ثبَّت محيي الدين اللباد خمسة عناصر على سطح الصفحة أو اللوحة الأولى من كتابه كشكول الرسام.

“منذ أيام الطفولة وأنا أحتفظ بعدد من التذكارات الصغيرة” …

هناك تذكرة الترام بثمانية مليمات (وغلاف كشكول الرسام هو محي الدين الذي يرسم نفسه في هيئة سائق ذلك الترام الأسطوري)، هناك فرع دقيق بثلاث أوراق شجر مجففة، صورة مطبوعة مقضومة الطرف لحمامة بيضاء ووردة زهرية، بطاقة بريدية عليها رسم أرنب وطابع الدولة المصرية وختم بريد الاسكندرية على ذاك الطابع والرجل صاحب الطربوش فيه.

ما يعنيني من هذا الكولاج النوستالجي هو العنصر الخامس: صورة فوتوغرافية لثلاث رجال مصريين بالأبيض والأسود، يبدو بوضوح أنهم من الصعيد في كامل الزي الأبدي المميز لـ”الرگالة”.

العجوز في المقدمة هو الأب بذقنه البيضاء المشذبة وجبينه العريض الناصع ونظرة الثقة العارفة بدنيا إله رحيم. حذاؤه عريض المقدمة يشي بضخامة بنيته الممشوقة على الرغم من العمر المديد، كذلك وضوح أصابعه على العكازة القوية المغروسة بين ساقيه. تجسيد صائب لما يتخيله المرء عن زكريا إذ يهبه الإله غلاماً ذكياً. إلى يمينه وشماله، مثل ملاكين حارسين أمام النافذة المعتمة بقضبانها الحديدية، أو مثل برجي حمام أو نخلتين واثقتين، ينتصب ابناه أمام حائط الطوب، حليقا الذقن، مدببي الشوارب مثل سيفين بتّارين. الأيمن في الصورة أعرض قليلاً من الأيسر، أشد قوة، أخشن ملمحاً، هذا تستند عليه في المعركة، الأيسر ألطف وجهاً، أنفه أكثر دقّة، فيه سماحة ونبالة، ذاك هو الذي سيأخذ بعض الوقت قبل أن يسدي النصيحة السديدة. “كانوا ناس يخشوا الملامة…”، يقول شاعر السيرة الهلالية. تملؤني ثقة هائلة أن العجوز هو جد اللباد الأكبر وأن الرجلين أحدهما والده والثاني عمه.

يبدأ محيي الدين اللباد كتابه بصورة فوتوغرافية لأب مع ولديه وينهيه برسمة لذات الموضوع إنما هو فيها الأب مع ولديه. يصور نفسه في رسمته مزدوجاً بوجه أخضر وأنف مهرج يسخر من ذاته، يسخر من طفليه بحبّ جم. لونهما بني غامق لدرجة السواد وفي رأس كل منهما شعرة واحدة، يجعل أحدهما يركل مؤخرة الآخر ضاحكين. أيهما مصطفى وأيهما أحمد؟ أسأل نفسي مبتسماً. لا أسأل أحمد على التشات عن الرسم بل عن الصورة الفوتوغرافية في الصفحة الأولى: إنهم جدك وعماك؟ يضحك ويجيب: أجل إنما من جهة الأم. هم الزغلول. الزغلة. جد وأخوال إذاً.

أجل، صديقي، اللباد الابن، هو صديق التشات الالكتروني. لم نلتق قط وجهاً لوجه.

***

طلبت من أحمد مرة طلباً “مسرحياً”. حلمت بإخراج مسرحية الإنكليزية كاريل تشيرشيل، فتيات قمة، في نسخة محلية في دمشق. هذه المسرحية العَلَم ضمن مسرح الثمانينيات البريطاني، كان قد ترجمها في منتصف التسعينيات الراحل الدكتور محسن المصيلحي، أحد شهداء حريق دار الثقافة في بني سويف، محرقة اهتراء الدولة التي أودت بحياة العشرات من زهرة النخبة الثقافية المصرية، طلاب وأساتذة ومخرجو وممثلو مسرح في مهرجان مسرح في الأقاليم، أشقاؤنا وشقيقاتنا.

بالطبع لم تكن هناك في دمشق 2017 أي نسخة من هذا الكتاب المطبوع بمناسبة مهرجان المسرح التجريبي بعدد نسخ محدود. لا بل إن مجرد التفكير بكاريل تشيرشيل في تلك اللحظة كان مدعاة لابتسام نعرفه جيداً، يشبه بورتريه محيي الدين اللباد الشخصية مع ابنيه في نهاية كشكوله ذاك.

