ترجمة نوفل نيّوف

1- أغنية عن كلبة 

ذاتَ صباحٍ كلبةٌ، في عنبر الجاودارْ،
حيث أسمالٌ من الليف تنوِّر الجدارْ،
جاءت إلى الدنيا بسبعةٍ من الجِراءْ،
بسبعةٍ صُفْرٍ كما الحنّاء.
حتى المساءِ داعبتهمُ،
ومشَّطتهمْ، مِشطُها اللسانْ،
وكان تحت دفءِ بطنِها
يذوب قشرُ الثلج باطمئنانْ.
ومع حلولِ لحظةِ الغروبِ، حينما
يجثو على أعواده في العنبر الدَّجاجْ،
مقطِّباً أتى صاحبُها الفلاحْ
وحمل الجِراءَ في كيسٍ وراحْ.
فأسرعت تتبعه الأمُّ،
تشقُّ كثباناً من الثلِجِ، يهدّها الهمُّ
راكضةً كي لا يغيبَ بالجراءْ…
وكان ماءُ النهرِ سارحاً، مرتجفاً، رجراجْ.
وعندما عائدةً تقهقرتْ قليلا
تلعق ما سال من الماء على جنبَيها،
تخيَّلت أنّ الهلال فوق البيتْ
جروٌ هناك من جِرائها.
فحدّقت في زُرقة السماءْ،
وكشَّرت، وأطلقت نشيجها الرنّانْ،
فيما الهلالُ ناحلاً يدورُ هابطاً
خلْف التلال في الحقولْ.
ومثلَ كلبةٍ يمازحونها
ألقوا عليها حجراً، كصدَقةْ،
خبا نشيجُها، وانهال فوق الثلج دمعُها
مثلَ نجومٍ من ذهبْ.

1915

2- اعتراف أزعر
(ملحمة صغيرة)

لا يُحسِن الغناءَ أيٌّ شاءْ
و لا مقدّرٌ لكلّ من أرادَ
أن يكونْ
تفاحةً ناضجة في جنّةِ الغُرباءْ.
ها أعظمُ اعترافْ
يُدلي بهِ أزعرْ.
عَمْداً أسيرُ أشعثَ الشعرِ
رأسي على كتفيَّ كالقنديلْ.
أريدُ أن أضيءَ في الظلامْ
عُريَ الخريفِ في جوارحِ الأنامْ
يُعجبني رجمي بأحجارِ الشتائمِ
كأنها عاصفةٌ تجشّأتْ بَرَدْ.
فأكتفي بأنْ أشُدَّ قَبضتي
على هياجِ شعريَ الزبدْ.
عندئذٍ يطيب لي استذكارْ
البركةِ المهجورةِ
وبُحّةً في رنّةِ الأشجارْ،
وأنّ والديَّ زاهدانْ
بكلِّ ما كتبتُ من أشعارْ.
غالٍ عليهما أنا كالحقلِ، كالوِلْدانْ
كمطرٍ يرطّبُ الأعشابَ في نيسانْ
لو عَرَفا لاستخدما المِذراةْ
في طعنِكم لقاءَ كلِّ صرخةٍ وجّهتموها لي
مسكينةٌ أمّاهُ، مسكينٌ أبي الفلاحْ!
لعلّها الأيّامُ أورثتْكما القبحَ، فلا أفراحْ،
ما زلتما نهباً لخوفِ اللهِ والمستنقعاتْ.
واحسرتي، لو تفهمانْ
أنّ ابنَكُمْ كشاعرٍ
متوّجٌ في روسيا سلطانْ!
كم فيكما الفؤادُ قد تجمّدا
خوفاً على حياتهِ
إذْ كان يمشي حافياً
في مطر الخريف أو نُقراتِهِ!
والآن في قبّعةٍ عاليةٍ
ويرتدي أحذيةً وهّاجةَ اللّمَعانْ.
لكنّه محتفظٌ بظُرفه القديمْ
مشاكسٌ قرويّ.
ومِن بعيدٍ ينحني
لصوَرِ الأبقارِ فوقَ مدخلِ القصّابْ
وحين يلتقي الحوذيَّ في الساحاتْ
يشمُّ عطرَ الروثِ والحقولْ،
يُحسُّ أنّ في مقدورِهِ
أنْ تحملَ اليدانِ ذيلَ الخَيلْ
كأنّ فيهما أطرافَ ثوبِ العرسْ.
ذا وطني الحبيبُ، كم
أحبُّهُ مِن وطنٍ!
برغم ما يعلوه من كآبةِ الصّفصافِ كالصدأْ.
يعجبني خنزيرُه الملطّخُ الخطمِ
وضفدعٌ نقيقُه يرنّ تحت هدأةِ النجمِ.
فمُدنَفٌ بذكرياتٍ مِن طفولتي أنا
أحلمُ بالضباب والرَّذاذ في أماسيِ الربيعْ
كأنّ سنديانَنا
مقرفِصٌ أمامَ نارِ الفجرِ
يستلهمُ الدّفءَ.
لَكَمْ تسلّقتُ ذُرى أغصانِهِ
أسرقُ بَيضَ الطيرِ مِن أعشاشِهِ!
أما يزال السنديانُ الآن أخضرَ الأعالي،
ذا قشرةٍ متينةٍ أحفظُها في بالي!
وأنتَ يا حبيبي
يا كلبيَ الوفيَّ دونَ ريبهْ
هل جعلتْكَ السنُّ أعمى مفرِطَ الهريرْ
تجرُّ ذيلَكَ الذليلَ إذْ تسيرْ
لا تعرف البابَ مِنَ الزريبهْ.
أوّاهِ ما أغلى عليَّ شيطناتِنا
إذْ نخطِفُ الرغيفَ مِن أمّي أنا
ونبتدي تناوُبَ التهامِهِ
فلا نُضيعُ منه شيءْ.
لم يغيّرْني الزمنْ
لم تغيّرْ قلبيَ المِحَنْ.
وملء وجهي تُزهِرُ العينانْ
سوسنتينِ في مرجٍ منَ الشوفانْ.
أبسِطُ أشعاري حريراً مِن ذَهَبْ
أتمنّى لَكُمُ أمنيةً طيّبةً.
عِموا مساءً كلّكمْ،
عِموا مساءً، يا بني البَشرْ!
فقدْ أتتْ مناجلُ الليلِ على سنابلِ الغَسَقْ…
أوّاهِ، ما أشدَّ رغبتي اليومَ بأنْ
أخطفَ مِن شُبّاكِنا القمَرْ…
والنورُ، يا لزُرقةِ النورِ على أَشُدِّها
لا حسرةً حتّى إذا ما مُتُّ في صفائِها.
ما همّ أن أبدو لكمْ مستهتراً
على عجيزتي أُعلِّقُ المصباحْ!
فهل أنا بحاجة يا فَرَسي العجوزَ، يا بيغاسْ
لِعَدْوِكَ الرشيقِ بينَ الناسْ؟
لقد أتيتُ ماهراً وثابتَ الجَنانْ
مِن أجْلِ أنْ أُمجّدَ الجرذانْ.
كأنّ رأسي شهْرُ آبْ
يهطلُ منهُ خمرُ شعريَ الصّخّابْ
يا ليتني الشراعُ أصفَرُ الإهابْ
في البحر نحو عالمٍ نقصدُه، ينساب.

