«الشعار هو: لا تُحجِم في الصراع»

فريدريك إنجلز

 

مع بزوغ فجر هذا اليوم، كان “الجنرال” فريدريك إنجلز ليبلغ عامه المئتين. ابن صانع المنسوجات التَقَويِّ المحافِظ في بارمِن (فوبِرتال اليوم)، الذي كان يكره الميول الإنسانية والليبرالية لولَده التلميذ الموهوب. قبل عامٍ من تخرُّجه من المدرسة الثانوية، أرسَلَه للتدرُّب في شركته الخاصة. من يومِها، أخذت راديكالية فريدريك تحفر مجراها داخله. كلَّ يومٍ، كان يروح ويغدو، ساخطًا على البؤس الاجتماعي للعمال، ومن زهو أصحاب المصانع بذاتهم بينما يذيقونهم صنوف العذاب الفولاذي.

أي مشعلٍ للفكر قد وُلِد

كان فريدريك إنجلز كتيبةً من المواهب الفِكرية. سلك في حياته دروب الدراسة المتعمِّقة والمحتضِنة لأقسام المعرفة البشرية كافة، تصحبهُ قدرةٌ نادرةٌ على التفكير النظري. كلُّ انحيازٍ تخصُّصيٍّ كان غريبًا عن عقله الشامل. لقد بحث عن القوى المادية التي تحرك البشرية، مثلما أغرق نفسه في أعقد المعضلات الفلسفية. بينما كان يكتب المنشورات السياسية، كان يدرس الرياضيات والفيزياء والكيمياء والتاريخ العسكري. الرجل ذاته الذي كان يحقِّق في أسرار الإنتاج الرأسمالي، درسَ تكتيكات الجيوش المتحاربة في الحرب الفرنسية-البروسية (1870)، بينما كان يُسهم في الكشف عن الأصول التاريخية لاضطهاد النساء والدفاع عن حقوقهن السياسية والاجتماعية. والمفكر الذي تناول الظروف السياسية والصناعية في روسيا كأحد أبنائها، اشتغل في الآن ذاته بدراسة التاريخ العالميِّ القديم.

بينما استوعب أدقَّ التفاصيل العملية المتعلِقة بالسياسة، لم يتوانَ عقله عن الاضطلاع بأرفع المسائل النظرية. وكلُّ ما فكر به، أو قاله، أو كتبه، أو فعلَه، كان مكرَّسًا لصالح المعاناة والكفاح الإنساني. حارب  في شبابه، متقلِّدًا سلاحَهُ، لأجل حرية المضطهَدين، وحتى أيامِه الأخيرة ظلت أفكاره مبذولةً للطبقة الكادحة. كانت حياته منذورةً في سبيل الاشتراكية، والقراءة في سيرته – لا ريبَ – هي تملُّكٌ لتاريخ الاشتراكية العلمية ونشأتها.

حال إنجلز في إنجلترا

عمل إنجلز بمانشستر، بين أعوام 1842-1844، في الشركة الصناعية المملوكةِ جزئيًا لوالده “إرْمِن وإنجلز”. في إنجلترا، الوطن الأم للرأسمالية، تكشَّفت أمامه الميول الكامنة في الإنتاج الرأسمالي على ضوء تبصراته الاقتصادية والفلسفية الثاقبة. كان الوضع الواقعيُّ للبروليتاريا، ومعاناتها ومستقبلها التاريخي، يتجلَّى واضحًا هنا أكثر من أي مكانٍ آخر. ازداد اهتمامه بالبروليتاريا، وسرعان ما انخرط في حمى الاشتراكية الطوباوية، السائدة حينها، وكذا وسطَ الحركة العمالية التي لم تكن بعدُ حينها اشتراكيةً. وعكف على دراسة كليهما بحرصٍ، لا من موقع المتفرج بل كمناضلٍ محزَّبٍ، فالتحق بالجهاز الحزبي/الصحافي للحركة الشارتية “النجم الشمالي”، و”العالم الأخلاقي الجديد” التي أسسها روبرت أوين.

