(Photo Credit: Emmanuel Viverge)

 

يصعبُ تصنيف ميشال سير (1930-2019) في مماته كما في حياته. غاب الرّجل قبل عامٍ تقريبًا بعد أن شارف على التّسعين، تاركًا خلفه نيّفًا وسبعين كتابًا، وعددًا كبيرًا من المقالات والإطلالات والمحاضرات. تُغريك عناوين كُتب سير بقراءتها، لكنّها تتركك بعد القراءة في حيرة من أمرك، لا تعرف إلى أيّ الصّنائع تنسبها، إلى الفلسفة أم إلى العلوم؟ إلى السّرد أم إلى اللّاهوت؟ أتراها أقربُ إلى الحقوق أم إلى التّاريخ أم إلى الميثولوجيا، أو ربّما هي مجرّد تمارين في حبّ اللّغة؟.. لكنّها في الحقيقة، كحال صاحبها، شيءٌ من ذلك كلّه. تنقّل ميشال سير بين معارف شتّى، فكان عند الفلاسفة مجرّد مؤرّخ للعلوم، وعند العلماء والمؤرّخين مجرّد فيلسوف، وعند الجميع دخيلاً يشتغل في غير مجاله. في الواقع، كان سير مفكّرًا من طراز غريب، لم يشتغل في فلسفته على الجواهر ولا على الأعراض كسائر الفلاسفة، بل تفرّد بالاشتغال على أدوات الرّبط فجعلها بذاتها موضوعًا للتّفلسف. وقف على مفترقات الطّرق بين مختلف المعارف ليختبرها كلّها. وفضّل أن يسلك سُبُلاً متشعّبة يُعرّجُ فيها على علومٍ شتّى على أن يسلك دربًا أفقيًا قصيرًا على طريقة ديكارت، يفقدُ المسافرُ فيه الكثير من حلاوة السّفر. الفيلسوف عند ميشال سير موسوعيّ بالضّرورة، حرفته ليست في كونه صاحب اختصاص (spécialiste)، بل في كونه لا اختصاص له (généraliste).

لم يتّخذ ميشال سير معلّمًا أو مرشدًا، رغم أنّه عرف وصادق الكثير من فلاسفة القرن الماضي، وأصرّ كذلك أن لا يتّخذ مريدين يسيرون على طريقته، هكذا يختزل مسيرته: “Ni maître, ni disciple”… انطبعت فلسفتُه بتحوّلات سيرته الذّاتية، وبُنيت كلّها على رجع صدى القنبلة الذّريّة الّتي دمّرت هيروشيما، فكانت عنده بمثابة الحدث/الصّدمة الّذي شكّل وعيه ورسم مسار تفكيره ([1]). أدخلته هيروشيما في معضلة العلوم والأخلاق، وفي أسئلة المسؤوليّة ومصير البشريّة وهموم المجتمع الجديد. ومنذ تلك الأيّام وهو يُحاول أن يتأمّل الصّلة بين العلوم الصّلبة وعلوم الإنسان، ويتبصّر في مستقبل العالم ومصير الأجيال القادمة ومآل الطّبيعة. كتبُ ومؤلّفاتُ سير في مجملها مجموعة رحلاتٍ تاريخيّة، يُطوى فيها الزّمن كقطعة قماش، فتقتربُ الأطراف من بعضها البعض رغم تباعدها، ما يخوّل الكاتب ابتكار صلات وصلٍ لا تخطر للقارئ في بال. ربّما هذه الميزة هي الّتي جعلت الكثيرين يسيؤون فهمه أو يتجنّبون استنتاجاته باعتبارها خلاصاتٍ أقرب للشّعر منها إلى التّاريخ. يقفز بين المتناقضات، هكذا يرى الثّقافة: نوع من التّهجين المُبدع (métissage)، يدمج فيه الأسود بالأبيض، والعلوم بالآداب، والتّوحيد بتعدّد الآلهة… تتناسلُ الأفكارُ عنده من تزاوج المتناقضات من أجل التّفكير بهموم المعرفة والعنف والمعاناة والموت، ومن أجل ابتكار عوالم بديلة وخلق إنسان جديد. هذه هي المهمّة الحقيقيّة للتّفلسف عند سير، هو الّذي ما انفكّ طيلة حياته يأنفُ من المعرفة الّتي تُختزل بالرّطانة والكلمات التّقنيّة، أو من الثّقافة الّتي تُختزلُ بالتّباهي بطابورٍ طويلٍ أمام باب المتحف يوم الأحد أو التّصفيق المتعالي في المعارض وحفلات الاستعراض.

