هومي بابا
ترجمة: ثائر ديب

لم أجد في الشعر ما بعد الكولونيالي المعاصر من يطرح مفهوم الحقّ في ممارسة الدلالة بالعمق الذي يطرحه به ديريك والكوت في قصيدته أسماء التي تتناول استعمار الكاريبي بوصف هذا الاستعمار تملّكاً لذاك الفضاء عبر سلطة التسمية. ففي هذه القصيدة تُظْهِرُ اللغة العادية سلطةً لها هالتها، وشخصيةً إمبراطورية؛ غير أنّ التركيز ينزاح -في نوعٍ من إعادة النقش التي تُؤدَّى أداءً ما بعدَ كولونياليٍ نوعياً – عن التسمية الامبريالية صوب انبثاق علامة أخرى من علامات الفاعلية والهوية. علامة تدلُّ على مصير الثقافة بوصفها موقعاً، ليس للهدم والخرق فحسب، بل لتصوّر نوعٍ من التضامن بين إثنيات جمعها موعد التاريخ الكولونيالي.

 

سلالتي ابتدأت كما ابتدأ البحر،

بلا أسماء، ولا أفق،

بحصىً تحت لساني،

وبترتيبٍ آخر للنجوم.

………..

هل ذُبْنَا في المرآة

مخلّفين وراءنا أرواحنا؟

الصائغ من بينارس،

والحجّار من كانتون،

وصانع البرونز من بينان.

 

نسر البحر يصرخ واقفاً على الصخرة،

وسلالتي ابتدأت كنسر البحر

بتلك الصرخة،

تلك الكلمة الرهيبة،

تلك الـ أنا!

 

[..] هذه العصا

لنخطّ أسماءنا في الرمل

أسماؤنا التي محاها البحر ثانيةً،

من دون أن نبالي.

………..

وحين سمّوا هذه الخلجان

خلجاناً،

أكان ذلك حنيناً أم سخرية؟

……….

أين كانت قاعات قشتالة؟

بأروقة فيرساي

استُبدِلَتْ أوراق الملفوف

وبالزخارف الكورنثية،

صِيَغُ التصغير والتحقير،

عندها، صارت فرساي الصغيرة،

تعني تصاميم لزريبة،

أسماء تفاحات حامضة

وعنباً أخضر

في منفاهم.

 

[….] لأنهم رجال، لم يستطيعوا العيش

من دون أن يفترضوا

أنّ من حقّ جميع الأشياء أن يكون لها أسماء

رضخ الإفريقي،

وكررها، وغيّرها.

 

يقول اسمعوا، يا أبنائي:

moubain: برقوق،

cerise: كرز برّي،

baie-la: خليج،

بالأصوات الخضراء الطازجة

كانوا ذاتهم مرّةً

على نحوِ ما تلوي الريح

تصاريفنا الطبيعية.

 

هذا النخيل أعظم من فرساي،

لأنَّ أحداً لم يصنعه،

أعمدته المتهاوية أعظم من قشتالة،

لأنّ أحداً لم يحطّمها

سوى الدودة التي لا تضع أيّ خوذة

لكنها الإمبراطور على الدوام،

 

ثمّة أسطورتان من أساطير التاريخ في هذه القصيدة، كلّ واحدة منهما مرتبطة بروايات متضاربة عن مكان الهوية في سياق المعرفة الثقافية. فهناك من جهة أولى تلك السيرورة البيداغوجية (التعليمية) من التسمية الإمبريالية:

 

لأنهم رجال، لم يستطيعوا العيش

من دون أن يفترضوا

أنَّ من حقّ جميع الأشياء أن يكون لها

أسماء.

 

وبعكس هذه السيرورة وبالتضاد معها، ثمّة الرضوخ الإفريقي الذي، إذْ يعيد درس الأسياد ويكرره، إنّما يغيّر في تصاريفهم:

 

moubain: برقوق،

cerise: كرز برّي،

baie-la: خليج،

بالأصوات الخضراء الطازجة

كانوا ذاتهم ذات مرّة

 

ليس غرض والكوت أن يضع بيداغوجيا الاسم الإمبريالي في تضاد مع التملّك الصرفيّ الخاص بصوت المحليّ، بل يقترح المضيّ أبعد من ثنائيات القوة هذه بغية إعادة تنظيم ذلك المعنى الذي نعطيه لسيرورة تعيين الهوية في ضروب التفاوض التي تمارسها السياسات الثقافية. وهو يبْرِز حقّ العبيد في ممارسة الدلالة، لا بإنكاره على الإمبريالي “حقّ جميع الأشياء [في] أن يكون لها أسماء” وإنّما بمساءلة الذات السلطوية الذكورية المُنْتَجَة في سيرورة الاستعمار: لأنهم رجال، لم يستطيعوا العيش/ من دون أن يفترضوا/ أنّ من حقّ جميع الأشياء أن يكون لها أسماء. فما “الرجل” بوصفه مفعولاً من مفاعيلِ علامة، اسمَ خطابٍ كولونيالي، وخاضعاً لهذه العلامة؟ هذه هي الغاية التي يطرح والكوت من أجلها مشكلة “الابتداء” خارج سؤال “الأصول”، وأبعد من حقل الرؤية والمنظور، ذلك الحقل الذي شقّة الأفق نصفين والذي يشكّل الوعي البشري في مرآة الطبيعة، بحسب العبارة الشهيرة لريتشارد رورتي.

