمة جمالية موجودة في الماضي هو فنان يعيش في مأزق. نعم، هناك قيمة جمالية في مثل هذا الاكتشاف، كما أن الكشف عما في عمق الماضي من ملامح جمالية يحمل بذاته دهشة. لكن لا هذه ولا تلك تعادل قيمة خلق جديد من صنعة المبدع يطوي الزمن ويمسك بملامحه. ههنا اكتشاف من الذات وللذات.

ملمح آخر في مشروع اللباد يمكن أن نتتبعه من لدن البداهة. والبداهة لا تعيب تصميمًا، بقدر ما أن كثرة التفاصيل وملامح التعقد لا تمنحانه ميزة. لا تطرح أعمال اللباد أمامنا هذه القناعة التشكيلية فحسب، بل يذهب مشروعه إلى مسافة أبعد، تروم تحطيم الجدارين؛ جدار البداهة وجدار التعقد.

حين نطالع عديد تصميمات الإخراج الصحفي، وأغلفة الكتب، والبوسترات، واللوجوهات، وكل تلك الأنواع التي منحها اللباد عبر ثنائية البداهة والتعقد، عنواناً بصريًا لافتًا، سندرك أنها مغامرة حافلة وليست يسيرة بحال. في أغلفة الأعمال الأدبية على وجه الخصوص يكثف اللباد لعبه على ثنائية البداهة-التعقد. خذ مثلاً غلاف ديوان اتزان للشاعرة شيماء سمير، الصادر عن هيئة الكتاب؛ ثمة خطوط تشكلها فرشاة خشنة، تستدعي أسلوب دي كوننج الحاد، لترسم حمامة تقبع مسترخية فوق رأس شخص محايد الملامح. يقطع شريط العنوان كتلة هذه الحمامة، ومن فوقه يبرز جزء من ساعة جيب قديمة تصل بنا لحافة الغلاف العلوية. تتقاطع في هذا التصميم الخطوط التي يستخدمها المصممون لحفظ توازن عناصره وتناسقها. في العادة هذه الخطوط تصورية، أي لا تظهر عند الطباعة، لكن لماحية مدهشة قررت بعفوية جعل هذه الخطوط مفردة تصميمية ظاهرة.

من نفس الروح نجد تصميم غلاف رواية العباية السودا لخالد إسماعيل؛ ففوق أرضية تشكلت بفعل ضربات فرشاة عجلى، خلفت رتوشاً حمراء وسوداء من الحبر الشيني، يستقر مشط كبريت، تظهر عليه عبارة «صنع في مصر». هذا التوظيف السريع للأشياء المألوفة يذكرنا بمارسل دوشان، وبالاتجاهات التي جعلت من اليومي المألوف مادة للفن.

في تصميمه لغلاف رواية سيجارة سابعة لدنيا كمال، نرى كيف أمكن له توظيف الصور التي التقطها بنفسه والتي نرى فيها جنوداً، ولوحة جرافيتي معروفة، ومجمع التحرير، بعدما أحالها إلى أشكال وحيدة اللون، تتناثر نصف شفافة على الخلفية البيضاء، وتعبر في توزعها بين الغلافين الأمامي والخلفي. فوق هذا المستوى الأول، يخلق مستوى ثان من الرسم بالحبر، بذات الخطوط السريعة التي يفضلها. يحتل قلب التصميم رسم لفتاة ترفع علمًا. وتتكامل تكوينيًا مع هذا الرسم صيغة العنوان، المنفذة بنفس اللون الأسود، وباستخدام حروف جرى ضغطها، لتبدو أقرب لحروف مطابع أنهكتها كثرة الاستخدام، ما جعل حوافها مضطربة منحورة. ولا ينسى اللباد دفقة السخرية، فيترك في الغلاف الخلفي تكويناً هو عبارة عن ختم النسر يقابله شق من قرن فلفل، يكاد يكون انعكاسا لهذا الختم.

