سام ميلر*

ترجمة: علاء سند بريك هنيدي

ما زال ماركس أبعد ما يكون عن النسيان، حتى بعد أكثر من قرن على وفاته، لا سيما عند أولئك الذين يخشون إرثه السياسي ويحتقرونه. وعلى مدى عقود، كابدَ ضريح ماركس سلسلة من الهجمات المسعورة: جُرَّ تمثاله بالحبال، وأُلقيت عليه قنبلة إنبوبية قبل زهاء أربعين سنة أضرّت بواجهته الأمامية، وكُتبت عليه عبارات مسيئة. لكن ضريحه اليوم، عَقِبَ الأذى الأحدث عهداً، “لن يعود قطّ كما كان”. ووفقًا لإيان دونجافيل (رئيس مجلس أمناء أصدقاء مقبرة هاي جيت)، فإنَّ نُصب ماركس، على الرغم من إصلاحات الخبراء، سوف تبقى عليه ندوب هذا التخريب إلى أجل غير مسمى.

وقع أول الحادِثَين الأقرب عهداً في الرابع من شباط/فبراير 2019، حيث كُسِرَ بالمطرقة اسم ماركس المحفور على الشاهد الرخامي الأصلي العائد إلى عام 1883. وقع الحادث الثاني في الخامس عشر من شباط/فبراير 2019؛ حيث كُتبت بطلاء أحمر زاهٍ عبارات مثل “مهندس الإبادة الجماعية” و”عقيدة الكراهية” و”النُصب التذكاري للهولوكوست البلشفي”. غطت هذه الكتابات كلمات ماركس الأخيرة في البيان الشيوعي، “يا عمال العالم اتحدوا”، والأطروحة الأشهر من الأطروحات حول فيورباخ “لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم وفهمه بطرق شتى؛ لكن المهم هو تغييره”. التعارض بين رسائل الأمل التي كتبها ماركس وتلك اللطخات العدوانية التي غطتها واضحة أشد الوضوح.

ضريح ماركس: تاريخ موجز

توفي ماركس في الرابع عشر من آذار/مارس 1883 بسبب التهاب الشعب الهوائية ودُفن بُعيد أيامٍ إلى جانب زوجته جيني في المقبرة الشرقية من هاي جيت شمال لندن. وكما يذكر فيليب شيلدون فونر في كتابه عندما توفي ماركس: تعليقات في عام 1883، فقد حضر الجنازة إلى جانب الأسرة مجموعة صغيرة من الأصدقاء المفجوعين، وكان من بين هؤلاء وأولئك فريدريك إنجلز وإليانور ماركس وبول لافارج وفيلهلم ليبكنخت. ألقى إنجلز كلمة التأبين، وأشاد بصديقه كعالم وثوري عظيم:

“مثلما اكتشف داروين قانون التطور في الطبيعة العضوية، اكتشف ماركس قانون التطور في التاريخ الإنساني… كان هذا رجل العلم. لكن هذا ليس كلّ شيء، فالعلم بالنسبة إلى ماركس قوة ثورية وديناميكية تاريخية… لقد كان ماركس قبل أي شيء ثورياً”.

لسنوات عديدة، استقر ضريح ماركس في حيّز صغير في هاي جيت. اشتمل هذا الحيز على جثامين ماركس نفسه وزوجته جيني وحفيدهما هاري لونجه ومدبِّرة الأسرة هيلين ديموث. لكن الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني كان يرغب في نُصب أَلْيَق. وما إن توفي ماركس حتى اقترح أوغست بيبل في مؤتمر الحزب إقامة نُصب لقائدهم المتوفى. ووفقًا لبيبل، فإنَّ مثل هذا النُصب لن يكون ضخماً، لكنه تعبير عن امتنان الطبقة العاملة.

رأى إنجلز أنَّ إقامة نُصب ربما يكون أمراً منافياً للذوق، فكتب لبيبل:

“لا أعلم ما الذي يجب فعله بشأن إقامة نُصب لماركس. العائلة تعارضه. إذا ما أقيم نُصبٌ تذكاري فسوف يُدَنسُ في أعينهم الضريح البسيط المصمم لزوجته ويحمل الآن اسمه واسم حفيده الصغير”.

