توفيت توني موريسون يوم الإثنين 5 آب 2019، عن 88 عاماً وبعد معاناة من المرض. تُعد موريسون واحدة من أعظم روائيي أميركا. وهي أول امرأة أميركية سمراء تحصل على جائزة نوبل للآداب (عام 1993)، وكانت روايتها محبوبة قد فازت بجائزة بوليتزر عام 1988، كما حصلت من الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في عام 2012 على وسام الحرية الرئاسي، وهو أعلى وسام مدني في الولايات المتحدة. عُرفت موريسون بمواقفها المناهضة للعنصرية والاضطهاد والاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. تُرجم إلى العربية عدد من أعمال موريسون، من بينها محبوبة وجاز ونشيد سليمان والعين الأكثر زرقة وفردوس وسولا وكتابها النقدي اللعب في الظلام: البياض والمخيّلة الأدبية. وهذا ما كتبه الناقد والمفكر ما بعد الاستعماري المعروف هومي بابا عن روايتها الأبرز محبوبة.

 

هومي بابا

ترجمة: ثائر ديب

“كان 124 مفعماً بالضغينة. ذلك ما كانت تعرفه نساء المنزل وكذلك الأطفال”.

ذلك هو السطر الافتتاحي الشهير في رواية توني موريسون محبوبة.

تستعيد توني موريسون في هذه الرواية ماضي العبودية وطقوس التملّك، كي تُبرِز حكايةً معاصرةً عن تاريخ امرأة هو في الوقت ذاته سَرْدُ ذاكرةٍ تاريخيةٍ ووجدانيةٍ تشير إلى انبثاق عالم عام يضمّ الرجال والنساء على حدٍّ سواء. ورواية محبوبة مثال على ضرب من إعادة النظر الجذرية في مفهوم الجماعة البشرية ذاته، إعادة نظر تجعل هذا الفضاء الجغرافي السياسي محلّ استنطاقٍ وبدايةٍ جديدة، من خلال الوضع الأخلاقي المؤلم لامرأة عبدة، تُدعى سيث تُدْفَع لأن تقتل طفلتها.

يرى الفيلسوف إيمانويل ليفيناس أنَّ ما في الرواية المعاصرة من “سحر الفنّ” يكمن في طريقتها في “رؤية الداخل من الخارج”. وهذا مشروع أخلاقي وجمالي تمضي به توني موريسون إلى ما هو أبعد وأعمق، وصولاً إلى إعلان محبوبة عن رغبتها في هوية: “أريدك أن تمسّني في ذلك الجزء الداخلي مني وتدعوني باسمي”. وبالطبع فإنَّ السبب الذي يدفع شبحاً لأن يرغب في مثل هذا التحقق هو سبب واضح. أمّا ما يكتنفه الإبهام الشديد -وما يمسّ صلب الموضوع- فهو الكيفية التي توفّر بها مثل هذه الرغبة الداخلية والحميمية “إطلالةً جوّانية” على ذاكرة العبودية. فالدلالة على الحدود التاريخية والخطابية للعبودية هو الموضوع الأساس عند موريسون.

على الرغم من أنَّ هنالك تواريخ كثيرة تثير العنف العنصري وتوقظه، إلاّ أنّ موريسون لا تتعجّل الأحداث “بحدّ ذاتها” بقدر ما تندفع وراء “المعنى الحقيقي الذي ينطوي عليه القانون الخاص بفرار العبيد، ورسم الإقامة، ومقاومة العبودية، وتحرير العبيد، وحّق التصويت للملَّونين”. وما ينبغي الصبر عليه هو المعرفة المفعمة بالشكّ التي تأتي من حياة العزلة والنبذ التي تحياها سيث على مدى ثمانية عشر عاماً، في عالم 124 بلوستون رود الغريب، منبوذةً من جماعتها ما بعد العبودية. وما يجعل في النهاية من أفكار نساء 124 “أفكاراً لا يمكن أن تُقَال ولا تُقَال” هو فَهْمُ أنَّ ضحايا العنف هم في موقع من “تقع عليهم الدلالة”: ذلك أنّهم ضحايا لضروبٍ من المخاوف، والقلق، والسيطرة مُسْقَطَة عليهم، لا تتولّد من ضمنهم ولن تتمكّن من أن تبقيهم في دورة الألم. أمّا التحريض على الانعتاق فيأتي مع معرفة أنَّ القناعة التي يحملها داعية التفوق العرقي ومفادها أنَّ “ثّمة غاباً تحت جلد كلّ أسمر” هي قناعة نمت، وانتشرت، ومسّت كلَّ نصير للأسطورة العنصرية، محوّلةً إياهم إلى مجانين بسببٍ من أوهامهم، لتُطْرَد من ثمَّ من 124 بلوستون رود.

لكنّ موريسون تلحّ، قبل الانعتاق من أيديولوجية السيّد، على التغيّر الرهيب الذي يعتري الموقع الأخلاقي للأم العبدة، هذه الأم التي ينبغي أن تكون موقع النطق في رؤيةِ ما هو داخل عالم العبيد من الخارج، حيث “الخارج” هو عودة شبح الطفلة التي قتلتها، والتي هي صنوها أو نظيرها بالمعنى الفرويدي لهذه الكلمة، نظراً إلى كونها “الضحكة التي أضحكها وأرى وجهها الذي هو وجهي”. والسؤال هو ما الذي يمكن أن تنطوي عليه أخلاقيات قتل الأطفال؟ أيّ معرفة تاريخية تعود إلى سيث، عبر المسافة الجمالية أو “إبهام” الحدث، في الهيئة الشبحيّة لابنتها الميتة محبوبة.

