نايلة تمرز
(أستاذة في الأدب وتاريخ الفن في جامعة القديس يوسف في بيروت)

ترجمة: يامن صابور

 

التقيت أيمن بعلبكي أول مرة قبل عام على حرب لبنان 2006 التي كانت وراء سلسلة تموز الشهيرة. كان لقاؤنا سريعاً جداً، خلال افتتاح معرض. وكانت التجارب الفنية لفترة ما بعد التسعينيات قد تحولت بقوة صوب الممارسات المعاصرة للفن المفاهيمي. اعتاد أيمن أن يتكلم على الرسم، على ماديته و”عجينته”. وأدركت أن تلميذ مروان قصاب باشي هذا قد اتّخذ الرسم وسيلة للتعبير، وظلّ فنان عصره في الوقت ذاته. وهذا واحد من أسباب كونه مثيراً للاهتمام. التقينا بعدها مرات عديدة وسنحت لي الفرصة لكتابة مقال “مدينة أيمن بعلبكي الأسطورية” (Ayman Baalbaki’s Mythological City (1 حول الأطلال في سلسلة تموز (2) وكنا في عام 2009 يومها.

سوف أتناول في ما يلي بعض الأفكار التي طرحتها في ذلك المقال. وسوف أضيف أيضاً ما يسمح به الوقت كي أعيد النظر، وكي أرى أفضل، وربما كي أفهم أفضل.

*   *   *   *

يثير موضوع الأطلال، في المخيلة الغربية، مشهد مدينة طروادة وقد دمرتها نيرانٌ هائلة (3). وهو موضوع حاضر في الشعر العربي أيضاً (4) منذ الجاهلية. ويثير تمثيل الأطلال شعوراً بأزمةٍ وتأملاً في مصائر البشر وفي التاريخ في آن معاً. هكذا، يستوطن الشعور بالأطلال العقليةَ الرثائية منذ اليوم الذي وجدت فيه الأطلال؛ أي منذ أن بدأت الحضارات بتأمل نفسها، واستسلمت للمسار التدميري للزمن أو للإنسانية، أي منذ الأبد. وليست الأطلال المعاصرة بالاستثناء. على الرغم من أنها تحافظ على هذه الطاقة الرثائية، إلا أن مكانتها ترتبط بتأمل العالم اليوم. وهي تقدم مشهدية تحصل في سياق أزمة كبرى في التاريخ المعاصر حيث يهتزّ كل يقين. عند تقاطع هذه المخيّلات تقع مدينة بعلبكي الضائعة ضمن تمثيل تنضمّ فيه القصة الشخصية إلى القصة الجمعية وتستقي من مرجعياتٍ أسطوريةٍ وتصويريةٍ.

١ـ تمثيل المدينة

هنالك فضاءان يشكلان أعمال أيمن بعلبكي: العالم الريفي الذي تمثله نواحي الحياة المنزلية (الخروف والديك والفراش) أو أقمشة الكريتون المطبوعة المستوردة من أفريقيا التي تستخدمها نساء جنوب لبنان، والعالم المديني الذي يتبدّى استعارياً وكنائياً عبر أبنيته. يرتبط هذان العالمان من خلال مواضيع الهجرة والنزوح (5) ويتم استثمارهما بنجاح في خلق فضاء تناقضي حيث ترتسم طبعات الكريتون على سماء المدينة (6)، وكفضاءٍ تصويري أيضاً حيث يتمازج العالمان واحدهما مع الآخر.

Wake up; 2012

وبالإضافة إلى الفضائين السابقين، هنالك فضاءٌ ثالث يُخلق، هو فضاء التهويم. فعبر اختطافٍ مفارقٍ وساخر لشعار رينيه ماغريت، من أجل قول “هذه بيروت”، تُقَدَّم الأخيرة على أنها الصورة السلبية لسويسرا، فتكثّف عبارة “Ceci n’est pas la Suisse” (هذه ليست سويسرا) (7)، صوراً لـ”هنا” وصوراً، تهويمية، لـ”غير مكان” يزحف إلى اللوحة من خلال التصريح الكتابي. وبهذا، ومع الإشارة المتواصلة إلى مثل أعلى للنظام تنفيه بقسوةٍ صور “هنا”، فإن الإحالة إلى سويسرا تشير بوضوح إلى زمان البركة والعصر الذهبي والفردوس المفقود الذي يقترن في العقل الجمعي مع لبنان ما قبل الحرب. وعبر سيرورةٍ من النزوح، ينتشر تمثيل الفردوس إلى سماءٍ مثقلةٍ بالزهور يبرز منها العالم المبني، لكن المدمر، كما في استعراضٍ لحلمٍ طوباوي.