كرر ليبكنخت في مذكراته ما قاله إنجلز، فكتب:

“لم يُرِد ماركس “نُصباً تذكاريًا”. والرغبة في إقامة أيِّ نُصبٍ تذكاري لمبدع البيان الشيوعي ورأس المال خلاف ذلك الذي بناه لنفسه لهي إهانة للفقيد العظيم. فهو لم يكن، في عقول وقلوب ملايين العمال الذين “اتحدوا” بناءً على ندائه، مجرد نُصب تذكاري أبقى من البرونز، بل أيضًا التربة الحية التي سيصبح فيها ما علّمه ونشده واقعاً، بل أصبح كذلك بالفعل في جزء منه”.

أيديولوجيا اليمين المتطرف هي ما يقف وراء عمليات التخريب التي استهدفت ضريح ماركس

كان ضريح ماركس موقع المواكب الثورية التي احتفلت بذكرى كومونة باريس. كما كان الموقع الذي تجمّع عنده لينين وغيره من الديمقراطيين الاشتراكيين الروس في نهاية مؤتمرهم في لندن في عام 1903. وعلى مدى السنوات العشرين اللاحقة، عانى الضريح الإهمال. وتغطى بمزيد من الأعشاب والحشائش. وهذا ما دفع الحزب الشيوعي البريطاني في عام 1922 لإصدار نداء “لترميم ضريح كارل ماركس المهمل”. وجُمعت تبرعات لتمويل العناية بضريح ماركس، لكن شيوعيين آخرين رأوا أنَّ هنالك حاجة إلى تكريم أَليَق يحتفي بأثر ماركس في الحركة الاشتراكية.

رأت صحيفة العامل (The Worker) لسان حال حزب العمال (الشيوعي) في الولايات المتحدة، أنَّ ماركس يستحق ما هو أفضل بكثير من مجرد قبرٍ بسيط عادي:

“نشعر أنَّ شيئًا أنسب من شاهدة قبر صغير يجب أنْ يكون علامة على المثوى الأخير لفيلسوف الطبقة العاملة الأعظم هذا.

تُعنى الرأسمالية بنفسها. تفتخر باريس بقبر نابليون. يزيّن قبر الجنرال جرانت شارع ريفرسايد درايف في مدينة نيويورك. وأقيم مؤخراً نُصب تذكاري متقن لأبراهام لنكولن في واشنطن العاصمة. وكذا الأمر، في كلّ مكان آخر.

ما الذي يمنع العمال من تكريم المثاوي الأخيرة لأولئك الذين قاتلوا وضحوا من أجلهم. يزور قبر ماركس في كلّ عام آلاف القادمين من كل حدب وصوب. يجب أنْ تغادر هذه الآلاف قبر ماركس وفي أذهانها انطباع مناسب”.

حقق الحزب الشيوعي البريطاني هذه الرغبات في نُصب تذكاري بارز في عام 1956. وجدوا موقعًا جديدًا للضريح، حيث ترقد عائلة ماركس الآن، ومعها رماد إليانور ماركس. وثمة تمثال برونزي ضخم لماركس على صخرة من الجرانيت. صمَّم الضريح لورنس برادشو وأراده أنْ يكون “لا نُصباً تذكاريًا لإنسان فحسب بل أيضاً لعقل عظيم وفيلسوف عظيم”. وأراد برادشو توصيل ما يتّسم به عقل ماركس من “قوة دينامية”؛ فبدلاً من أنْ يشمخ النُصب فوق الناس، كان القصد من التمثال النصفي التفاعل مع الزوار على المستوى البصري ذاته.

على مرّ الأجيال، قصد الزوار من جميع أنحاء العالم الضريح، آلافاً من البشر في كلّ عام. وفي عام 1999، صُنِّفَ ضريح كارل ماركس موقعاً من الدرجة الأولى، وهو “أعلى تصنيف مخصص للمباني والهياكل ذات “الأهمية الاستثنائية”.

