سميرة القاسم –  نزار عنداري

ترجمة : ثائر ديب

 

بعد عشر ساعات من المقابلات والتصوير من أجل هذا الكتاب، أجالَ مخرجٌ مرهق جالس في ظلّ سنديانة فكره، وقال: “لا أريد أن أُرى كسينمائي فحسب، بل ككاتب ومفكّر أيضًا. حين أصنع أفلامي، أنهل أيضًا من ينابيع الأدب والفلسفة وروائح أهلي”. توقّف محمد ملص وراح يحدّق في الأرض من حوله. ثم داعب العشب النامي بين حجارة الطريق المرصوف القديمة وقال: “هذا العشب الجميل يحفظ ذاكرة الحجارة وما يكمن تحتها. سينماي تفعل الشيء ذاته”. مثل هايكو قديم تحمل فيه كلمةٌ معنى قصيدة بأكملها، كانت يدا ملص الباحثتان المفتشتان مجازاً لعمل حياته. وقد أُعجبنا بما لديه من موهبة في الإدراك لا تني تستشعر زوايا الجمال والمعنى الفريدة أو “تعثر على الحياة في المشهد”، كما كان يكرر على الدوام. لقد بزغت حياته، مثل أوراق العشب تلك، من بين حجارة التاريخ.

“لا أريد أن أُرى كسينمائي فحسب، بل ككاتب ومفكّر أيضًا. حين أصنع أفلامي، أنهل أيضًا من ينابيع الأدب والفلسفة وروائح أهلي”

وُلد ملص في سوريا المستعمرَة في عام 1945 قبل عام واحد من استقلالها، ذلك الاستقلال الذي سيشهد أكثر من عشرة انقلابات قبل بلوغه الثامنة عشرة. مسقط رأسه هو مدينة القنيطرة التي ترتفع 1000 متر فوق سطح البحر. وكان في القنيطرة التي تعني “الجسر الصغير” عدد من الثقافات والأديان والأحزاب السياسية، فلم تكن جسرًا إلى مدينة أكبر فحسب، بل كانت أيضًا جسراً إلى طريقة حياة ريفية قديمة وسط صحراء وجبال. كانت مكانًا مريحًا تمتزج فيه التربة الحمراء البركانية بالحجارة السوداء، محبوّاً بأشجار الكينا الجميلة وأريج زهور الربيع وأطيب المشمش والعنب والتفاح الذي يُزرع هناك منذ القدم. تقع المدينة بالقرب من حدود كارثة إنسانية تسببت في مآسٍ ومشاقّ ومظالم وفي ملايين اللاجئين. فبعد ثلاث سنوات على ولادة ملص، تشرّد 800000 شخص كانوا يعيشون في الجوار، في فلسطين، وأجبروا على نزوح دمّر المنطقة. كان والده نجارًا قاتل في تلك الحروب. وكدحت والدته كي يتمكن من ترك المدينة ويتعلّم. وكانت هذه المدينة أيضًا مدخله إلى السينما، إذ كانت الموسيقى تنبعث من شرفات صالة سينما القنيطرة وتعزز تجربةً تكوينية كان من شأنها أن تمهد الطريق لمستقبله المهني.

هذه المدينة التي نشأ فيها ملص باتت مجازاً للتهجير ومدينة أشباح: كانت صالة السينما فيها تردد أصداء الرصاص. وخلال معظم حياته الراشدة، لم يكن ملص قادرًا على العودة، وفي المرات القليلة التي عاد فيها، وجد مدينة لا تزال في طور الكارثة. إذ جمّد تدبيرٌ سياسي أنانيّ المدينة في الأنقاض ذاتها إلى هذا اليوم لتكون تذكرةً بالهزيمة والانتصار. والمفارقة المضحكة أن مدينة الأشباح هذه غدت في الآونة الأخيرة ملجأ كثير من النازحين الذين فروا من الحرب الحالية في سوريا. ومع ذلك، يشير ملص إلى قصة القنيطرة باعتبارها واحدة من مصادر إلهامه الكبرى. إذ ظلّ يكافح كي يستبين ذكرياته عن المدينة ويجعلها حقيقية بالكلمات أو على الشاشة، بانياً من ذلك ذاكرة مشتركة مع كثيرين في منطقته، ذاكرة مفعمة بالجمال والدمار.