عبر اختطافٍ مفارقٍ وساخر لشعار رينيه ماغريت، من أجل قول “هذه بيروت”، تُقَدَّم الأخيرة على أنها الصورة السلبية لسويسرا، فتكثّف عبارة “Ceci n’est pas la Suisse

يوجد في أعمال أيمن بعلبكي تأمّل لمشهد المدينة سابق لتمثيلات 2008، ويضرب جذوره في حياته الخاصة: بمجرد وصول عائلته النازحة إلى بيروت، استقرت العائلة في بيئاتٍ مدينيةٍ مختلفة. تستقي لوحات بعلبكي وجودها من حياةٍ كان فيها الاهتمام بالبناء مرادفاً للإقامة والاستقرار المكاني. وفي الواقع، تخون لوحاته المبكرة هذا الاهتمام بفضاء المدينة. رسم بعلبكي قبل عام 2008 عدداً من المشاهد المدينية (8) التي قد تظهر مختلفة عن تلك اللاحقة من خلال التعبير اللوني عن الطاقة الحيوية؛ ولكن مع ذلك، يمكن للمرء أن يلحظ رؤية الشواش، بل ونزعة مدينية ملخبطة ما بعد قياميّة وعالم مبعثر، من خلال خلفيات فضاء إنساني سيُهجر لاحقاً وتُنزع إنسانيته، وحيث يظهر في تركيب اللوحة ذلك الإيقاع ذاته الذي سيشهد لاحقاً اشتداداً في خط الانهيار المنكسر.

٢ـ المدينة الأسطورية

بتأثيرٍ من بابل (9) من دون شك – ذلك العمل الذي يبدو أنه استبق سلسلة تموز التي فتحت الطريق أمام بعدٍ أسطوري – يغدو المشهد في اللوحات أمثولياً (أليغورياً). بابل تعبير عن إرادة الارتقاء إلى الله. وفي هذا هي تصبح رمزاً للإثم والعقاب. تصبح الفوضى في بابل، حيث لا يسمع الناس بعضهم الآخر كونهم لم يعودوا يتحدثون اللغة ذاتها، عقاباً على خطيئة جمعية يرتكبها مجتمعٌ ميّالٌ للتفرّق. وكما هي الحال في سردياتٍ توراتية أخرى، فإنَّ المدينة التي تُرى تقليدياً على أنّها تعبير عن النظام الكوني ومفعمة برمزية المركز (تلك الرمزية التي يمكن أن نجدها في الإشارة إلى “وسط المدينة”) تصبح هنا استعارة للشر الجمعي. وبهذا المعنى، فإن أسطورة بابل هي أسطورة مدينية على نحو عميق. وثمة مغزى هام لحقيقة أنها تأتي في نهاية إصحاحات خلق البشر في “سفر التكوين (11، 1-9)” وتسبق السرد الإخباري المتسلسل والمفصَّل في أسفار آباء التوراة. إنها تترجم العبور من الأسطورة إلى التاريخ وتنفتح على بعد الزمن. وبهذا، لا يكون بلا معنى أنّ كارثة اجتماعية تقلب التاريخ البشري من فترته التأسيسية إلى فترة صيرورته الأوسع.

(٢٠١٠)

على العكس من بابل التي رسمها بروغل (10)، فإن لوحات بابل التي رسمها أيمن بعلبكي الذي يستأنف تلك الثيمة، منهوشة من داخلها مثل مستعمرة النمل الأبيض (11)، مفرغة، منتصبة في ضباب عالمٍ لا بشر فيه. الرمز وحده ما يبقى. وبهذا المعنى، يمضي الفنان أبعد من الأسطورة ذاتها كي يعطينا نهايةً لرؤيا العالم الخاصة بأرض مهجورة.