عُرف ميشال سير بتفاؤله بين أقرانه، من دون أن يغرق في أوهام تقدّميّة تُعميه عن الكوارث الّتي يعيشها العالم اليوم. لكنّما هو تفاؤلٌ يولد من رحم الصّراع والمجابهة والإيمان بقدرة الإنسان على منازلة الأزمات، “un optimisme de combat” كما كان يشدّد على التّسمية. كان سير من البارزين الّذين استشرفوا منذ عقود تحوّلات القرن الّتي بدأ البشر باختبار آثارها اليوم، من نضوب الزّراعة -وهو التّحوّل الأبرز في القرن العشرين والّذي يشكّل قطيعة تكاد توازي قطيعة نهاية العصر النّيوليتيّ- إلى تقدّم الطّبّ ونهاية الحروب الكُبرى وارتفاع معدّل أمد الحياة وتمدّد التكنولوجيا وولادة المنصّات الرّقميّة والعوالم الافتراضيّة إلخ… وأفرد سير المجموعة الأخيرة من كتبه ومقالاته ليتفحّص العصر الجديد الّذي نعيش مُستهّله اليوم([2]).

الملكيّة عند الإنسان تجاوزت ما هي عليه عند الحيوان، فلم يعد بالمقدور المواءمة بين تعاظم نزعته في التّملك وبين التوافق مع الطّبيعة والعيش في كنفها دون أن يجيّرها لحسابه

في سياق اهتمامه بأسئلة العصر، كتب ميشال سير في مطلع التّسعينيات كتاب “العقد الطّبيعيّ” ([3]) ليطرح إشكاليّة العالم الطّبيعيّ من منطلقات حقوقيّة. يتتبّع الكاتب في مصنّفه السّياقات التّاريخيّة لتطوّر مفهوم الحقوق، من الحقبة الإغريقيّة (حيث المواطنة حكرٌ على الذّكور الأثينيين الأحرار) إلى إعلان حقوق الإنسان والمواطن عشيّة الثّورة الفرنسيّة ثم ما تبع ذلك إلى اليوم. ويُلاحظ أنّ “الطبيعة” لم تكن يومًا جزءًا من الفاعلين الحقوقيّين على امتداد تاريخ إبرام العقود، أي هي لم تُعتبر يومًا طرفًا ذا حق يُمضى معها عقدٌ تتحدّد بموجبه مسؤوليات المُتعاقدين. من هنا جاءت تسمية “العقد الطّبيعي” كغمز من قناة عنوان “العقد الاجتماعيّ” لروسّو وكتجاوزٍ له في آن معًا. هكذا يكون العقد الطّبيعيّ عبارة عن تصوّر جديد للطّبيعة، يجعلها فاعلاً حقوقيًا، تتحدّد المسؤوليّات تجاهها على هذا الأساس، بحيث لا تعود الطّبيعة مجرّد موجود ساكن يحقّ للإنسان إهمال وجوده أو اعتباره مُلكًا حصريًا له يستنزفه كما يشاء من دون أيّ اعتبار. لا تتلخّص النّظرة الجديدة في مجموعة من قواعد ترشيد علاقة الإنسان بـ “البيئة” وضرورة احترامها كما هو سائد اليوم، بل تتعدّى ذلك إلى اعتبار الطبيعة كيانًا وفاعلاً حقوقيًّا. من هنا، يأتي رفض الكاتب لاستخدام مصطلح “المحيط البيئيّ” (environnement) للتّعبير عن الطّبيعة، لما لذلك من محمولات تدلّ على مركزيّة الإنسان وطَرَفيّة الكائنات الأخرى، كأنّنا نحن البشر نقبع في الوسط والمركز، والبيئة تُحيط بنا وتدور في فلكنا كما يوحي فعلُ الاشتقاق (environner). وعليه، فالقطيعة مع هذه النّزعة المركزيّة تشكّل خطوة أساسيّة في فلسفة سير. فاعتبار الطّبيعة مجرّد هامش مكمّل لحاجيات الوجود البشريّ يجعل منها مملوكة لخدمته هو. والحقّ في الملكيّة، الّذي يستشكل ميشال سير شرعيّته هنا، هو في حقيقة أمره الدّافع وراء التّعدّيات الّتي يمارسها الإنسان على الطّبيعة. فالتّلوّث مثلاً، هو وسيلة في يد الإنسان يفيد من خلالها، ولو عن غير وعي، بأنّ هذا الفضاء ينتمي حصرًا إليه. هذه النّزعة الّتي نلاحظها عند الحيوان مثلاً حين يبول حول منطقة سكناه أو تكاثره كي يحدّد معالم الحَرَم الّذي يحيط بوكره أو وجاره، من أجل أن يُنفّر منه الأغيار ويؤكّد على حقّه الحصريّ في أن يشغله هو وحده دون غيره. هكذا يلوّث الإنسان الطّبيعة ليجعل ملكيّتها كلّها تعود إليه، وإليه فحسب. لكنّ الملكيّة عند الإنسان تجاوزت ما هي عليه عند الحيوان، وخرجت عن ناموس الطّبيعة، فلم يعد بالمقدور المواءمة بين تعاظم نزعته في التّملك وبين التوافق مع الطّبيعة والعيش في كنفها دون أن يجيّرها لحسابه.