تذكرنا سخرية المفارقة ما قدمه في مجموعة ثورة كاملة التي انتشرت كـ «ميمات» على شبكات التواصل الاجتماعي. أدرك اللباد ذلك الإيقاع المتعجل لشبكات التواصل الاجتماعي، وما حملته ثقافة الرسائل القصيرة على البنية التكوينية للتصميم. فعمل على ترجمة المفارقة في عناصر مألوفة، تنتصب على خلفية وحيدة اللون، ومختومة جميعًا بعبارة “ثورة كاملة”. ربما أكثرها شهرة تلك اللوحة التي تظهر بها زجاجة من مطهر «ديتول» الشهير، تحتل خلفية زرقاء، وفوقها عبارة «تطهير» بلون أبيض. هذا اللون من المفارقة يجيد اللباد توظيفه ودمجه في التصميم. ربما تجدر الإشارة ههنا إلى هوسه بتسجيل الحياة اليومية، ليس بكاميرته فحسب، ولكن بقلمه الرشيق الذي يقف متأملاً التفاصيل الجوهرية والمفارقات التي تخلق لب المعنى. وقد تراكم لديه أرشيف لحياة القاهرة، منحه معينًا لا ينضب لالتقاط مفرداته التصميمية المدهشة.

ثمة تصالح مستدرك عقده اللباد مع التكنولوجيا في مجموعة التصميمات الخاصة بأعداد مجلة عالم الكتاب، وفي سلسلة الكتب عن تاريخ ثورة 1919. لعله ليس تصالحًا من جانبه، ولا كفّاً عن محاولة ترويضها، بل لنقل إن التكنولوجيا هي التي كفت عن معاندته، وانصاعت راضية لإرادته. خذ مثلا غلاف كتاب كريم ثابت سعد في حياته الخاصة الذي تحتله صورة سعد زغلول وبيده مظلة تفرد ظلها من فوقه، ويجلس متربعاً فوق سيارته ينظر لجماهير لا تراها، لكنك تدركها من تلك الضحكة الودودة الواثقة التي تحتل وجهه. هذه الروح المنشرحة بثورة أسست لنهضة تحررية واستطاعت أن تخط طريقها رغم وطأة الاستعمار، دفعت اللباد إلى إعادة تلوين الصورة. والصدمة اللونية ليست فحسب في أن يقرر اللباد أن يرتدي ثائرنا العجوز قميصاً أصفر، بل أيضاً في أن نرى هذا الإيقاع اللوني الممتد بين الغلافين الأمامي والخلفي كأنه محاولة لإعادة إحياء القديم، قديم الثورة، بتلوينه بألوان زاهية جديدة. ههنا استدعاء ذكي لأسلوب الطباعة لآندي وارول، القائم على إعادة تلوين الصور الفوتوغرافية بألوان صادمة فرحة. يعرف المصممون أن تنفيذ مثل هذه الإضافات التي تبدو بسيطة يحتاج جهداً، وتوظيفاً لعديدٍ من شرائح التصميم، ودمجاً لتكنيكات وأدوات ضمن التطبيق الحاسوبي، على نحو غير معتاد.

هذه التصميمات تُفهمنا كيف أن التكنولوجيا ليست مجرد أداة يوظفها أحمد اللباد لـ”نزع السحر عن العالم”، كما تقول العبارة الشهيرة، بل هي أداة يوظفها للنقيض؛ أي لإعادة السحر إلى عالم صار يتسم بالرتابة، وتسوده الروح الميكانيكية. صحيح أن التصميم فن وصنعة أساسها التكنولوجيا، تطور بتطورها، لكن التحدي الذي يخوضه اللباد ليس أمام استخدامها، بل أمام ملمح السلطوية الذي باتت تفرضه الآلة، والكامن في قوالبها الجاهزة التي بات بعض المصممين يتعامل معها كمعطى أول ومسلمة يبدأ من عندها تفكيره. يدرك اللباد أن الانصياع للآلة باسم السهولة ليس إلا استسهالاً. ولا يجب أن تكون قدرات هذه التطبيقات مدخلاً لاختزال وامتهان المعنى، وباباً لحصار التنوع. لذلك يكره مشروع اللباد العقلنة المفتعلة ومحاولة إكساب التصميم معنى مختلقاً من هذا النوع. ندرك أن عقلنة الفعل الجمالي مسألة صعبة، وقد يصح القول بأنها نقيض للإبداع، لكن اللباد يبين لنا -عبر مشروعه- أن حضور التفكير في تصميم الغلاف واللوجو وفي الإخراج الصحفي، هو استحضار للانسجام وبناء المنطق الداخلي للعمل، المتوافق مع ما فيه من محتوى نصي، وتخليق المعنى الجمالي من خلاله، على نحو يثير الدهشة ويمنح الإيحاء المطلوب. وفي هذا ليس للتكنولوجيا رأي. والأمر أبعد من مجرد ضمان الفاعلية الوظيفية للتصميم؛ فهو لا يستبعد العناصر الوافدة من الحدس والعفوية والمصادفة خلال وضع التصميم. من السهل أن ترى في أعمال اللباد تقاطعًا، يجمع مساحة عقلانية واضحة جلية المنطق بمساحة أخرى تشي برحابة خيال وثاب. عديد الأعمال تقول لمتلقيها أن اللباد لا يأنف ترك بصمة انطباعية أو فطرية فوق كل هذا الإحكام الموزون.

