أمس، طوت ناديا لطفي عمرها ومضت. وفي رحيلها الساكن كانت تقفل سيرة لامرأة استثنائية في الخارطة الفنية والاجتماعية العربية.

نادية لطفي هي الصورة المكتملة لفتاة، امرأة، من الستينيات: جميلة جداً، وحرّة، وموهوبة، وطموحة، ومغامرة، ومستقلّة، وابنة وفيّة لثورة التغيير، مصرية الانتماء، عربية الهوى، بوصلتها قضية فلسطين.

في مقابلة تلفزيونية أُجريت معها عام 1964، قالت ناديا لطفي إن المرأة في عصرها مختلفة عمّا كانت عليها المواطنة عام 1944. هي سيدة ترافق بناء السد العالي، وتنتمي لجموع نساء الطبقات الوسطى والفقيرة التي تقدمت مكانتها مع ثورة 23 يوليو 1952. كانت لطفي تحمل في كلامها الكثير من بروز شخصية كسرت كل المعايير التقليدية، امرأة خارج أي قفص اجتماعي، وحين سألها محاورها عن أدوارها، عن حساسيتها، وعن ابنها وردّة فعله حين يشاهدها، قالت إنه يـتألم لمشاهد الملاحقة البوليسية، وكانت في إجابتها هذه ترمي جانبًا أي غمز حول أداء المشاهد الحميمة. في قاموسها لا مكان لانطوائية ما، هي ممثلة لا تهرب من دورٍ يجذبها.

فنانة من الصف الأول، بل نجمة، من أجمل الوجوه التي عرفتها الشاشة الفضية العربية. وفي رثاء كثيرين لها كُتب عنها أنها جميلة الجميلات. وهنا أيضاً مكمن من مكامن تميزها، فهذه الجميلة هي مناضلة. ناديا لطفي التي ظلت تزين جدران منزلها بصور تجمعها بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، روت مراراً أن وعيها تفتح على وقع النكبة. بولا محمد شفيق (اسمها الأصلي) كانت طفلة تحمّست للفلسطينيين بشكل فطري، شعرت بالرابط العميق معهم، وراحت تقدم القليل الذي تملكه كتبرعات. هي بذلك عروبيّة من دون تبريرات، عروبيّة بشكل عفوي وصادق. الطفلة الصغيرة التي كبرت وصارت نجمة صف أول لاحقت هواها السياسي. عام 1982، خرقت مع آخرين الحصار، والتحقت بشبان المقاومة الفلسطينية في بيروت، ثم رافقتهم حتى خروجهم من العاصمة اللبنانية، بعينين دامعتين ويدٍ ترفع للنصر شارة.

كانت في كل رحلة لها خارج مصر، تحمل أشياءً ثلاثة: القليل من الملح وكتاب في التاريخ وآخر في الجغرافيا.

لم تكن ناديا لطفي وحيدة، بين فنانات مصر، في انحيازها لقضية فلسطين بالطبع، لكنها تميزت عن الفنانات المسيّسات بأمرين: هي انحازت لخيار فطري أكثر منه لمسيرةٍ “مؤدلجة” بفضل الأحزاب السياسية، وهي صاحبة الجمال الصارخ وأدوار البطولة السينمائية الأولى، وبذلك تكاد تكون وحيدة في تصنيفها. بين نجمات الفن السابع، هي من الأوسع اطلاعاً وثقافة، كانت في كل رحلة لها خارج مصر، تحمل أشياءً ثلاثة: القليل من الملح وكتاب في التاريخ وآخر في الجغرافيا. ابنة “الأكواتوري” التي لم تكمل دراستها الجامعية، استعاضت عن هذا “النقص” بالتهام الكتب، وتنويع الأدوار في مروحة دارت من الطالبة الجامعية البريئة في “الخطايا” إلى الراقصة اللعوب في فيلم “أبي فوق الشجرة”، وما بينهما وبعدهما لائحة تطول من أفلام شكّلت علامات في السينما المصرية. فصاحبة “النظارة السوداء” خاضت البطولة في تحفة شادي عبد السلام “المومياء” الفيلم المركب، الغني والمختلف عن السائد في لغته السينمائية، ولما بدأت موجة الأفلام التجارية، ثم الشبابية الخفيفة تطغى على الصناعة السينمائية، انسحبت نادية لطفي بصمتٍ وبترفع، كأنها تمهد لرحيلها الذي حلّ أمس.

موت نادية لطفي هو موت للصورة الأمثل للمرأة العربية، تلك المرأة التي تحمل في ملامحها جمالاً متوحشاً ورقة كبيرة، امرأة القرارات الصعبة غالباً، والانتماء العربي المتجذر رغم تغيّر أهواء السياسات والحكام.

 
×