هذا الواقع ولّد مأزقًا جديدًا… في البداية، كان الإنسان محكومًا تمامًا بالطّبيعة ومعتمدًا بشكل شبه تامّ عليها، مع هامش بسيط من القدرة على تحويلها والتّحكّم بها. ثمّ مع الحداثة أصبح يطمحُ إلى السّيطرة عليها والتّحكّم بها على ضوء المفهوم الجديد للعلم وما ولّده من تقنيّات جعلت من الأشياء هي نفسها تابعة للإنسان. أمّا اليوم، كما يُلاحظ ميشال سير، فقد أصبح الإنسان نفسه تابعًا للأشياء الّتي سبق وجعلها تابعةً إليه، منذ أن أصبح عاجزًا عن مواجهة تبعات ارتباطه بها وآثار ذلك عليه. استطعنا منذ مطلع الحداثة أن نُجيب عن السؤال الدّيكارتيّ “كيف يمكن لنا أن نتحّكم بالعالم ؟” لكنّنا بتنا أمام سؤال جديد: “كيف يمكن لنا أن نتحكّم بقدرتنا على التّحكّم ؟”. وهذا السّؤال لا ينفكّ يلحّ أكثر فأكثر مع تنامي السّلوك الاقتصاديّ السّائد الّذي ينزع كلّ ضابط يكبح جماح شره الإنسان في إعلان حربه على الطّبيعة وعلى نفسه.

مقاربات ودراسات عديدة ظهرت بعد انتشار فيروس كوفيد-19 ([4])، أشارت إلى الأثر الكبير لسياسة الإنسان مع الطّبيعة في ظهور وانتشار هكذا فيروسات، من التّعدّي على الحياة البريّة وخنقها عبر التوسّع العمرانيّ وتدمير الغابات إلى الاستهلاك العشوائيّ وضرب التوازن البيئيّ والتّنوّع الطّبيعيّ. وربّما يكون ما عاشه العالم هذا العام مقدّمةً لكوارث قادمة ستنتج عن سياسة الإنسان هذه. وإن كان جرسُ الإنذار هذه المرّة قد أتانا على شكل فيروس يمكن تفاديه عبر سياسات الحجر الصّحّيّ ودعم الأبحاث العلميّة لمكافحة انتشاره، فإنّ الإنذارات القادمة يُمكن أن تأتينا بأشكال مختلفة، ابتداءً من فيروسات محتملة تكون أشدّ فتكًا وقوّة وصولاً إلى مفاعيل الاحتباس الحراريّ الّتي، متى وقعت، لن يعود بمقدورنا تفاديها أو الإفلات منها.