تبدي مشاهد أيمن بعلبكي المدينية عن تدرج لوني أسطوري، وتقوم على شخصيات نمطية بدئية، تحملها رموز، وتكسبها قيمة أمثولية. وتشكل تلك البنى الشاقولية التي تصل الأرض بالسماوات محوراً للعالم ينتظم حوله الكون ويصبح مفهوماً، فترمز بذلك إلى الصلة الروحية بين الله والإنسان، تلك الصلة المنقطعة في هذه الحالة. فالعالم الذي يصوره الفنان عالم انسحب منه الله والمعنى. وتعبّر ميثولوجيته المدينية عن رؤية مأساوية لحالة جمعيّة متفجرة. تشير الأطلال في أعمال أيمن بعلبكي إلى عالم متفسخ وتقف شاهدةً على الكارثة.

٣ـ مخيّلة الكارثة

في كتابه أصل الدراما التراجيدية الألمانية، يقول فالتر بنيامين إن “الأمثولات، في عالم الفكر، هي كما الأطلال في عالم الأشياء.” (12) بالنسبة إلى بنيامين الذي يضع مفهوم الكارثة (13) في قلب فلسفته حول التاريخ، وحدها الأمثولة تستطيع التعبير عن تجربةِ عالمٍ متشظٍ حيث لا يكون مرور الزمن تقدماً بل تحللاً (14). وبهذا يصبح النقد باسم الأمثولة أشبه بعملية “تدمير” مفهومية تعمل كما يعمل الدمار في الأطلال. هكذا تكون الأمثولة منهجاً نقدياً، والأطلال هي المكان الذي يعمل فيه عمله على نحو جدّ طبيعي. الأطلال هي مكان يشير إلى زمانٍ مضى لا يمكننا أن نكشف فيه سوى الآثار.

نشهد في عمل بعلبكي قيام منظومة بلاغية تبلغ أوجها مع التمثيل من خلال الأمثولة، حيث تكون الأطلال موضوعاً مركزياً. هكذا، وكما هي الحال في أمثولة بابل، تكون للإشارة إلى سيزيف مكانة جوهرية في متخيَّل بعلبكي. تخبرنا الأسطورة عن قصة سيزيف الذي أدانه زيوس لجرأته على تحدي الآلهة وعاقبه بأن يقضي الأبدية وهو يدفع صخرة إلى أعلى جبل من دون أن يفلح يوماً في إيصالها. وفي الواقع، يرمز الجبل في عديد من الديانات إلى ثورة الإنسان على الله. كما أنَّ قصة سيزيف هي قصة انتهاك. وأبنية أيمن بعلبكي تمثل تجسيداً للجبل السيزيفي، سواء كان ذلك في البناء المرسوم في عمله استيقظ يا سيزيف (15) عبر لقطة من زاوية مرتفعة تظهر المبنى منتصباً في السماء كمعادل تخيّلي للجبل، أو في الأبنية الأخرى التي رسمها منذ العام 2008. ونجد في الوقت ذاته أنَّ التوترين الذين يحددان مسار سيزيف -المحكوم بتسلق الجبل كما بالنزول عنه- يتخطيان بشكلٍ متساوٍ الفضاء التصويري وأبنيته المحكوم عليها بالانهيار: هكذا، نجد توتراً صاعداً يكمن في دينامية البناء، وتوتراً هابطاً يكمن في دينامية الانهيار (16). وهكذا، يخلق التركيب المائل لبعض اللوحات (17) توتراً درامياً وإحساساً بالانهيار وتعبيراً عن السقوط ورؤيةً للكارثة (18).

استيقظ يا سيزيف

تترافق الأمثولة في أعمال بعلبكي مع تجسيدات مرئية: تأطيرات اعتباطية وحشية وعشوائية تعمل على اختزال الواقع وقطعه، بل وتشويهه، وفي بعض الأحيان تجعل المراكز تنفجر مبدية عن عالمٍ بلا مركز وعرضة للشواش والفوضى، بينما تشير في الوقت ذاته إلى كليّة تقع خارج الإطار وتعاني، كما يمكن للمرء أن يتوقع، من الخراب ذاته. وبذلك يتم دفع هذه السيرورة إلى حدودها القصوى: تتضاعف الصورة على نحو مدوِّخ، وتشير إلى انهيار، انهيار عينٍ عرضةً لوجهات نظر مضاعفة، انهيار استعارة أُخذت إلى اللانهاية، وانهيار عالم مضطرب يحاول الفنان أن يمثله على أنه شيء يتداعى. الأطلال مكان كارثة طوبوغرافية وتاريخية.

