تأسست وزارة للثقافة في لبنان عام 2000. قبل هذا التاريخ كان القطاع الثقافيّ ملحقًا بالتعليم منذ استحداث وزارة الثقافة والتعليم العالي عام 1993. أمّا عام 2008، فقد تمّ إقرار مجموعة من القوانين التي أعطت وزارة الثقافة تنظيمها الحالي فأصبحت تضمّ تحت جناحها: مديريّة الآثار والمتاحف، والمتحف الوطني، والمعهد العالي الوطني للموسيقى (بفروعه)، والمكتبة الوطنية (في الصنائع وبعقلين وشبكة المكتبات العامة بفروعها)، والمتحف الافتراضي، والمركز الدولي لعلوم الإنسان، واللجنة الوطنية اللبنانيّة للتربية والعلم والثقافة. أمّا ميزانيتّها فلا تصل إلى 1% من ميزانيّة الدولة؛ فهي مولجة بكل المهام المذكورة بميزانيّة سنويّة تساوي تقريبًا ميزانيّة 4 مراكز ثقافيّة مستقلّة في بيروت فقط.

وبالتالي، يمكن لأي مواطن، عاملٍ في القطاع الثقافيّ أم لا، أن يسأل: هل لدى الوزارة بيانات وقوائم بالفنانين والمراكز الثقافيّة والفنيّة في لبنان؟ هل لدى الوزارة إحصاءات حول الجمهور في المركز والأطراف؟ ميولهم؟ حاجاتهم؟ هل لدى الوزارة خطّة محدّدة زمنيًا وميزانيّة واضحة من أجل تنظيم ودعم القطاع الثقافيّ؟ هل الوزارة هي المبادرة في الرقابة على المنتجات الثقافيّة؟ الجواب على هذه الأسئلة هو: لا.

كيف يعمل هذا القطاع إذًا؟ وكيف تتمّ عمليّة الرقابة على الأعمال والمنتجات الفنيّة والثقافيّة؟

من أجل تبسيط الإجابة، يمكن القول أنّ واقع القطاع الثقافيّ في لبنان يشبه إلى حدّ كبير القطاعات الاقتصاديّة الأخرى. من ناحية، هو قطاعٌ يعتمد على رعاية المموّلين من القطاع الخاص كالمصارف والشركات الكبيرة والعائلات. ومن ناحية أخرى، هو قطاعٌ يعتمد على التمويل الخارجي من خلال المنظمات والمؤسسات المانحة. فتكون الوزارة في هذه الحالات، إمّا وسيط تمرّ تمويلات المشاريع الرسمية من خلاله، أو مجرّد راع معنوي للفعاليات الثقافيّة. ناهيك عن غياب الوزارة عن دورة التمويل التي تأتي إلى المؤسسات الثقافيّة المستقلّة بشكل مباشر (وهي النسبة الأعلى). إنّ هذا النهج الذي تم إرساءه في لبنان ما بعد الحرب الأهلية سمح من ناحية بإنماء قطاع ثقافيّ مستقلّ يعمل في شتّى المجالات الثقافيّة في المركز والأطراف (وإن كان لا زال يعاني من المركزيّة إلى حدّ كبير)، ولكنّه، من ناحيةٍ ثانية، ساهم بإضعاف الوزارة كقطاعٍ عامٍ وبالتالي حصر دورها وتقليصه.

السؤال في القطاع الثقافيّ، شأنه شأن القطاعات الأخرى، هو كيفيّة إدارة المال العام

أمّا فيما يخصّ الرقابة، فإنّ توثيق حالات الرقابة على الأعمال الفنيّة تشير في السنوات الماضية إلى أنّ جهاتٍ عدة غير وزارة الثقافة قامت بالمنع أو القمع أو المحاسبة. تضم هذه الجهات مكتب الرقابة التابع للأمن العام، والسلطات الدينيّة على اختلافها، إلى جانب مكتب مقاطعة “إسرائيل” الذي يعمل على إيقاف الأعمال الفنية المرتبطة بالاحتلال. وبالتالي، لا يمكن الادعاء بأنّ لوزارة الثقافة في لبنان دورًا فاعلًا في تصنيف المهن الثقافيّة وتحديد مجالاتها بشكل يسمح لها بوضع خطط داعمة للقطاع، كما لفرض شروطٍ عليه.

هل يريد القطاع الثقافيّ المستقلّ أن تقوم الوزارة بتفعيل دورها، وبالتالي أن تتمكّن من فرض شروط على العاملين فيه؟

لا ريب أنّ معظم العاملين في القطاع سيجيبون بالنفي. فإنّ العمل دون قيدٍ أو شرطٍ يعطي هامشاً واسعاً من حريّة الإبداع والتعبير للعاملين في القطاع من مؤسسات وأفراد. وهو حقّ من الطبيعيّ أن يتمسّك به الأفراد والمجموعات. ولكن هذا الجواب ينطلق من اعتبار أنّ تفعيل دور الوزارة يساوي فتح باب إضافيّ للرقابة على الأعمال والمنتجات الفنيّة، وبالتالي تضييق مساحة الحريّة والإبداع.

ولكن، إذا ما ذهبنا أبعد من مجرّد تخيّل دور الوزارة كأداة إضافيّة للرقابة، نستطيع طرح مفهوم السياسات الثقافيّة التي تتشارك مسؤوليّة وضعها وسير تنفيذها وتطويرها جهات عدّة. هذه الجهات هي من ناحية الأجهزة الإداريّة التنفيذيّة الرسميّة في البلاد (كالوزارة والبلديّة)، ومن ناحية أخرى المؤسسات المعنية في القطاع المستقلّ والنقابات إلى جانب الجهات الرسميّة التشريعيّة (ودورها في سنّ قوانين جديدة راعية لعمل هذا القطاع وتطوير القوانين الموجودة). من هذا المنطلق، نجد أنّ غياب الدور الفاعل للوزارة هو غيابٌ للمبادِر الذي تقع عليه مسؤولية التخطيط وتأمين الدعم المالي واللوجستي من أجل إنماء قطاعٍ يمكن أن يكون مساهمًا أساسيًا في الاقتصاد، مثلما تحلّ الثقافة كقطاعٍ منتِجٍ في نماذج اقتصاديّة عدّة حول العالم. فالوزارة التي يمكن لها أن تحمل طموحات هذا القطاع ومرامي العاملين فيه، لا يمكن أن تتموضع كرقيبٍ عليه أو راعيًا له. فالسؤال في القطاع الثقافيّ، شأنه شأن القطاعات الأخرى، هو كيفيّة إدارة المال العام. يمكن تصوّر أن تكون الوزارة شريكًا أساسيًّا في إدارة هذا المال، إذا أتت ضمن سلطةٍ عادلةٍ تعمل على إتاحة الثقافة للجمهور الواسع، وتسهيل عمليّة إنتاج الثقافة ضمن المجتمع بعيدًا عن المركزية وعدم التوازن في الاستقطاب الثقافيّ بين المجالات من أجل إنتاج ثقافيّ مجتمعيّ سليم.

 

* من ملف: من أين يأتي الأمل في قَفْر؟

 
×