في طريق عودته إلى ألمانيا، قابل كارل ماركس في باريس، بعدما كان بينهما من رسائلَ متبادَلة. منذ تلك اللحظة، ابتدأت صداقتهما التي ستطبع أثرها الهائل على مستقبل كليهما. تكلل لقائهما بالاتفاق التام حول الأفكار التي تشاركاها، لدرجة شروعهما في تأليف كتابٍ بغرض إعلان انفصالهما عن المدرسة الهيجلية. كانت الفلسفة الهيجلية، كما كان الجزء الأكبر من الفلسفة الألمانية، أيديولوجيةً في العمق. فسلَّمَت بأن الأفكار ليست صورًا منعكسةً عن الظروف الواقعية، بل أن لها وجودًا مستقِلاً، وأن تطورَّها يشكل الأساس لتطور الواقع. اعترض ماركس وإنجلز على هذه الموضوعات، وبينما اعتنقا منهج هيجل الديالكتيكي، نبذا البنية الفوقية الدوجمائية (القشرة الصوفية بتعبير ماركس) لفلسفته. لقد استَبدلا المادية بالأيديولوجيا. وشيَّدا تصورَهُما للعالم الواقعيِّ -الطبيعة والتاريخ- كما يظهر بالفعل لكل فردٍ يتوصُّل إليه من دون أهواءٍ مثاليةٍ مسبَقة.

ظهرت هذه المادية الجدلية الجديدة في كتابِهما المشترك الأول “العائلة المقدسة”. القسم الأكبر من الكتاب كتبه ماركس، متضمنًا خلاصة الأبحاث التاريخية والفلسفية التي أنجزاها معًا. وبينما ظل الحيز الاقتصادي دون مقاربةٍ معتبَرة، كان موقفهما البروليتاريُّ مع ذلك بارزًا. منذ ذلك الحين، أخذت كتاباتهما تتخذ طابعًا اقتصاديًا مضطردًا. فانغمس ماركس في دراسة الاقتصاد، في حين صاغ إنجلز -بالتوازي- نتائج تحقيقاته الاقتصادية في مخطوطته “حال الطبقة العاملة في إنجلترا” (1845). يومها تغير كل شيء.

لم يكن هذا المؤلَّف أولَ كتابات إنجلز الاقتصادية، فقد سبق له نشر مجموعة من المقالات الاقتصادية. من أهم هذه المقالات التي حلل فيها الوقائع الأساسية في النظام الإنتاجي المعاصر، الناجمة عن الملكية الخاصة والتي تحتِّم الحل الثوريَّ، كانت واحدة تحمل عنوان “مخطَّط لنقد الاقتصاد السياسي” وثانية بعنوان “التناقض الكامن في مفهوم الدولة الصناعية”، وقد نشرهما في الدورية الفرنسية-الألمانية التي أعدَّها ماركس وأرنولد روج. في هذه الأثناء، كان إنجلز لا يزال دارسًا مبتدئًا للاقتصاد السياسي (فمثلاً، لم يتعرف على ريكاردو سوى من خلال أحد شرَُّاحه؛ جون رامزي ماكولوك). لذا، اتَّسمت البدايات البِكر للاشتراكية العلمية -التي يتوجب دائمًا اعتبار إنجلز مؤسِّسًا لها بقدر ما كان ماركس-  بالعديد من الزلاَّت، على فطنتها الثورية القارحة، وكان يلزِمها أن تتخلص مما تخصَّبت به من تواؤمٍ مع الأنماط الاشتراكية التي خبرها إنجلز في إنجلترا.