طلبت من أحمد نسخة من تلك المسرحية ولم أعرف أي علبة باندورا فتحت. يتحول اللباد الابن إلى ماركو بولو في شوارع القاهرة وناسها للحصول على ما اتضح أنه النسخة الأخيرة من تلك المسرحية. أصدقاء الراحل، عائلته، أحبته. كلهم يبحثون ولا يجدون نسخة. وفي دمشق يستبد بي الخجل متسائلاً لم تريد أن تجعل من نكء الجراح موضوعاً لانشغال يمتد من الاسكندرية إلى وسط البلد؟ ومن أنت حتى تخرج كاريل تشيرشيل؟

تتوالى الأسماء المحبة التي تقول كلها “يا للحسرة” وتترحم على الأستاذ والمترجم والمنشّط اللامع في ذروة عطائه، إلى أن يصل أحمد إلى نسخة لدى صديق يعيرها لصديقة يضرب معها أحمد موعداً ويكتب لي: “ذاهب أنا مع السكانر المتنقل” (يذكّرني فخره بهذ السكانر بوصف محيي الدين المبتسم في كتابه نظر ٣ للراحل بهجت المفتون بآخر صيحات التقنية: “ممحاة آلية كي لا تتعب أصابعك”). ينجز أحمد “سْكَان” منفصل لكل صفحة من المائة والستين ويرسلها واحدة واحدة، صورة صورة، على “تشات الماسنجر”.

في الصورة الأولى، في الصفحة الأولى، أتأمل كيف أنّ للحب قصة أخيرة على الدوام، وأتأمّل في ما دفع أحمد إلى اصطحاب السكانر معه إلى الموعد: إهداء محسن المصيلحي لصديقه الذي احتفظ بالنسخة؛ إهداء الشاب المصري الذي علّم نفسه بنفسه من معامل حلوان إلى أقسام المسرح في جامعات إيرلندا وإنكلترا ومسرحيات كاريل تشيرشيل وإدوارد بوند، مثل أحد أبطال هذا الأخير الذي يقول: “أنا ابن هيروشيما وأوشفيتز. وابن المجتمع الانساني الذي ما زال يجب أن يبنى”. أتأمل إهداء المصيلحي ترجمة المسرحية الإنكليزية لصديق في منتصف التسعينيات. أتأمل الإهداء مراراً. أقلّب الصور المتتالية على “الماسنجر”. تظهر أصابع أحمد في عديد منها. أصابعه القوية، هو حفيد أولئك الرجال الواثقين.

في فتيات قمة، تسافر مراهقة بلهاء من مدينتها الصناعية إلى لندن لتلتقي، مفتونةً، وبلا سابق موعد، بخالتها امرأة الأعمال، فتاة القمة التاتشرية الناجحة. في المشهد الأخير تأتي مارلين، فتاة القمة تلك، لتتواجه في مطبخ أختها والدة البلهاء مع هذه الأخت العاملة، فنكتشف أنَّ المراهقة هي ابنتها التي تخلّت عنها لتحقق قصة النجاح تلك.

تقف الأخت العاملة ثابتة مثل واحد من تلك التماثيل الفرعونية العملاقة، أو مثل سناء جميل في بداية ونهاية، تحدق في مسرحية الصعود والخيانة، واثقة من صحة سرديتها ثقتها في أن الماء يأتي من الحنفية، ولو لم يعلم بها أحد. أتخيل ابتسامة الاستاذ المترجم وهو يهدي صديقه مسرحيته. أحدق في بورتريه اللباد وطفليه من جديد. وأتابع أصابع أحمد في المائة والثمانين صورة مثل فيلم رسوم متحركة من بداية القرن الماضي.

***

ضمن هَوَسنا المشترك بنتاج اللباد الأب، أرسل أحمد إليَّ بالطريقة ذاتها – أي بصور كاميرا هاتفه المحمول التي يرسلها مباشرة عبر تشات “الماسنجر” – كتاب من القلب للقلب لفؤاد حداد الذي أخرجه ورسمه محيي الدين. وكي يقوم بذلك في بيته بسرعه، وضع أحمد منشر غسيل معدني على الشرفة، وفرش عليه قماشة ذات مربعات ووضع عليها الكتاب وشرع يصوره ويرسله صفحة صفحة. هكذا بدت في جميع الصور خلفية بيضاء بخطوط رمادية، تنزاح في بعض الصور من جهة اليمين فتبدو أسياخ المنشر المعدني الدقيقة التي ألمح أسفلها أصيص نباتات مليء بالتراب ينتظر أن يزرع، وألمح بلاط الشرفة.

في إحدى قصص من القلب للقلب يبحث أرنب عن ملجأ فيخاطب عديد الحيوانات حتى يصل إلى أرنب يشبهه، يصل إلى الصداقة. يقول بطل تلك القصة لازمة تشبهنا وتضحكني: “أنا الجريح من الريح، الأرنب الصريح، أولاً شاعر، ثانياً شاطر؛ أبحث عن بيت مريح، ويحمي عظامي من المخاطر”.