تضع لوحة استيقظ يا سيزيف المشاهِد أمام رؤية مأساوية حيث لا منظور آخر ينطوي على احتمال إعادة البناء

وبشكل أعمّ، فإنَّ الأمثولة عند بعلبكي تشير إلى رؤية معينة للتاريخ حاضرة بأوضح ما تكون في عمله استيقظ يا سيزيف. تبدو هذه اللوحة كأنّها تمنح أعمال أيمن بعلبكي زمنية دائرية وعبثية حيث يُهدَم ما كان قد بُني ، وحيث تفتح الصخرة الراسخة الطريق أمام نزوحات جديدة، وحيث الفضاء المنفتح على السفر يغدو دائرياً وينغلق على نفسه نافياً التقدم ونافياً التاريخ. تضع لوحة استيقظ يا سيزيف المشاهِد، على نحو يكاد يكون ذهانياً، أمام رؤية مأساوية حيث لا منظور آخر ينطوي على احتمال إعادة البناء، وأمام خلفية للموضوع المركزي أو سماء تأخذ، إن لم تغب أو لم تكن محملة بزهور المنفى، تدرجاتٍ لونيةً قيامية من البرتقالي الناري والرمادي الهباب. وما من ضوء آخر سوى ضوء الغسق (19) ولا يمكن للمرء أن يعرف إن كان يشير إلى زمان حقيقي أم أسطوري أم إلى غسق عالم تركته الآلهة من دون شك.

٤ـ بيروت وجيل ما بعد الحرب

سردية الكارثة هي ما سيسم بشكلٍ عام جيل فناني ما بعد الحرب. وفي كتابه انسحاب التراث عقب كارثة فائقة The Withdrawal of Tradition past a Surpassing Disaster (20 يتقدم جلال توفيق، وهو قارئ لبنيامين، بأطروحة مفادها أنّه بعد حصول ما يدعوه “كارثة فائقة” في التاريخ يحصل “انسحاب للتراث”. ويكون دور الفن هنا أن يملأ منطقة الانسحاب الممتلئة بالصور الكامنة التي تنتظر كي تصبح ظاهرة أيضاً. وسوف يجد جيل فناني الحرب في أفكار توفيق صدى لمشاغلهم وتجاربهم الشخصية.

صاغ جلال توفيق فكرته هذه أصلاً في مقال بعنوان “الأطلال: أماكن مسكونة بحيوات من يقطنها” Ruins: Places haunted by the Livings who inhabit them (21 يخبرنا فيه قصة مصاص دماء يكلّف وكيلاً عقارياً في لبنان بأن يجد له أبنية دمرتها الحرب. وخلف هذه النادرة، تساعد القصة توفيق على بناء نظريته حول شخصية الشبح العائد من الموت، وحول فكرة العودة التي تُفهَم على مستوى الذاكرة (الأطلال تولّد الماضي) كما على المستوى التحليلي النفسي (22): عودة الماضي، عودة المكبوت وعودة ما يعود ليسكننا لأنه ليس ميتاً. هكذا يوضح توفيق أنّه في البلاد التي تعيش في سياق ما بعد الحرب، حيث تكون الحروب الأهلية أو الحروب عموماً قد تركت الكثير من الأمور المعلّقة، من المشكوك فيه، بل من الخطير، ألا تكون لدينا أشباح، سواء في الواقع (البيوت المسكونة) أو في الخيال. وغياب الأعمال الأدبية والسينمائية التي تتناول الأشباح في لبنان لهو أيضاً واحدة من علامات ما يصفه توفيق بأنّه “فقدان ذاكرة جمعي ما بعد الصدمة”. لكن ذلك كان في عام 2002 وقضية الأطلال كانت قضية واضحة.