مقاومة النشور

بالنظر إلى تصاعد الفاشية العالمية وتزايد الاهتمام بالاشتراكية على نطاق عالمي، ليس بالإفراط أن نفترض أن تكون أيديولوجيا اليمين المتطرف هي ما يقف وراء عمليات التخريب التي استهدفت ضريح ماركس. وثمة تقارير مؤخراً عن انتهاك الفاشيين للقبور في فرنسا، ورسم الصليب المعقوف على القبور اليهودية. والحال، إنَّ قبر ماركس تعرّض، في عام 1960، للتخريب بالطريقة ذاتها. ووفقًا لتقرير النيويورك تايمز في الخامس من حزيران/ يونيو 1960:

“عُثِرَ على رسمين لصليب معقوف باللون الأصفر … على النُصب التذكاري أعلى ضريح ماركس، أبو الشيوعية، في مقبرة هاي جيت. وقد كُتبت شعارات بالألمانية مفادها إنَّ كاتبها يحبّ أدولف إيخمان، الزعيم النازي المحتجز آنئذ في إسرائيل.

لماذا تتماشى الأيديولوجية الفاشية وانتهاك القبور؟ ليس ذلك مجرد صدفة، كما يشير مارك نيوكليوس في بحثه حول الصلات الجوهرية بين الفاشية والموت. وفقًا لنيوكليوس، يخشى الفاشيون من أن أعداءهم الموتى ليسوا موتى بالمعنى الفعلي، بل “موتى أحياء”، موتى يمكنهم –على نحو غامض– أن يعودوا إلى الحياة.

انتهاك القبور، كما يرى نيوكليوس، جزء لا يتجزأ من الإرهاب الفاشي. ووفقًا للشريعة اليهودية، فإنَّ “معاملة جثّة من دون احترام تنطوي على اعتقاد بأنَّ الموت مبرم لا رجعة فيه”. وبعبارة أخرى، فإنَّ معاملة الموتى من دون احترام لا تترك أملاً بنشورهم.

انتهك الفاشيون المقابر اليهودية لأنَّه لم يكن يكفي أنْ يموت من فيها بيولوجياً؛ وما عناه انتهاك القبور هو أنَّ الفاشيين لا يعتقدون أنَّ هؤلاء قد ماتوا بما موتى يكفي. وكما يقول نيوكليوس، فإنَّ الفاشي “غير القادر على الانخراط الفعلي في صراع عالم الموتى الأحياء هذا، يكون مجبراً على اختيار ثاني أفضل الخيارات: مهاجمة القبر”.

تهدف هذه الغارات على ضريح ماركس إلى منعه من العودة إلى الحياة؛ لا بالمعنى الحرفي بالطبع، بل بالانبعاث المجازي للحركة الاشتراكية. وكما قال فالتر بنيامين مرّة، حتى الموتى ليسوا في مأمن من الفاشية؛ وفي هذه الحالة، حتى ضريح ماركس ليس في مأمن.

ليس ضريح ماركس، بالنسبة إلى الفاشيين، موقع شخص ميت، بل شيء يُهدد بالعودة. والماركسية هي العدو الأبدي للمخيلة الفاشية. ليس ماركس بالميت، بل ميت حي. وهم يخشون أنَّه لا يزال يؤثر في تاريخ العالم من داخل الضريح. والأسوأ من ذلك، أنهم يخشون من أن تكون الحركة الاشتراكية منكبّة على إعادة ماركس من عالم النسيان.

إذا ما أُطيحَ بالرأسمالية يوماً وانتقلت البشرية من ما قبل التاريخ إلى التاريخ الحقيقي، فلن يكون ماركس مجرّد شبح؛ بل سيكون من المخلّدين.

 

* كاتبة أمريكية، مجازة في الفلسفة من جامعة كولومبيا.

* ماركس لم يوارَ الثرى: Karl Marx Isn’t Buried، منشور في موقع “Jacobin” بتاريخ 8 آذار 2019.

 
×