لكن ملص ليس مجرد ضحية لجمال القنيطرة ودمارها. وأفلامه وكتاباته وحياته مثال بطولي للمثابرة والقدرة على التعبير. وعلى الرغم من أنها جميعاً تعكس كآبة وجودية وتوقاً لما فُقِد، إلا أنّ ملص ليس ضحية الخريطة. صحيح أنّ خرائط العالم القسرية تؤلمنا، تشكّلنا، إلا أنها تمكنّنا أيضاً من أن نكون العشب النابت بين الصخور. وعشب ملص نشر إبداعه في أرجاء الدنيا لأكثر من نصف قرن في المهرجانات السينمائية والتلفاز والمدارس والمكتبات، الأمر الذي يشكل مشروعاً يسهم فيه هذا الكتاب. فنحن نجمع هنا تفحّص أعماله إلى غايةٍ تتمثل بمزيد من فهم إنجازاته كصانع أفلام ومثقف من بلد أصبح بالنسبة إلى معظم القراء مجازاً للحرب واللاجئين والصراع الجيوسياسي. غير أننا في الوقت الذي نعلم أنَّ دوالّ ثقافية كهذه تشكّل نقطة انطلاق ولها أهمية سياقية، يبقى مهماً أن نوازنها مع منظور عالمي، وهو ما نأمل أن يحققه كتابنا هذا. ذلك أنَّ ملص، كما نرى، ليس مجرد مخرج سوري، بل أكثر من ذلك بكثير.

ما حدث في سوريا كارثة تفوق التصور، فأعداد الضحايا والمصابين تتزايد، وكذلك الصور والفيديوهات، ووسائل الإعلام العالمية تُبقي القراء على اطلاع على آخر فظائع الاستبداد. ولدى مناقشة وضع سوريا في المستقبل، نتخيل جدالات عالمية تردد، مع اختلاف المرجع، عبارة تيودور أدورنو الشهيرة “لا شِعر بعد أوشفيتز”، في إشارة إلى استحالة الإتيان بتعبير جميل بعد تجربة مريعة. وربما تخطر في أذهاننا عبارة موريس بلانشو، “الكارثة تحول دون الكتابة”، في عمله كتابة الكارثة، حيث يصف الكارثة على أنها ما “يفرّ من احتمال التجربة ذاته – إنها نهاية الكتابة”. لكن، الكارثة في سوريا ليست مجرد بناء نظري بسيط لجدالات مجردة مثل تلك التي نجمت عن محرقة الحرب العالمية الثانية. إن مجرد ذكر سوريا وفهم وضعها الحالي هما نقطتا انطلاق تقتضيان مقاربة إنسانية تضع الوقائع التاريخية والثقافية في سياقها، وتبحث عن الحقيقة بين الصخور حيث ينمو العشب المبدع. فهم سوريا أبعد من كونها حدثاً إعلامياً يحتاج تعابير مثل الواقعة، التحليل، التطهير من طرف اللاعبين الكثر، صحفيين وأكاديميين وفنانين.

عادة ما تعبّر أعمال الكتاب والمسرحيين وصانعي الأفلام عن الأشياء التي يضطر البشر لإخفائها، ولذلك، ننظر إليهم بوصفهم وسطاء يعكسون نسجاً اجتماعية متنوعة ما كان لنا من دونهم أن نسبر أغوارها بسهولة. ملص هو أحد هؤلاء الفنانين الذين نلجأ إليهم، وإذا ما كان ثمة وقت لصعود مُخرج مثله على خشبة فسيحة، فهو الآن. لا لأن سوريا أصبحت رمزاً من رموز “احتضار العالم العربي”، على حد تعبير رشيد الخالدي، بل أيضاً لأنَّ جيل ملص راح يأفل مسرعاً. وتكريس هذا الكتاب لأفلامه هو في جزء منه استذكار في حياته لمخرج أمضى عمره المهني في استذكار الآخرين من خلال مشروع سينمائي شخصي استثنائي سواء في زمنه أو أبعد منه.

ملص هو أحد هؤلاء الفنانين الذين نلجأ إليهم، وإذا ما كان ثمة وقت لصعود مُخرج مثله على خشبة فسيحة، فهو الآن

لكن استخدامنا مصطلح “auteur” (المخرج-المؤلّف) يحتاج إلى إيضاح. فمن غير الملائم تلخيص نتاج مخرج ما. ونحن لا نسعى لأيقنة صانعي الأفلام، بل لتسليط الضوء على أعمالهم، وتعميم إنجازاتهم، وتيسير وصولها إلى الجمهور المتحدث بالإنكليزية الذي يعيش خارج البيئات المحلية للفنانين أو منافيهم وعرضها عليه. ومحمد ملص هو إحدى بوابات الهدف العريض لهذه السلسلة. ونحن نشدد على مصطلحي “فنان” و”مثقف” لأننا ندرك الطبيعة التعاونية لمشروع صناعة الأفلام، التي لطالما كانت في حالة ملص عملاً بدافع الحب، وهو ما نقله الفنانون والمثقفون الآخرون الذين عملوا في أفلامه وتعاون معهم. المخرج-المؤلّف هو الوسيلة إلى وجهات أخرى وهذه الوجهات هي ما نسعى لأن نتخيّله.