1920

3

لستُ أشــكو أو أســتغيثُ وأبكـي
كلُّ شـيءٍ يمــرُّ مثـــلَ الدخـــانِ
أدركتْني شــمسُ الغـروب وإني
لن يعودَ الشــبابُ طـوعَ بَنانــي
أنتَ، يا قلبُ، لن تعــودَ إلى النبـ
ـضِ كما كنتَ، قد غزاك البرودُ
والبلادُ الزرقاءُ كالحَــور لونـــاً
ليس تُغري بالمشيِ فيها النجـودُ
أيُهــا الــــروحُ، يا فقيــرُ! قليـــلاً
صـرتَ تغــذو الشــفاهَ بالنيـــرانِ
يا صِبايَ المفقودَ، يا عنـفَ عيني،
يا فيــوضَ الشــعور والوجــدانِ!
ها أنا الآنَ بالرِّغــــاب شحيـــحٌ،
بحيـاتــي حلمتُ، أم بكِ أنـــــتِ؟
لكأنّي في عـــزِّ فجـــرٍ، ربيعــاً،
كنتُ أعـدو على حصانٍ كُميـتِ
كلُنــا، كلُّنــا إلى الموت نمضي
ونحـاسٌ مـن قيقبـــاتٍ يســـيلُ
قد تباركتَ في الزمــانِ جميعاً
من أتى يبتغـــي السـنا ويزولُ