من المهم أن نذكّر أنّه في بيروت ما بعد الحرب، حيث تجاور آثار الحضارات القديمة وآثار الحرب مواقع الهدم والبناء المتعددة، وحيث تتعايش الرؤية الكارثية مع التقدميّة الباهظة، وحيث تتغبش الحدود بين عالم سيكون وعالم آخر يتلاشى ويتعايش هذان العالمان ويروجان أشدّ الرواج، وإزاء خطاب سائد يتناسى الذاكرة، تكون قضية الأطلال قضية واضحة.

في البلاد التي تعيش في سياق ما بعد الحرب، حيث تكون الحروب الأهلية قد تركت الكثير من الأمور المعلّقة، من الخطير ألا تكون لدينا أشباح، سواء في الواقع (البيوت المسكونة) أو في الخيال

يرسم الياس خوري في عمل جماعي نشر عام 1999 الحالة الملتبسة لبيروت، الواقعة في إسار أسطورة مزدوجة: من جهة، أسطورة الحرب التي جعلتها نموذجاً بدئياً للمدينة التي دمرتها الحرب الأهلية وغيّرها الموت وتقطعت أوصالها، ومن جهة أخرى؛ الأسطورة التي تستحضرها الأطلال التي اكتشفت مؤخراً لمدينة فينيقية ورومانية. (23)

إلى هذه الأسطورة المزدوجة يمكن لنا أن نضيف أسطورة “مدينة جديدة”، مدينة لا تشبه نفسها إطلاقاً (24) ، إذ تخلت عن نقاطها المرجعية وعن ذاكرتها (25).

هذه الأطلال التي هي فضاء حقيقي لسجال في المجال العام، لكنها أيضاً فضاءٌ أعيد إعماره يوظّف مساحات التمثيل ويستثمرها، يُعاد تقديمها في الفن وتصبح مكاناً لخطابٍ تُفَعَّل فيه الصلات بين الشعرية والسياسة. كما يعمل أيضاً عديد من الفنانين على تمثيل المدينة وأطلالها. وهنالك سؤالٌ يصاحب أعمالهم: كيف تعرض الأطلال من دون أن تجملها(26). وبذلك يغدو متخيَّل الأطلال في خدمة قضية ويكتسب بعداً نقدياً.

ولأن بعلبكي فنان معاصر من الجيل الحالي، فإنَّ أعماله مشغولة بذات الهم وذات التفكير. لكن فهمها يقتضي انحرافاً عن الممارسات المفهومية السائدة وما ينبثق عنها من نظام للتقويم. وأعمال بعلبكي بوصفها ممارسة مرتبطة بحداثة محققة، هي مكان للتفكير بهذا الانحراف. وهذا ما يجعلها أيضاً مكان لـ (إعادة) التفكير بالمعاصرة.

٥ـ الأطلال كمجاز

تقوم مقاربة بعلبكي على تفكيك واقع، هو ذاته في طور التفكك، وتشريح جثته لتقديمها، مقسّمةً، إلى المشاهد. هكذا تشبه الأبنية التي انتزعت أحشاؤها المسلخ أشدّ الشبه، وتشير إلى بعد تشريحي حيث يدرك المرء تأثير عمله في الثور المذبوح (27).

لأنّ بعلبكي جزء من جيل فناني ما بعد الحرب، فهو يرينا أطلالاً ترتفع، لكنها ترتفع إلى سماء ممتلئة بالزهور أو بالدخان، لا تشبه أي سماء أخرى

ولأنَّ مقاربة بعلبكي هي قبل كلّ شيء مقاربة تشكيلية، فهي تنطلق بدايةً من مساءلة موضوع العمل بجعله حواراً مع المجاز التصويري الذي يتفاعل معه. هكذا يغدو البعد الفكري (الذي تغذيه صلات بمراجع أسطورية متعددة) قرين منظور تحليلي يجد صداه في صلات مع التراث التصويري الذي يخلقه. ولأنَّ بعلبكي جزء من جيل فناني ما بعد الحرب، فهو يرينا أطلالاً ترتفع، لكنها ترتفع إلى سماء ممتلئة بالزهور أو بالدخان، لا تشبه أي سماء أخرى. ولأن أطلال بعلبكي تمتصها اللوحة ونسيجها، و”تلزق” بهما إذا جاز التعبير، فهي تمضي أبعد من خطابها المرافق المعتاد كي تطور مجازاً، دراسةً. وإذ يُدخِل بعلبكي الأطلال مكاناً وزماناً مختلفين هما زمان ومكان اللوحة وماديتها، فإنّه يمنحها بعداً جمالياً من دون أن يجمّلها. وبذلك يكون تمثيل الأطلال هو المكان الذي يتطور فيه حوار مع اللوحة، مع بقاء اللوحة موضوعه الرئيس.