في واحد من نصوصه يميّز سير بين الحرب وبين الإرهاب. فللحرب قوانينها الّتي يمكن من خلالها التّفريق بين المُحاربين والمدنيّين، ويمكن تحييد النّساء والأطفال والعجائز. كان المُقاتلون في زمن الإمبراطوريّة الرّومانيّة يرتدون أزياءَ بألوانٍ مُختلفة تِبعًا للجبهة الّتي ينتمون إليها، فيعرف المُحارب عدوّه من حليفه لحظة النّزال. الحرب هي صراعٌ يضبطه نظام حقوقيّ في إطار مؤسّسات قانونيّة، أمّا الإرهاب فلا ضابط له، حيث يمكن استهدافُ أيّ إنسانٍ بدون تفريق، ويصعب أن ترصد فيه عدوّك، أين يختبئ وكيف يظهر لك وأيّ سلاح يستخدم ضدّك. واليوم، يمكن لنا أن نفهم سلوك الإنسان مع الطّبيعة كسلوك إرهابيّ. فالإنسان لا يشنّ حربًا على الطّبيعة فحسب، بل هو يُمارس عمليّات إرهابيّة متحرّرة من كلّ رادع أخلاقيّ أو حقوقيّ. هكذا، يمكن لنا أن نقارب أيضًا كوفيد-19 إذا ما اعتبرناه جرس إنذار، فنفهمه بصفته ردّ فعل موازٍ من الطّبيعة، جاءنا مستخدمًا اللّغة نفسها، فالعدوّ هنا أيضًا مخفيّ وغير ظاهر ويمكن أن يتسبب بموت أيٍّ كان، ولا يمكن تمييز الحليف من العدوّ الّذي ربّما يأتي متخفيًا في قبلة أو مصافحة… هنا أيضًا تحرّرت الطّبيعة في ردّ فعلها من كلاسيكيّات الحرب ودخلت معنا في اللّعبة عينها.

الاستمرار في سياسة التّدمير هذه، لا يؤدّي إلى انتصار طرفٍ على آخر، بل إلى دمار الطّرفين معًا. هكذا يفتتح ميشال سير كتابه “العقد الطّبيعيّ” بتأويل لوحة Duel au Gourdin لفرنشيسكو دو غويا. في اللّوحة ينهمك شابّان محاربان بنزال بعضهما في ساحة خالية، في حين يغرق كلاهما في رمال متحرّكة. استمرار المعركة لن يؤدّي إلى انتصار طرفٍ منهما على الآخر، بل سيودي بهما معًا غرقًا في الرّمال. لا خيار أمام البشريّة اليوم.. إمّا أن نستمرّ في السّياسة عينها، ما يعني موتنا وموت الطّبيعة معًا، وإمّا أن ننتقل من حالة الإرهاب إلى حالة تعاقدٍ حقوقيٍّ يضمن تساكنًا يؤمّن مصالح الطّرفين معًا.

لوحة Duel au Gourdin لفرنشيسكو دو غويا

في كتاب له تحت عنوان “الطّفيليّ” ([5]) يؤكّد سير أنّ صفة الطّفيليّ ليست ماهية ثابتة، بل هي نمطٌ من العلاقة تحكم طرفين أو أكثر، إذ يُمكن أن يتحوّل الكائن من كائنٍ عاديّ إلى طفيليّ، أو العكس، تبعًا لعلاقته بالآخرين وسياق ارتباطه بهم. إن كان البيولوجيّون يعتبرون أنّ البكتيريا والفيروسات والفطريّات وبعض الحشرات هي كائنات طفيليّة دون غيرها من الطّيور والثّديّات والرّئيسيّات، على اعتبار أنّ الأخيرة، على خلاف الأولى، لا تعيش داخل كيان ما وعلى حسابه، فإنّه يمكن لنا، وعلى التّضاد من هذه البديهة البيولوجيّة، أن ننظر إيكولوجيًا إلى الإنسان نفسه على أنّه الطّفيليّ الأكبر على هذه الأرض. فالإنسان يعيش في قلب الطّبيعة، ويحيا على حسابها ويستنزفها دون أن يُبادلها المنفعة. على ضوء ذلك، يتبدّى لنا أنّ المشهد الحقيقيّ ليس في كون كوفيد-19 كان متطفّلاً على حياتنا وأجسادنا طيلة الأشهر الماضية، بل في أنّ البشر أنّفسهم باتوا يتطفّلون على الطّبيعة ككيان. الطّفيليّ الّذي يستنزف مضيفه، ينتهي به الأمر إمّا بالقضاء على نفسه وعلى مضيفه في آن، وإمّا بالإقرار والخروج من نسق التّطفّل (le parasitisme) للدّخول في نسق التّكافل (la symbiose) حيث يستفيد كلّ طرف من الآخر في منفعة متبادلة. هذا هو جوهر التّحوّل الّذي تنطوي عليه الدّعوة إلى عقدٍ طبيعيّ جديد يُنهي حرب الكلّ ضدّ الكلّ بيننا وبين الطّبيعة، تمامًا كما زعم بعض فلاسفة السّياسة أنّ العقد الاجتماعيّ هو تعبير عن تنازل الجماعات البشريّة لبعضها البعض، التّنازل الّذي ساهم في تأسيس فضاء تعايش جديد مع ظهور فكرة الدّولة.