على الرغم من أنَّ كثيراً من الدارسين ونقاد الأفلام نظّروا في شأن المخرج-المؤلّف، إلا أننا ندافع هنا عن مقاربة مختلفة للمخرجين-المؤلّفين العرب مثل ملص وعديد من صانعي الأفلام من جيله. ذلك أنّ عمل هؤلاء يبدي عن إبداع هائل على الرغم من الظروف الصعبة التي واجهوها على مرّ إنتاجهم السينمائي، سواء كانت هذه المشاكل متعلقة بالتمويل، الرقابة، الاضطهاد، أو عدم استقرار المنطقة. كما أنَّ هؤلاء المخرجين-المؤلّفين يمتلكون سمة العالمية، ملموسة في أفلامهم، ويمكن أن نعرَّفها بأنها قدرة المثقف “التوفيقي” على أن يمزج في عمله مراجع ثقافية مختلفة، كمظهر من مظاهر تموضع الذات ذلك التموضع الذي تحدده ظروف المنفى بالمعنى الذي يشير إليه إدوارد سعيد. لقد تمكّن هؤلاء أن يحوّلوا تجربة المنفى، مع عنف تمزقاتها الحرفية والمجازية، إلى بستانِ معانٍ. وأنتجوا أعمالهم وهم يدركون أنهم ليسوا مجرد مخرجين تقنيين، أو مشاركين بسطاء في حركات جمالية، بل فنانون يدعونا عملهم أن نفكّر نقدياً أبعد من اليوميّ، بأمور مثل التاريخ والجندر والوطنية والاضطهاد الطبقي، وكثير من القضايا الاجتماعية الأخرى المرتبطة بهذا السياق كما بتجربتهم الشخصية.

في كتابتنا دراسة عن مخرج-مؤلّف، نحدد السياقات الوطنية والتاريخية، العلاقات مع فنانين آخرين ومع الدولة، استمرارية الموضوع والأسلوب. كما نرسم الخطوط العامة للصلات بين عمل المخرج-المؤلّف والسياق العالمي للتمويل السينمائي الدولي، المهرجانات، والجماهير. وهذا الكتاب يقدّم ثلاثة أنواع من السياقات ويحلّلها، وهذا هو السبب في أنَّ الفصل التحليلي الأول يتركز على أحلام المدينة (1984) والليل (1992)، الفيلمان اللذان حدّدا مكانة ملص كمخرج-مؤلّف في السينما العالمية. لكننا غير معنيين كثيراً بنظرية سينما المؤلّف والمخرج-المؤلف كإطار نظراً إلى القيمة غير المحددة التي يضيفها هذا الإطار في فهم التعقيدات والفروق الدقيقة في ما يخصّ صنّاع أفلام من زمن ملص ومكانه. المخرج-المؤلف هو الوسيلة إلى وجهات أخرى وهذه الوجهات هي ما نسعى لأن نتخيّله ونحن نضع الوقائع التاريخية والسياسية في سياقها.

هذا ما يحاول كتابنا أن يقوم به. وهو مُصمَّم كي يُقرأ كوثيقة نصيّة وبصرية، ومبنيّ على تضافر أربعة من المداخل إلى هذا الموضوع. يقدم أولها تحليلاً معمقاً لأفلام ملص، كما في الفصول الأول والخامس والتاسع والعاشر. أمّا الفصول الثاني والرابع والثامن فتقدم نسخاً محرَّرة لمقابلات مصورة أجريت في بيروت من أجل هذا الكتاب في صيف 2017، وفيها نستكشف ملص بأسئلة عن أحلامه، طفولته، آماله، ورؤاه. وتقدّم الفصول الثالث والسادس والسابع والحادي عشر وثائق أولية تشمل صوراً فوتوغرافية، وصوراً خلف المشاهد، ولقطات من أفلام، ومواد أرشيفية، ومقتطفات مترجمة من كتابات ملص. وأخيراً يعطي الفصل الثاني عشر لملص الكلمة الأخيرة، ويجعله مشاركاً في صنع هذا الكتاب، إذ يتضمن هذا الفصل معالجة ومقتطفات من سيناريو الفيلم الذي يكمل ثلاثيته.

لا نرمي في مسعانا هذا، لأن نقول كل شيء عن محمد ملص، بل لأن نشارك الأعمال الأخرى التي ترسم معاً صورة جيل وزمن ولّى الآن، في محاولة للحيلولة دون مزيد من الطمس، وبهدف خلق طريقة جديدة وحميمة لدراسة السينما العربية. وإننا لنأمل، إذ نبحر عميقاً في أفلام ملص، أن يتوصّل القراء من شتى المجالات والتخصصات ومسارات الحياة إلى فهم ملص وسوريا والعالم العربي فهماً أعمق. كما نأمل، أخيراً، أن يتبيّن هؤلاء القرّاء على نحو ما مكانة ملص في السينما العالمية.

 
×