نحن الذين نشأنا في دائرة الفكر الاشتراكي الحديث لا نستطيع أن ندرك ما أنجزه إنجلز البالغ من العمر أربعةً وعشرين عامًا، في وقتٍ كان فيه إنكار مآسي الطبقة العاملة بمثابة البديهيِّ

اختلف الأمر تمامًا مع “حال الطبقة العاملة في إنجلترا”. فبين دفتيّ كتابِه، امتطى إنجلز صهوة النقد المُعادي لأفكار الحركات الشارتية والأوينية، ليفرضَ ضرورة التوحيد بينهما على مستوىً أعلى؛ فالطبقة العاملة ينبغي أن تغدو القوةَ الدافعةَ لتحقيق الاشتراكية، والاشتراكية هي الهدف الذي يتوجب على الطبقة العاملة أن تضعه نُصب عينيها. كانت الاشتراكية الطوباوية الإنجليزية (الأوينية – نسبةً إلى روبرت أوين) تجهل كلَّ ما يتعلق بالحركة العمالية، تجهل ما يعنيه الإضراب أو النقابات العمالية والتنظيمات السياسية، أو النشاط السياسي عمومًا. والحركة العمالية (الشارتية) بدورها، كانت محصورةً ضمن حدود نظام الأجور القائم؛ فلم يعتبر الشارتيون حرية التعاقد، والحق في التصويت، وتقليص يوم العمل، أسلحةً للتخلص من النظام الاجتماعيِّ القائم، بل محضَ وسائلَ لجعل الظروف المعيشية قابلةً للاستمرار.

أعلن إنجلز معارضته لهذا الوضع: «لا يمكن للاشتراكية في طورها الراهن أن تحقق أي شيءٍ للطبقة العاملة؛ ولن يكون بمقدورها أن تخفض نفسها إلى مستوى المبادئ الشارتية. يجب أن يكون الاتحاد بين الأوينية والشارتية، لإنجاب الصيغة الإنجليزية من الشيوعية الفرنسية، هو الخطوة التالية، وقد بدأت بالفعل جزئيًا. عندما يتحقق ذلك، ستصبح الحركة الطبقية العمالية لأول مرةٍ قوةً في إنجلترا.”.

والواقع، أن هذا الاتحاد الذي انعقد بين الاشتراكية (بمنظور ماركس وإنجلز) والحركة العمالية كان لحظة خلق الاشتراكية العلمية الحديثة. في “حال الطبقة العاملة”، تم التعبير عن احتياجاتهم بصورةٍ قاطعةٍ للمرة الأولى؛ مع هذا الكتاب بدأت الاشتراكية العلمية. لقد استند إنجلز في كتابه إلى حدٍ كبير، حتى وإن كان بصورةٍ غير واعيةٍ تمامًا، إلى الأسس ذاتها التي سينبثق منها “البيان الشيوعي”. في هذا الإنتاج المشترك لماركس وإنجلز، عبَّر ماركس لأول مرةٍ بوضوحٍ عن المفهوم المادي للتاريخ. إن الدور التاريخي للعداءات الطبقية والصراع الطبقي واضحٌ هنا دون لبس. وسيكتب إنجلز نفسه في تذييل الطبعة الإنجليزية لـ”حال الطبقة العاملة”: «في هذا الكتاب يتم التركيز بشكلٍ كبيرٍ على العبارة القائلة بأن الشيوعية ليست مجرد مبدأٍ حزبيٍّ للطبقة العاملة، ولكنها نظريةٌ تعني تحرر المجتمع كله، بما في ذلك الطبقة الرأسمالية، من ضيق حياته الحالية. من الناحية النظرية، هذا صحيحٌ تمامًا، لكنه عديم الفائدة أو ما هو أسوأ في الممارسة. فطالما أن الطبقة المالِكة لا تشعر بعدم الحاجة إلى التحرر فحسب، ولكنها أيضًا تعارض بشدةٍ محاولات الطبقة العاملة لتحرير نفسها، سيتوجب أن يتم الإعداد للتحول الاجتماعي وتنفيذُه بواسطة الطبقة العاملة وحدها.».