يبقى العقد الطّبيعيّ كما صاغه ميشال سير طرحًا فلسفيًا يستدعي الاهتمام، رغم الإهمال الّذي واجهه به المُشتغلون بالفلسفة والعلوم الإنسانيّة حين صدور كتابه. مع ذلك، فهناك أسئلة كثيرة تفرض نفسها على القارئ حين يلحّ عليه التّفكير من جديد بهذا الطّرح تحت وقع الصّدمة الّتي سبّبها كوفيد-19 في العالم… اختزل ميشال سير الحلّ هنا بمقاربة حقوقيّة، على اعتبار أنّ أزمة الإنسان مع الطّبيعة هي أزمة علاقة، ويكفي إبرام عقدٍ جديد يجعل من الطّبيعة فاعلاً حقوقيًا كي نخرج من منظورٍ عدوانيّ وندخل في منظور تعايش. لكن سير، الّذي كان طيلة حياته يتجنّب تناول موضوعات السّياسة بشكلٍ مباشر، يغفل هنا أنّ الأزمة ليست أزمة اعتبار أو منظور فحسب، بل هي أزمة فكر وأزمة بنية سياسيّة-اقتصاديّة لا بدّ من تحليلها ومعالجة أسبابها بالأدوات اللّازمة. ميشال سير يعرف تمامًا أنّ العقد الاجتماعيّ لم ينجح في المساواة بين النّاس أنفسهم وفي جعلهم فاعلين حقوقيّين ذوي كرامة واحدة كما ينبغي لهم أن يكونوا، رغم كلّ نزعات التّقدّم والتّحرّر الّتي عاشتها البشريّة. هو أدرك ذلك منذ أن صدمته هيروشيما في طفولته حتّى أواخر حياته حين أكّد في كتابٍ نُشر بعد موته ([6]) أنّه من العبث البحث عن أسباب الشرّ في الميتافيزيقا، بل لا بدّ من رصد البؤس وأسبابه في السّياسات الاجتماعيّة والاقتصاديّة السّائدة. الأزمة إذًا أعمق من مسألة إبرام عقد لاستبدال منظورٍ بآخر. فهل يمكن للمقولات الحقوقيّة أن تكون وحدها المدخل لإنهاء حرب البشر على الطّبيعة في حين أنّها لم تنجح حتّى بإنهاء حروب البشر بعضهم على بعض، أم يجب الذّهاب إلى أبعد من ذلك؟

 

[1] Michel Serres, Eclaircissements : Cinq entretien avec Bruno Latour, 1994.

[2] Michel Serres, Petite Poucette, 2012 & c’était mieux avant, 2017.

[3] Michel Serres, Le contrat Naturel, 1990.

[4] وقّع 16 مديرًا من مراكز بحثيّة مُختلفة تُعنى بعلوم الحياة والبيئة على مقال مشترك نشرته جريدة Le monde بتاريخ 17 نيسان/أبريل 2020، يُوضّحون فيه العلاقة بين تنامي الأوبئة وبين تدمير التّنوّع الطّبيعيّ وتدهور البيئة الحيويّة، ويوجّهون دعوة لتحمّل المسؤوليّة التّاريخيّة.

[5] Michel Serres, Le Parasite, 1980.

[6] Michel Serres, Relire le relié, 2019.

 
×