أضغط على سهم اليمين في لوحة مفاتيح حاسوبي. تتوالى الصور وقصص شاعر العامية وأسطر كتب الأطفال، لكني أحدق في أسفل الشاشة، ومثل فيلم تحريك (Stop Motion) أو باليه تجريبي في فيديو دانس طليعي، ترقص أصابع صديقي العريضة ويلتمع فيها أيضاً محبسه الأبيض. أفكر بالحرص، بالود، بالقدرة والكرم. أتأمل الأرنب الصريح والجريح من الريح. بيت مريح يحمي عظامي من المخاطر… أتخيل شرفة أحمد وامتداد البيت الذي يشبه ما كان بيتنا قبل أن تنتهي عائلتي إلى الأبد.

على هذا المسرح ذاته، حرك أحمد أيضاً أغلفة الصندوق الأسود، كتاب والده المأثرة في بداية الثمانينيات مع مشروع دار كتابة وآكت سود. أنتج محيي الدين ستة كتب لابن حزم وابن خلدون وابن طفيل وسواهم في طبعة بلغتين وإخراج مبهر توضع فيه  الكتب الستة في صندوق أنيق. اكتشفتها صدفة في بيت الراحل نذير نبعة ومكتبته على مائدة أولمتها زوجته شلبية بابتسامتها السمراء الآسرة. أكتب لأحمد عن ذلك فيصف لي شرفة بيت شلبية ونذير التي تكشف الشام كلها واستيقاظه طفلاً ذات مرة في ذلك البيت وتأمله المدينة المترعة بالفاكهة والصباح. ثم يحرك  الكتب الستة أمامي على ذات المنشر متحدثاً عن شغف اللباد الأب بالدقة والكمال اللذين قاداه لانهيار صحي في إيطاليا وسط افتتانه بأنه أنجز هذا المَعلَم الغرافيكي في تلك الكتب الستة النادرة.

***

يشبه محيي الدين اللباد أوكونكوو بطل رواية النيجيري تشينوا اتشيبي الأشياء تتداعى؛ ذاك الذي عاش الزمن القبلي الأصلي بأكمله وعندما وعى نهاية ذاك العصر الطويل مع قدوم المبشرين والجيش الاستعماري شنقَ نفسه “لأن أحداً لم يتقدم” ليسانده بعد أن قص بضربة من خنجره ممثل القوة الاستعمارية. عبر محيي الدين الملكية و”ثورة يوليو” وعبد الناصر والسادات حتى الاهتراء الكلي في نهاية عهد مبارك. أحمد قبالته، مثل ابن أبدي، يعيش عصر أوبي، حفيد أوكونكوو، بطل رواية مضى عهد الراحة، ثاني روايات ثلاثية اتشيبي. لكن هناك مفارقة في تلك الثلاثية هي مرور اتشيبي من الجد بطلاً إلى الحفيد بطلاً، مستثنياً الأب. إذ ليس للأب روايته. للأب قصة تُحكى في رواية الحفيد: قصة لعلها الأعقد والأصعب: قصة ابن الزعيم القبلي الذي ترك بيت والده ومضى مع المسيحيين، مع المبشرين الاستعماريين وغدا مسيحياً مبشراً لينتج لاحقاً الحفيد: مثقف جيل الاستقلال العالم ثالثي الذي سيدخل في آليات الفساد المميزة لتجربة حداثات التخلف كلها. لا ذرة هنا من المهابة. لا ذرة من أي سحر أو قوة. لا سردية مبهرة. الإعلان الأكثر بلاغة عن الهزيمة. لكن ذلك الأب يطالعنا فجأة، في لحظة استثنائية وفي أجمل صفحات تلك الراوية، بالكشف الأكثر تكثيفاً عن صعوبة ذاك المرور من عصر إلى عصر: “لم أكن سوى صبي عندما تركت بيت أبي وماشيت المبشرين، فدعا أن تحلّ علي اللعنة. لم أكن وقتها في البيت. لكن إخوتي أكدوا لي صحة الخبر. إنه لشيء فظيع أن يدعو أب على ولده، فضلاً عن كوني ابنه الوحيد …. كل هذا أرويه لك لعلك تعرف ما كان يعنيه أن يصبح المرء مسيحياً في تلك الأيام. فأنا تركت بيت أبي وهو لعنني، ولقيت أشد المحن من أجل أن أصير مسيحياً. ولأنني تعذبت فأنا أفهم المسيحية أكثر مما سيصل إليها فهمك في أي وقت”. وسكت فيما يشبه القطع، واعتقد أوبي أنه سكت لفترة قصيرة، لكنه كان قد انتهى.