قتل المرأة العبدة أطفالها هو فعل موجَّه ضّد ملكية السيد، ضدّ أرباحه الزائدة

تعتبر إليزابيث فوكس جينوفيز، في وصفها الرائع مقاومة العبيد في كتابها داخل بيت في المزرعة، أنَّ القتل، والتشويه الذاتي، وقتل الأطفال هو الدينامية النفسية الأساسية لكلّ مقاومة. كما تعتبر أنَّ “هذه الأشكال المتطرفة تلتقط جوهر تعريف المرأة العبدة لذاتها”. ونرى من جديد كيف يتمُّ أداء هذا الفعل المأساوي والصميمي من أفعال العنف في كفاحٍ لدفع حدود عالم العبيد إلى الخلف. فبخلاف أفعال المواجهة مع السيد أو الناظر التي تُحَلّ ضمن نطاق المزرعة، يُفْهَم قتل المرأة أطفالها على أنّه فعل موجَّه ضد المنظومة برّمتها، وعلى أنه يأتي كإقرارٍ بمنزلةٍ قانونية للمرأة العبدة في المجال العام. وبعبارة أخرى، فإنَّ قتل المرأة أطفالها يُنْظَر إليه كفعل موجَّه ضّد ملكية السيد -ضدّ أرباحه الزائدة- ولعلّ ذلك، كما تقول فوكس جينوفيز، “هو ما قاد بعض النساء اللواتي اشتدّ عليهن اليأس لأن يشعرن بأنهنّ إِذْ يقتلن طفلاً عزيزاً إنما يُعْلِنَّ بصورة من الصور أنَّ هذا الطفل لهنّ”.

الحال، إنَّ مثل هذا الإعلان على وجه التحديد هو ما يتمّ من خلال موت محبوبة وعودتها: حيث تسترد الأم العبدة من خلال حضور الطفلة ملكيتها الخاصة والشخصية. وتأتي هذه المعرفة كنوعٍ من حبّ الذات الذي هو حبّ “الآخر” أيضاً: إيروس وأغابي معاً. وهذا النوع من الحبّ هو حبّ أخلاقي بالمعنى الذي يسبغه ليفيناس على هذه الكلمة، حيث يكون “داخل” الذات مسكوناً بـ “إحالةٍ راديكاليةٍ وفوضويةٍ إلى الآخر”. وتتبدّى هذه المعرفة واضحة في تلك الفصول الآسرة التي يرجئ واحدها الآخر، حيث تؤدّي كلٌّ من سيث، ومحبوبة، ودينفر طقساً من التملّك والتسمية أشبه ما يكون بموسيقا متسلسلة عبر ذاتياتٍ متقاطعة وخلالية: “محبوبة، هي ابنتي”؛ “محبوبة أختي”؛ “أنا محبوبة وهي لي”. تهذي النساء بكلمات غريبة، من فضاءٍ “فيما بين الواحدة والأخرى” هو فضاء الجماعة. ويستكشفن واقعاً “قائماً بين الأشخاص”: واقعٌ اجتماعيٌ يظهر داخل الصورة الشعرية كما لو أنّه بين هلالين؛ واقعٌ مفصولٌ بمسافة جمالية، ومُثَبَّتٌ، ومُؤَطَّرٌ بالتاريخ. إنه لمن الصعب أن ننقل إيقاع تلك الفصول وارتجالها، غير أنَّ من المستحيل ألاّ نرى فيها شفاءَ التاريخ، وجماعةً ترمّمها التسمية. وبذلك يكون بمقدورنا في النهاية أن نسأل أنفسنا:

من هي محبوبة؟

لقد فهمنا الآن: إنها الابنة التي تعود إلى سيث، ما يجعل عقلها يكفّ عن التشرّد.

من هي محبوبة؟

لقد صار بمقدورنا أن نقول: إنها الأخت التي تعود إلى دينفر، جالبةً معها أملاً بعودة والدها، العبد الآبق الذي مات أثناء الفرار.

من هي محبوبة؟

لقد عرفنا الآن: إنها الابنة المصنوعة من حبّ قاتل وتعود لتحبّ وتكره وتتحررّ. كلماتها مكسورة، مثل المحكومين بالإعدام الذين كُسِرَت رقابهم؛ بلا جسد، مثل الأطفال الذين أضاعوا شرائطهم. غير أنَّه لا سبيل إلى الخطأ في شأن ما تقوله كلماتها الحيّة وهي تنهض من بين الأموات على الرغم من تركيب هذه الكلمات المحطَّم وحضورها المتشظّي.

 

وجهي آتٍ   عليَّ أن أمسك به   أبحثُ عن الرباط   أحبّ وجهي كثيراً

أريد أن أرتبط   أحب وجهي كثيراً   وجهي الأسمر قريب مني   أريد أن أرتبط.

 

مع أنَّ موريسون لاتني تكرر عند خاتمة محبوبة أنَّ “هذه ليست بالقصة التي نحكيها لسوانا”، إلاّ أنها تحكيها كي تحفر الحدث في أعمق ما لدينا من مصادر النسيان، واللاوعي. فحين يخبو الوضوح التاريخي، وحين يفقد فعل الوثيقة المضارع قدرته على لفت الانتباه، عندها تقدّم لنا انزياحاتُ الذاكرةِ وموارباتُ الفنِّ صورةَ بقائنا النفسي. فأن تعيش في العالم الغريب، أن تجد تجاذباته والتباساته مُجَسَّدةً في العمل الفني، يعني أن تؤكّد أيضاً على رغبة عميقة في التضامن الاجتماعي: “أبحثُ عن الرباط… أريد أن أرتبط… أريد أن أرتبط”.

المزيد من هذا المؤلف

Related Articles