لاشكَّ أنَّ “حال الطبقة العاملة في إنجلترا” هي أول عملٍ علميٍّ بصدد الاشتراكية، ليس فقط بسبب موقفه مما يتعلق بالطوباوية والحركة العمالية، ولكن أيضًا من خلال أسلوبه في عرض حالة الطبقة العاملة في إنجلترا. فجاء، على عكس العديد من الكتابات الخيرية، من تجميعٍ للوحات بؤس الطبقة العاملة. بل عرضًا للميول التاريخية في ذلك الزمن، لا سيَّما مستقبل أسلوب الإنتاج الرأسمالي في ما يتعلق بحالة الطبقة العاملة. لم يكن إنجلز ينظر للبؤس فيرى مجرد البؤس، كما فعل الاشتراكيون في عصره، بل أبصر فيه بذرةَ شكلٍ أرقى من المجتمع تخترق أحشاء الراهن. نحن الذين نشأنا في دائرة الفكر الاشتراكي الحديث لا نستطيع أن ندرك ما أنجزه إنجلز البالغ من العمر أربعةً وعشرين عامًا في كتابه، في وقتٍ كان فيه إنكار مآسي الطبقة العاملة أو التحسُّر المخاتِل عليها بمثابة البديهيِّ، لكن أبدًا لم يُنظر إليها قبلهُ على أنها جزءٌ من التطور التاريخي للإنسانية.

أهدى إنجلز كتابَه «إلى الطبقات العاملة في بريطانيا العظمى»، وكان غرضه من تأليف الكتاب سياسيًّا كما أعلن عن ذلك بوضوح. قال إنجلز إن الألمان يحتاجون لمعرفة الحقائق عن إنجلترا؛ فعلى الرغم من أن الظروف في ألمانيا ليست على غرار «النمط التقليدي» الموجود في إنجلترا، فإن كلا البلدين لديه، في الأساس، النظامُ الاجتماعي نفسه؛ فأسباب شقاء وقهر الطبقة العاملة في إنجلترا كانت حاضرةً في ألمانيا، وستكون النتائج متماثِلةً في نهاية المطاف. ومن هذا المنطلق، فإن عمليات الاستقصاء الرسمية التي تناولت حياة الطبقة العاملة في إنجلترا -والتي كانت المصدر الرئيسيَّ الذي اعتمد عليه إنجلز في الحصول على المعلومات الإحصائية – كانت ضروريةً للغاية «للاشتراكية والشيوعية الألمانية». هذا ما استوعبه الروسيُّ الفذُّ ف. إ. لينين عندما شرع في «الإعداد للتحول الاجتماعي» في بلده، بدراسة “تطور الرأسمالية في روسيا”؛ ولا حاجة للقول أن الأمر ذاته ينطبق على عالمنا العربي.

أخيرًا، فقد يجادل البعض بأننا اليوم نعيش حقبةً مختلفةً، حسًنَت الرأسمالية فيها من “عيوبِها”، فلم تعد أفكار إنجلز في كتابه صالحةً لتقدير حال الطبقات العاملة الحديثة. قد لا يتسع المجال لتفنيد هذا الوهم الورديِّ، لكني أدعو أصحابه لينظروا حولهم اليوم، ونحن نعيش وباءً عالميًا هو الأخطر منذ قرون، بينما تتلكأ الحكومات الرأسمالية العالمية -والواقع أسوأ في عالمنا العربي – عن حفظ أرواح الفقراء والكادحين وغالبية السكان، بتوفير الشروط المعيشية اللازمة لتنفيذ الإجراءات الوقائية الأنجع، لتقديم الأرواح على حساب الأرباح، ثم أن يصغوا إلى ما قاله إنجلز في كتابه “العتيق”: «عندما تضع [الرأسمالية] العمال في مثل هذا الموقف الذي يجعلهم يلقون حتمًا موتًا مبكرًا للغاية، وموتًا غير طبيعيٍّ. عندما يُحرَم الآلاف من ضروريات الحياة، ويوضَعون في ظروفٍ لا يستطيعون العيش فيها، بإجبارهم من خلال ذراع القانون القوية، على البقاء في مثل هذه الظروف حتى يأتي هذا الموت الذي هو النتيجة الحتمية؛ عالمةً أن هؤلاء الآلاف من الضحايا لا بدَّ هالكون، ومع ذلك يُسمَح لهذه الظروف بالبقاء، فإن فِعلتَها هي القتل تمامًا مثل فعل الفرد؛ القتل العمد المقنَّع.».

المزيد من هذا المؤلف

 
×