كان أوبي يعرف حكاية الشاب ايكيميفونا المؤلمة. إذ كان قد وُهب لقبيلة أموفيا استرضاء لها. وصار والد أوبي وإيكيميفونا متلازمين. وفي أحد الأيام قضى عراف التلال والأودية أنه يجب قتل ذلك الولد. كان أوكونكوو جد أوبي مشغوفاً بالولد، لكن سكينه هي التي جندلته لحظة قتله. حتى في تلك الأيام قال بعض الكبار إنه لإثم عظيم أن يجد رجل نفسه يرفع يديه على ولد يناديه: “يا أبي… ”

أتأمل صور أحمد مع محمد هاشم وآخرين في ميدان التحرير يحملون ملصقات أحمد الجميلة عن دستور لكل المصريين ويبتسمون. أتأمل ثياب يناير الشتوية والفرح الغامر في قسمات الجميع في اللقطات المترعة بالبشر. الوجوه المرهقة النبيلة والمستبشرة. أقول لأحمد كلما قرأت نصاً من كتابته العارفة الكثيفة الدقيقة: يجب أن تواصل مشروع نظر. وأفهم جوابه المتهرب، “يا عم ارحمني يا عم”، ولا أفهمه.

يسمع أوبي، في الرواية، تفسير والده المفعم بالعاطفة والألم لقراره إنجاز تلك القطيعة مع الهوية والإرث ضمن محاولته المخفقة، أي أوبي الابن، الزواج من فتاة تنبذها ذات الهوية وذات التخلف. حكاية بليغة أخرى من حكايات “حداثة التخلف” الشهيرة تلك التي وصفها مارشال بيرمان. يسمع أوبي إشكالية الوجود الشقي في مكان نحبه ويخنقنا ويفكر بمضيّ عهد الراحة.

أقلّب أغلفة أحمد الساحرة على الحاسوب المحمول أمامي: أفكر بأنّه يرسم أقلّ بكثير من محيي الدين، لكن فنون إعادة التدوير البصري والكولاج والمونتاج في نسيج هذه الأغلفة أكثر طزاجة وعصرية ومادية من أغلفة اللباد الأب. أحمد عاش لحظة عودة عجلة إلى الحركة، عودة تلك العجلة التي وصف الأب لعقود مستنقع غرقها. لم يعش تلك اللحظة فحسب، بل صنعها كما الملايين غيره الذين أرادوا : “ضحك بسبب/ وعاوزة أدوق الرُطَب/ وعاوزة ألبس دهب/ وابني يقرا سمير…”، كما يقول فؤاد حداد في قصيدته.

وسط تلك الأغلفة يستوقفني غلاف ليس بالضرورة أكثرها تميزاً. غلاف ديوان من قلبي لمحمد جاد هو صورة مركبة لسجادة مصرية أو سطح معدني مدهون بألوان فاقعة في ذائقة شعبية وفيه نجوم حمراء خطوطها صفراء مرسومة على خلفية خضراء. أفكر أين رأيته؟ بعد برهة أكتشف أنه “كوفر” حساب أحمد على فيسبوك. أغرق في الألوان من جديد.

“رسمها الفقير الحقير المعترف بالعجز والتقصير محيي الدين اللباد من تلاميذ الأستاذ خليل مراد معلم الرسم بمدرسة القبة الثانوية سابقاً.

أكتوبر 1986. المحرم 1407″، يكتب اللباد أمام رسمته مع طفليه اللاهيين قبل خمس وثلاثين سنة. أتأمل أصابع أحمد القوية من جديد على نصوص كاريل تشيرشيل وفؤاد حداد وأعود إلى هذه الرسمة.

أتذكر لقائي بمحيي الدين اللباد في باريس عندما ذهبنا مع يوسف عبدلكي وشاهدنا معرضا كبيراً في البوزار لغولوك الرسام البلجيكي مبدع شخصية لوشا (الهر). أشار اللباد مبتسما ضمن المعرض لدمى فيلم التشيكي ترنكا شفيك في الحرب العالمية مبتسماً. أُخبر أحمد على “التشات” عنه. يجيبني فوراً: “كان عندنا تمثال خشبي ملبس بالقماش للعسكري شفيك دا.. أبويا جابه من تشيكوسلوفاكيا زمان”.

لا أخبره أن والده قال وهو يشير إلى كتاب في مكتبة معهد العالم العربي: “هذا عمل ابني أحمد. أجدع مصمم أغلفة في مصر كلها…”، وابتسم أعرض ابتسامة يمكن لرجل أن يبتسمها.

“يا بختك بالجولة دي معاه..”، يكتب لي غير عارف.

المزيد من هذا المؤلف

بريشت مُعاصرنا

عن يوسف I وII

عن أيمن

 
×