لا شك أنَّ محيي الدين اللباد وامتداده أحمد اللباد مرحلة ونقلة مهمة واضحة في تاريخ صناعة الكتاب المصري. اللباد الكبير وصل حد تقعيد الأسس الكتابية في سفره المؤسس نظر، وأحمد اللباد أشاع وشَعْبَنَ، أي جعل النقلة شعبية مشاعة وسائدة يتناقلها كل الناس، لدرجة أنه ظهر ويظهر كل حين على أغلفة الكتب المصرية العديد من اللبادات، نسبة إلى أحمد اللباد.

وهي نقلة أو مدرسة أو مرحلة واضحة وجادة وأنيقة وقائمة على الانضباط والجمال والرهافة، على الإحساس المنضبط لو صح الوصف. اللباد الكبير أسس وأحمد اللباد أشاع، اللباد رسخ في «شرقيات»، وأحمد اللباد أشاع في «ميريت». والفرق بين «شرقيات» و«ميريت»، فيما يخص التجديد والتنوع الطباعي والأدبي، كالفرق بين أحمد اللباد واللباد الكبير: نقطة في بحر، جماعة منغلقة أمام جماهير صاخبة. طبعاً لأحمد اللباد تجارب كبرى في سوق النشر غير «ميريت»، وأسس عديد المشاريع الذائعة في كبريات دور النشر الأهلية والرسمية، وأسس وأشرف على عديد السلاسل والمجلات من الأهرام حتى «الهيئة المصرية العامة للكتاب»، ولكن تظل تجربة «ميريت» قفزته الفنية أو أسلوبه أو رسالته أو مشروعه الأصلي الذي آمن به كاملًا.

هذه أول مرة أقارن أو أقرن أو حتى أذكر اللباد الكبير مع أحمد اللباد. أنا للأسف، ولعطب شخصي، عرفت أحمد اللباد قبل الأستاذ الراحل العظيم محيي الدين اللباد. وعرفته إنسانًا قبل أن أعرفه فنانًا. طبعاً كنت أعرفه كاتجاه وسمت للكتاب المصري مطلع القرن الواحد والعشرين، الكتاب الأدبي بالذات والجديد بالتحديد. دعك من الناشرين، ودعك من القراء، فإنَّ طلب الكتاب أنفسهم المجمع عليه هو غلاف اللباد. وأنا عن نفسي ذهبت إلى دار «ميريت» من أجل غلاف اللباد (وطبعًا تورطت فيما بعد حتى نخاع هاشم وثورته الأبدية). ومن حسن حظي أنه صمم أغلفة جميع أعمالي الأدبية. وأنا فعلياً لا أصدق أن لا أصدق أن روايتي رواية إلا بعد أن «يغلّفها» اللباد. وكلما نظرت في أغلفة اللباد الثلاث لرواياتي الثلاث أجد فيها تلخيصاً لمسيرتي في الكتابة والحياة. غلاف لصوص متقاعدون: المطواة المفتوحة نصف فتحة؛ وفي الفاعل: الولد الشعبي اللي بيحب؛ وفي قيام وانهيار الصاد شين: قرن الفلفل إللي ما يعلم بيه إلا ربنا. أحيان أقول ضاحكًا إن هذا القرن موجه للروائيين المحفلطين، لكنه في الحقيقة «في» الرواية، في هذا النوع من الرواية، وهذا ما أكده بل طبقه خروج كلمة «رواية» من فم القذافي في رسم الغلاف كمزحة طالت الفن الروائي نفسه.

لكني عرفت أحمد اللباد أول ما عرفته إنساناً وليس فناناً، وياااا له من إنسان.. هذه الشهقة شهقها كل من عرف أحمد اللباد عن قرب أو عن بعد، والله. إنه مثال المصري الطيب الأصيل الحذر المحب للدقة والجمال. لا أحب هذا الوصف، أقصد «المصري الأصيل»، لكنه مفصَّل على اللباد، روح الشعب المصري المحبة والقرفانة من الشعب المصري، القلة المندسة، المليون في شعب الميت مليون، روح ثورة يناير (ومعها هَبَّة يونيو المستلبة أيضًا) الحزينة هذه الأيام.. الحزينة؟! نعم الحزينة والتائهة للأسف، ولكن المؤمنة والمتأملة أيضاً بأن روحاً ستنبثق، وأن شعبًا سينهض، وأنه يستاهل النهوض. واللباد تجربة في الثورة، كان علمًا ومَعلماً في ميدان التحرير، شارك كمتظاهر دوؤب ومندفع ومصمم في “ثورة يناير”، بل إنه من الهاتفين بها والساعين إليها في الربع قرن الأخير، وهو يؤرخ لتجربته من 25 يناير الى 30 يونيو، وأأرخ ما في تأريخه أنه لم يقصد التأريخ، وأنه عمليًا سجل على الأقل الأيام المفصلية من “ثورة 25 يناير” حتى يونيو تصويرًا وكتابة.

طبعًا كل الفنانين يحبون الكتابة، ومعظمهم أنتج فيها، واللباد الكبير قعدها تقعيدًا في نظر، لكن ميزة كتابة أحمد اللباد أنه يكتب بوجل بل بتقديس للكتابة، ويكتب بنصف عين، يكتب كأنه لا يكتب. ومن هنا اختياره أن ينشر كتاباته على “فيس بوك”، وليس في مطبوعة صحفية، رغم أنه دقيق فيما يكتب بالنقطة والفاصلة، ودقيق في المعلومة، ودقيق في الأحكام، معتمدًا على لغة بسيطة ودقيقة وشخصية، تخصه هو وحده، أسلوبًا وتجربة وأحيانًا مزحة مدوية. وأنا أعتقد أنه أنهى كتابًا عن تجريته من يناير حتى يونيو، نشر منه الكثير على صفحته الشخصية على فيس بوك، وأتوقع ويتوقع كثيرون أن يكون سجلاً واسعًا شيقًا ودقيقًا لكل ما جرى.

 
×