يبدو أن الجدال القائم حول موسيقى المهرجانات والإنتاج الفني عمومًا في المنطقة العربيّة يغفل مواضيعاً أساسيةً تتعلّق بالنوع أو النمط الموسيقي، ولغوية الموسيقى، والهوية الموسيقية. لا شك أن الحديث في هذه المواضيع ليس بالأمر البسيط، ولعل مردّ ذلك هو في ضعف وعدم علميّة التعريفات المستخدمة محليًا لهذه المصطلحات. وهو أمرٌ من الممكن أن يكون قد ساهم فيه قلّة المختصّين في علم الموسيقى المشرقيّة والعربيّة طوال ما يقارب القرن في هذه المنطقة، مما فتح مجالاً واسعاً للعاملين في الصحافة والإعلام والتاريخ وغيرها من مجالات للاجتهاد. في المقابل، تتردّد مصطلحات مثل “فن هابط” و”كلاسيكيات” و”موسيقى الزمن الجميل” في محاولة لتعريف ووصف الظواهر الموسيقية.

إذا حاولنا مقاربة هذه المصطلحات من وجهة نظر موسيقية مختصّة، لا نجد مكانًا لعبارة “فن هابط”، إذ أنّ ما يتمّ تسميته بالفن الهابط يمكنه أن ينضوي تحت خانة “الموسيقى الشعبية”. ويتميّز هذا النوع من الموسيقى، أي الشعبية، بجملة لحنية وإيقاعية غير مركّبة وبتكرار لحنيّ وببساطة في الكلمات المستخدمة مما يُمَكّن المستمع من حفظها وتردادها بسهولة. وبالتالي، تنتشر هذه الموسيقى في أوساط واسعة من المستمعين لأنها سهلة الحفظ والفهم والولوج.

أما إذا حاولنا مقاربة مصطلح “كلاسيكي” أو “كلاسيكيات” من وجهة النظر عينها، فعلينا أن نبحث عن مرادف لكلمة “كلاسيك” في اللغة العربية ومن ثم تحديد خصائصها ليكتمل المعنى. بحسب المعاجم، تعني كلمة “كلاسيك” فصحى بالتالي يعني مصطلح “الموسيقى الكلاسيكية” الموسيقى الفصحى. ولهذه العبارة دلالات وخصائص موسيقية ترتبط بخصائص وهوية ثقافة معيّنة. كما لو قلنا “موسيقى مشرقية كلاسيكية” أو “موسيقى مشرقية فصحى”، فهي ترتبط بما يُعرف بالموسيقى المشرقيّة الفنيّة.

يتميّز هذا النوع من الموسيقى، أي الفنّية، ببناءٍ وتعقيدٍ في الجملة اللحنية والإيقاعية، وبقالبٍ موسيقي مُرَكّب. وبالتالي، تنتشر هذه الموسيقى عند فئة محدودة من المستمعين الّذين يستطيعون فهم تركيبها وتعقيدها.

أما بالنسبة لمصطلح موسيقى أو أغاني “الزمن الجميل”، فيكثر استخدامه من قِبل المحطات الإعلامية ومن خلالها الجمهور الواسع، وهو مصطلحٌ نابعٌ من مُنطلقٍ سياسي واجتماعي يُظهر حنينًا ما إلى فترة سابقة وهي أواسط القرن العشرين. فهو مصطلحٌ إعلاميّ بامتياز ليس له أي دلالة علمية أو موسيقيّة تشير إلى المحتوى أو اللغة الموسيقية لتلك الفترة.

لم تكن الموسيقى في أي زمن إلّا أداة وطريقة تعبير تعكس حالة مجتمع معيّن من حيث المواضيع المعالجة والأنماط الموسيقيّة المستخدمة. فهناك العديد من الأمثلة لقوالب موسيقيّة تنتمي إلى الموسيقى المشرقيّة الفصحى كالأدوار والموشّحات من القرن التاسع عشر تحمل كلمات أو معاني غير فصيحة بحسب مفاهيمنا اليوم وذلك بالرغم من بلاغة ألحانها. وبالمقابل يوجد العديد من الأغاني والأهازيج الشعبيّة التي تحمل كلمات ومعاني فصيحة بالرغم من بساطة ألحانها.

يبدو لنا إذًا أنّ الإشكاليّة ليست في طريقة التعبير في الموسيقى ولا في تعدّد الأنماط الموسيقيّة، إنّما في عدم الوضوح في المصطلحات وكيفيّة استخدامها من جهة، وفي هيمنة نوع أو نمط موسيقيّ واحد (كالموسيقى الشعبية الاستهلاكيّة اليوم) من جهة أخرى. يظهر كل ذلك إلى جانب قلّة الإنتاج والتغييب الإعلامي لأنماطٍ موسيقيّة أخرى كالموسيقى المشرقيّة الفصحى.

أما السؤال عن جذور هذا الواقع فقد يحتاج إلى أبحاثٍ مُعمّقة في تحديد الأسباب الاجتماعية والثقافيّة والسياسيّة التي أدّت إلى إنتاجٍ فنيّ غير متنوّع، وإلى تجهيل المستمعين عن قدرتهم لتحديد ما يسمعونه وإلى انتشار المصطلحات عشوائيًا. بعدها يمكن محاولة معالجة التصنيفات غير الدقيقة والتعميميّة للموسيقى.

 

* من ملف: من أين يأتي الأمل في قَفْر؟

 
×