1922

4

بوسيني، هيّا بوسيني
حتّى النزفِ وحتّى الألمِ
نيرانُ فؤادي حارقةٌ ـ
خصمٌ لبرودِ دمي.
الكأسُ المقلوبةُ في سهرهْ
ليس تليق بنا
فلتعلمْ صاحبتي أنّا
نحيا في الدنيا مرّهْ!
بطمأنينة عينيكِ التَفِتي
عبْر رطوبة هذي الظلْمهْ
تجِدي البدرَ غُراباً أصفرْ
يتراقص مثلَ النسمهْ.
بوسيْني! هذا ما أرجو
نفدتْ أغنيةُ العمرِ
يبدو من دوَران القمرِ
إدراكُه أنّي لن أنجو.
يا هذا العمرُ الهاربُ مهْلا!
إن كان الموتُ فأهلا!
سأقبِّل هاتينِ الشفتينْ
حتّى يُدركَني البَينْ.
ولْيتردَّدْ في أحلامٍ زرقاءْ
من دونِ حياءٍ أو إخفاءْ
مع همساتِ الليلكْ
“إنّي لكْ”.
ولتبقَ الرغوةُ طافيةً
نوراً في الكأسِ الثرّهْ
ولتشربْ صاحبتي، غنِّي،
إذ نحيا في الدنيا مرَّهْ!

1925

5
الحياة خدعةٌ ذاتُ حنينٍ فتّاك
سرُّ قوّتها أنها
بيدها الخشنة
تخطّ حروف القدَر.

دائماً، حين أُغمِض عينَيّ،
أقول: “ما إن تلمس القلب،
الحياةُ خدعة ولكنّها أحياناً
تزيِّن الكذِب بالأفراح.

أَدِرْ وجهك إلى السماء العجوز،
مستفسراً عن مصيرك القمر،
مهلاً، أيها الفاني، ولا تطلبْ
تلك الحقيقةَ التي لا تحتاجها”.

في زوبعة الليلك يحسُن
التفكير بأن الحياة درب
وإنْ خدعتْك الصديقات الخفيفات،
وإنْ خانك الأصدقاء الخفيفون.

ليكنْ أنهم يدلّلونني بالكلام اللطيف،
ليكنِ اللسان الخبيث أشدّ حِدّة من شفرة
فأنا لَطالما أعيش مستعدّاً لكل شيء
وبلا رحمةٍ ألِفْتُ كل شيء.

هذه الأعالي تبعث في روحيَ البرْد،
لا دفءَ في نار النجوم.
لقد هجرني من أحببت
ونسيَني من بهم عشت.

مع ذلك، فأنا، المطارَد المنبوذ،
أنظر مبتسماً إلى الفجر،
على الأرض الحميمة الحبيبة
أشكر هذه الحياة على كل شيء.

6

أذكرُ، يا حبيبتي، أذكرُ
بَريقَ شَعرِك…
ليس مفرحاً ولا هيِّناً علَيّ
أنني اضطررتُ لهجرك.
أذكر ليالي الخريف،
وحفيفَ ظلال الحَور…
لئن كان النهار يومها أقصر
فإن ضوء القمر كان أطول.
أذكر أنكِ قلتِ لي:
“سوف تَمضي السنواتُ الزرقاء،
ومع امرأة أخرى،
ستنساني، يا حبيبي، إلى الأبد”.
شجرةُ الزيزفون المزهِرة
ذكّرتْ مشاعري اليوم من جديد.
بأيِّ رِقَّةٍ في تلك الأيام كنتُ أنثر
الزهورَ على الخصلاتِ الجعداء.
قلبي الذي ليس مستعدَّاً للبرود
وبحزنٍ يعشق غيرَكِ،
كأنه يتذكَّركِ مع امرأة أخرى
مثل أغلى قصّة عليه.

7

ها نحن نرحل شيئاً فشيئا
إلى دار السكينة والنعيم.
ربما آن لي أنا أيضاً
أن أستعدّ قريباً للرحيل.

يا مروج الحور الغالية!
أيتها الأرض! وأنتِ يا رمال السهول!
أمام هذا الرعيل من الراحلين
لا أملك أن أُخفي اضطرابي.

ما أكثرَ ما أحببتُ في هذه الدنيا
كلَّ ما يحيط بالروح من جسد.
سلامٌ على الحَوْر الناشرِ أغصانَه
محدِّقاً بالمياه الورديّة!

ما أكثر ما راودني في السكينة من أفكار،
ما أكثر ما ألّفتُ في سرّي من أشعار،
وعلى الأرض الكئيبة هذه
كنتُ سعيداً أنني أتنفّس وأعيش.

كنت سعيداً أنني أقبِّل النساء،
أدعك الأزهار، وأتقلّب على العشب
والحيوانات التي كأخوتنا الصغار
لم أضربها على رأسها ما حييت.

أعرف أنه ما من أحراش تزهر هناك،
ولا رنين لشوفانٍ كأعناق البجع.
لذلك أمام رعيل الراحلين
دائماً تعتريني الرعشة.

أعرف أنه لن يكون في تلك الدار
هذه الحقول الذهبيةً المشعشعة في الظلام.
لذلك غالونَ عليَّ الناس
الذين يعيشون معي على هذه الأرض.

1924