(إعداد: يامن صابور)

ما من نظامٍ سياسي تنعزل فيه الثّقافة بمختلف أوجهها الإبداعية عن منظومة السّلطة والحكم. والعامل في المجال الثقافي والفني إمّا أن يكون حليفاً للسلطة، أو عدواً لها. والسّلطة، من جهتها، تطوّع الكتاب والفنانين والمبدعين إما بذهب النياشين، أو بحديد السجون. للثقافة والفنون في العالم العربي شجونها العامة التي تشترك فيها اليوم مع معظم ثقافات العالم: تراجع الإقبال على الكتاب، وسيطرة الشاشات، وتغيّر العادات الاستهلاكية، وانتشار فنون السوق، والمنافسة بين وسائط الفنون التقليدية والرقمية، وسيادة الثقافة الزّائلة. سوى أن الإنتاج الثقافي العربي أيضاً يعاني أكثر ما يعانيه من مقصلة الرقباء على أنواعهم السياسية والأمنية والأخلاقية والفكرية والدينية، ولا يختلف الرقيب العربي بين مؤسسةٍ ترمي كامل ثقلها القانوني والمعنوي لتمنع أي فكرة لا توافقها وتدينها، أو فردٍ يحصي أنفاس الآخرين على منصات “السوشال ميديا”.

هكذا تطفو بين الحين والآخر مشكلة جديدة في شكلها وقديمة في مضمونها تعيد إحياء النقاشات والشجون. اليوم، بعد انتشار الأخبار والخلافات، على مختلف المنصات الإعلامية، حول ما أصبح معروفاً بـ”مغني المهرجانات” وأغانيهم الصاخبة، وقرار نقيب الموسيقيين في مصر منعهم من الظهور على مسارح المنشآت السياحية والملاهي والفعاليات الفنية، نعود لاستحضار نقاشٍ أوسع يتناول شؤون تقييم الفن والرقابة عليه. وفيما أن المجتمع يلعب دور مُنْتِجٍ للفن فهو أيضاً مُنْتَجٌ للفن في علاقة جدليّة تستمر بالدوران.

من هذه الجدليّة غالباً، تنبثق النقاشات التقييمية لما يصدر اليوم من موسيقى وفنون ترضي الناس، ولكنها تؤرق السّلطات التي بدورها قد تنشر فناً يرضيها، ولكنه لا يلاقي قبولاً في الشارع. وفي حين يبرر كثيرون موقفهم الرافض للأغاني الشعبية على أسس القيم المجتمعية التي تنال منها بعض كلمات هذه الأغاني، يرى آخرون أن هذه الكلمات إنّما تأتي من صلب واقع المجتمع، فما من داعٍ للاختباء خلف ستائر العفة والأدب المنتحلة. وإن كانت بعض هذه الأغنيات بالفعل تعرض ألفاظاً نابية أو مهينة أو حتى محرّضة على العنف أو الاغتصاب، فما هو دور المؤسسات التعليمية والثقافية في بناء وعي للناس يتجاوز ذلك التحريض؟

يسعى “أوان” من خلال هذا الملف إلى المشاركة في النّقاش حول ماهيّة الفنون الشعبية في العالم العربي وعلاقتها مع المجتمع، وحول دور الدولة في الإنتاج الثقافي ومدى رقابتها عليه. يتناول كل من غسان سحاب وملاذ اليوسف في مقالتيهما إشكاليات التقييم من وجهات نظر موسيقية مختلفة، ويستكشفان تعابيراً غالباً ما تطلق اعتباطياً على الموسيقى والأغاني من دون تدقيقٍ ولا معرفة. وفيما تصف أريج أبو حرب في مقالتها آليات العمل الثقافي في لبنان، وتتطرق إلى إدارة المال العام والفوضى الرقابية وقصور وزارة الثقافة عن ملأ الفراغ في كثير من الأحيان، يقدّم مصطفى فتحي تغطية صحفية من مصر يستطلع فيها آراء الأطراف المعنيين مباشرةً من نقيب الموسيقيين إلى مؤدي الأغاني الشعبية ومتابعيها، ويحلل الدور المتنامي للدولة التي أصبحت تسيطر على معظم قطاعات الصناعة الفنية والإعلامية في مصر. وفي خلاصةٍ لجنون الرقابة المتفلتة من كل رابطٍ، يكتب ثائر ديب مازجاً بين الأدب والواقع ليخوض في بنية الرقابة في مجتمعاتنا المشرقية واستثمارها في ثقافة الخوف، وما تفرزه من استبداد تمارسه السلطة كما معارضاتها.

مواد الملف:

١- “سكر محلي محطوط على كريمة”: حين تتقمص مؤسسات الدولة دور الأخ الأكبر، مصطفى فتحي

٢- بين الشعبي والهابط: التمييز والدلالات لأغاني المهرجانات، ملاذ اليوسف

٣- لا يوجد “موسيقى هابطة”!، غسان سحاب

٤- كيف يعمل القطاع الثقافي في لبنان، أريج أبو حرب

٥- عن الرقابة والخوف، ثائر ديب

 
×