في مسار آخر، يقدم لنا اللباد رؤية متمردة لفن البوستر. رؤية تتحدى معايير التماثل والتناسب والسيمترية، وتوهمات التوازن الهندسي. لا يعي اللباد فحسب أن المعايير لا تخلق العمل الفني بحال، بل يدرك كذلك أن عظماء الفنانين أناس ذهبوا لتحدي تلك المعايير الموصوفة بالرصانة، وعلوا فوقها، وأعادوا تعريف المعايير لتستوعب خيالاً جديدًا ورؤى مغايرة. ليس المعنى ههنا أن الفن عنده يخلو من المعيارية، إنما الأمر في تحدي جمود المعيار الجمالي وتحوله لحالة سلطوية تقتل تنوع القيمة البصرية.
في بوستر «سمبوزيوم الجرافيك الأول بين مصر وإيطاليا» الذي شارك فيه بالأكاديمية المصرية للفنون بروما، يصدمنا تكوين مدهش، تحتل فيه كتلة رأس آخناتون خلفية سوداء منقطة على طريقة أوراق التصميم، ويشف من حنايا الأجزاء المضيئة من الوجه لوحة من لافتات الشوارع القديمة المنفذة بالمينا. تلك إشارة تحيي فن الخط العربي الذي ميز هذه اللافتات، وربما دمعة وداع لها بعدما صارت أنتيكة من الماضي، بعدما اقتلعتها يد البلدية لتحل محلها لافتات مبتذلة الخطوط والتنفيذ. وفي توازن مع كتلة العنوان المكتوبة بالإيطالية بلون أبيض نقيض للخلفية، نلمح اقتباسا أيقونيًا من فن الوشم الشعبي. وهذه الأيقونات تجدها بالأسلوب نفسه، في بوستر نفذه لـ«جائزة أحمد فؤاد نجم لشعر العامية المصرية» لعام 2014.

هكذا، بجمع مفردات بسيطة، في تكوينات فائق الرمزية، ومفعمة باللماحية والذكاء، يفهمنا اللباد أن التصميم ليس بحال تورطًا في الاختزالية كما قد يتراءى لبعضهم، ولا هو تجريد بلا روح، وإنما هو وقوف على المعنى الكامن في قلب ما نراه في حياتنا اليومية، وفي حنايا ما نعيه وما نعرفه. وأولئك المستغرقون في صنع هالات الغموض هم فنانون مزيفون؛ فشتان الفارق بين تقديم عمل مدهش غير مسبوق وبين طرح شيء خال من المعنى. من لدن هذه الحساسية المفعمة بالمعنى التي نلمسها في أعمال اللباد، ندرك أن التصميم غير المفهوم، المفتقر إلى منطق جمالي، هو مجرد استثمار في التفاهة. الفن بما هو بحث في المعنى، يتنافر وتلك الأحجيات المتخمة بمفردات لا تصنع جملة مفيدة! يهمس بنا مشروع اللباد بصوت واثق: إن التصميم الجيد لا يعي وحسب ماهية المعنى الذي يعبر عنه، بل ويشتبك جماليًا معه.

 
×