برج المر (٢٠١٤)

يواصل أيمن هذا الحوار أبعد من سلسلة تموز. فهو يتتبعه أيضاً في الأعمال التي ضمّها معرضه الأخير في غاليري صالح بركات (2016) بعد عقد على مسوداتها الأولى. وهو حوارٌ له وقعه، بالفعل، بقدر ما تطغى اللوحة، بسخاء مادتها، على شكل دعائمها وكمّ اللوحات المعروضة. مرّة أخرى، تسمح لنا تلك اللوحات بتأمل الأبنية التي لا ننفك نهلوس بحضورها، لكن الأبنية الحكومية (كمبنى البرلمان) والمواقع (كالملعب الرياضي) والمعالم، تنصهر جميعها في ذات العجينة التي تحولها ثانيةً إلى مجازات. تكبر الأشكال أو تصبح دائرية، وأيمن بعلبكي لا يني يقتبس نفسه، في إيماءة شبه ملحمية، كي يتفوق على نفسه ويفتح فضاءات أخرى تكبر فيها المفاعيل. تشير الأطلال في عمل أيمن بعلبكي إلى هذا الفضاء الذي تقتبس فيه اللوحةُ ذاتَها.

 

  • Ayman Baalbaki’s Mythological City, Beirut, Alarm Editions, 2009
  • Tammouz series, 2008.
  • رؤية نجدها في الأدب الوثني اللاتيني وتتطور في عصري النهضة والكلاسيكي.
  • تحضر العقلية الطللية بالفعل وتتبلور في قصائد امرؤ القيس (حوالى 500 – 525) لا سيما في معلقته التي اشتهر بها. ويقف امرؤ القيس في الحقيقة خلف شعر الأطلال الجميل الذي دشن ذلك التقليد الشعري العربي المسمّى “الوقوف على الأطلال”، بما فيه من وقوف نوستالجي يميّز هذا الشعر الذي يواجه عالماً ضائعاً. كان ذلك زمن خراب مملكة سبأ وانحطاط السبأيين وبداية ما أسماه العرب المسلمون بالجاهلية وصفاً للأحوال عند ولادة النبي محمد. وبشكل أعمّ، يشير هذا الوقوف إلى تأمل عالم يُعَدُّ منحلاً، عالم يكافح، في سياق الحروب بين قبائل شبه الجزيرة العربية، كي ينهض من أطلال التاريخ.
  • I built my home, 2006, 192 x 149 x 80 cm, assemblage neon et objets.
  • Ciel chargé de fleurs, 2004, 180 x 180 cm, acrylic on tissue maroufle. Wake up Sisyphos, 2008, 266 x 200 cm, acrylic on canvas and neon.
  • Ceci n’est pas la Suisse, 2009, 190 x 180 cm, acrylic on canvas and
  • Wadi Abou-Jmil, 1995, 26.5 x 23.5 cm, pastel on paper. Wadi Abou-Jmil, 2001, 70 x 50 cm, oil on cardboard. Casse militaire, 2001, 50 x 70 cm / 60 x 80 cm, oil on paper. Ciel chargé de fleurs, 2004, 180 x 180 cm, acrylic on tissue marouflé.
  • Tour de Babel,2005-2006, 275 x 200 cm / 100 x 170 cm / 4 x (30 x 21 cm), acrylic on canvas.
  • La tour de Babel, 1563, 114 x 155 cm, oil on panel, Kunsthistorische Museum.
  • يبدو الفنان وكأنه قد ألهمته أعشاش النمل الأبيض الذي شاهدها خلال إقامته في أفريقيا.
  • Walter Benjamin, The Origin of German Tragic Drama, New York and London: Verso, 1977, pp. 177 – 178.
  • من وجهة نظر المكبوت، ليس الماضي سوى سلسلة لا منتهية من الهزائم الكارثية: “ثمّة لوحة لبول كلي باسم الملاك الجديد. نجد فيها ملاكاً يبدو على وشك أن ينأى بنفسه عن شيء يحدّق فيه. عيناه مفتوحتان على وسعهما، وقد فغر فاه وفرد جناحيه. لا بدّ أنَّ ملاك التاريخ يظهر على هذا النحو. وجههُ ملتفتٌ صوب الماضي. وحيث نتصور سلسلةً من الحوادث, يرى كارثةً واحدةً لا تني تكوّم الأنقاض فوق الأنقاض وتلقيها عند قدميه. والملاك يودّ أن يبقى، وأن يحيي الموتى, ويجمع ما تحطّم. لكنَّ عاصفةً تهبُّ من الفردوس؛ وقد أمسكت بجناحيه بتلك القوة حتى لم يعد بوسعه أن يضمّهما، وراحت تدفعه بصورة لا تُقاوَم نحو المستقبل الواقع خلفه، في حين يعلو أمامه الحطام حتى يبلغ عنان السماء. ما ندعوه التقدم هو هذه العاصفة”. انظر:

Walter Benjamin, “Theses on the Philosophy of History”, Illuminations, trans. Harry Zohn, New York, Schocken Books, 1969, p. 249.

  • See Naomi Stead, “The Value of Ruins: Allegories of Destruction in Benjamin and Speer” in Form/Work, Number 6, October 2003, p. 51 – 64.
  • Wake up Sisyphos, 2008, 266 x 200 cm, acrylic on canvas and neon.
  • Diptyque, 2009, 180 x 250 cm, acrylic on canvas.
  • Tammouz series, 2008, 42 x 30 cm, acrylic on canvas, no001.
  • Tammouz series, 2008, 42 x 30 cm, acrylic on canvas, no034. Ceci n’est pas la Suisse, 2009, 190 x 180 cm, acrylic on canvas and
  • Tammouz series, 2008, 42 x 30 cm, acrylic on canvas, no001-013-018-021-026-027-035.
  • The Withdrawal of Tradition past a Surpassing Disaster, Forthcoming Books, 2009.
  • Jalal Toufic, “Ruins”, Tamass, Contemporary Arab Representation, 1, p. 19 – 25.
  • غير أنّه تجدر الملاحظة أنَّ جلال توفيق يدعي أن عمله على هذه المسألة ليس تحليلاً نفسياً.
  • Elias Khoury, “La memoire de la cite (Beyrouth ville depotoir)” in La mémoire des déchets. Essais sur la culture et la valeur du collectif, Montreal, Editions Nota Bene, 1999, p. 151.
  • المصدر السابق.
  • “(…) وفّر مشروع إعادة الإعمار فرصة مدهشة لعلماء الآثار كي يقوموا بكشف أساسات بيروت التاريخية القديمة، المدفونة في مساحاتها الفارغة، سواء كانت مدرسة القانون الرومانية أو بيريتوس أو الفسيفساء البيزنطية أو المدينة الفينيقية … عاد ماضٍ تاريخي إلى السطح على شكل أسطورة، تتعلق بمستقبل مضطرب وغير مؤكَّد. بنى قديمة، تشهد على تاريخ غابر، تختبأ خلف أسوار تجاور بنى عصرية غريبة تشهد على مستقبل قادم.” (المصدر السابق، صفحة 157).
  • في عبقرية المسيحية، يميز شاتوبريان بين نوعين من الأطلال: أطلال البشر، وهي صور العدم -ولهذا تتماهى الأطلال الحديثة مع الثورة-، وأطلال الطبيعة، الشعرية والساحرة. وهو يقول في عمله ذكريات من وراء القبر: “وددت لو أنّي ولدت فناناً؛ لكانت العزلة والاستقلالية وأشعة الشمس بين الأطلال والروائع ناسبتني”.
  • Quartier de boeuf, 5 x 20 cm, acrylic on wood/30 x 20 cm, acrylic on paper/ 20 x 20 cm, acrylic on paper. Tammouz series, 2008, 42 x 30 cm, acrylic on canvas, no 005.

 

هذا المقال سيكون جزءاً من كتاب عن أيمن بعلبكي

يصدر قريباً عن غاليري صالح بركات في بيروت

 
×