قبالة “حقّ” التسمية الغربي، ذلك “الحقّ” التملّكي القهري، يضع والكوت نمطاً مختلفاً من الكلام ما بعد الكولونيالي؛ زمناً تاريخياً تمّ تصوّره في خطاب المستعبَدين.

تاريخ والكوت يبدأ في مكان آخر. فهو يقودنا إلى تلك اللحظة من عدم الحسم أو انعدام الشرطية التي تشكّلُ تجاذب الحداثة وهي تنفّذ أحكامها النقدية، أو تسعى لأن تبّرر وقائعها الاجتماعية، على حد تعبير هابرماس. فقبالة “حقّ” التسمية الغربي، ذلك “الحقّ” التملّكي القهري، يضع والكوت نمطاً مختلفاً من الكلام ما بعد الكولونيالي؛ زمناً تاريخياً تمّ تصوّره في خطاب المستعبَدين أو العاملين بعقود. وعدم الحسم الذي يبني والكوت سرده من خلاله يفتح قصيدته على “الحاضر” التاريخي الذي يصفه فالتر بنيامين بأنه “حاضر ليس انتقالاً، وإنما يلبث فيه الزمن ساكناً ويكون قد توقف”. ذلك أنّ هذا التصور يحددّ الحاضر الذي يُكتب فيه التاريخ. ومن هذا الفضاء الخطابي الصراعي يقيم عنف الحرف، وإرهاب انعدام الزمن، مفاوضاته مع فاعلية الصائغ من بينارس، وصانع البرونز من بينان، والحجّار من كانتون. وهذه الفاعلية هي في آنٍ معاً فاعلية جمعية سابقة على التسمية وما بعد إسمية:

سلالتي ابتدأت كنسر البحر

بتلك الصرخة،

تلك الكلمة الرهيبة

تلك الـ أنا!

أين تقبع الذات ما بعد الكولونيالية؟

بتلك الكلمة الرهيبة، تلك الأنا، يكشف والكوت عن الحاضر المتفارق لكتابة القصيدة تاريخَها. فتلك الأنا بوصفها كلمة، بوصفها اعتباطية الدال، هي علامة الاختلاف البينيّ الذي تُصْنع من خلاله هوية المعنى. أمّا “الأنا” بوصفها ما قبل الاسم، بوصفها إنكاراً للذات الكولونيالية المستعبَدة، فهي تكرار لفاعلية التاريخ الرمزية، خطٌّ لاسمها على الرمال المتحركة، إقامة لجماعةٍ ما بعد كولونيالية مهاجرة في الاختلاف: هندية، صينية، إفريقية. بهذه “الأنا” المتفارقة، المزدوجة، يكتب والكوت تاريخ اختلاف ثقافي يُنْبِيءُ بإنتاجٍ للاختلاف بوصفه التعريف السياسي والاجتماعي الذي يتحدّد به الحاضر التاريخي. فالاختلافات الثقافية ينبغي أن تُفْهَم على أنها تُشَكِّلُ الهويات -على نحوٍ عارضٍ وغير متعيّن- بين التكرارات التي تتكرها كلمة أنا -التي يمكن على الدوام أن يُعاد نقشها ويُعاد تموقعها- وعلى أنّها ردّ الحقّ إلى الذات. وإذْ تُقْرأ الإفصاحات عن الاختلاف -العرق، التاريخ، الجندر- على هذا النحو، بين الأنا بوصفها رمزاً والأنا بوصفها علامة، فإنَّ هذه الإفصاحات لا تكون مفردة أو ثنائية قط. فمزاعم الهوية إسميّة أو معيارية، في لحظةٍ بدئيةٍ أو تمهيدية عابرة؛ وليس لها قطّ أن تكون أسماءً حين تكون مُنْتِجَةً ثقافياً أو تكون تقدمية تاريخياً. وأشكال الهوية الاجتماعية ينبغي أن تكون، مثل الكلمة، قادرة على أن تنقلب عبر اختلاف الآخر وبوصفها اختلاف الآخر وتحوّل حقّ ممارسة الدلالة إلى فعلٍ من أفعال الترجمة الثقافية. نجد في قصيدة والكوت سانت لوسيا:

Pomme arac

otaheite apple.

pomme cythère,

pomme granate,

z’ananas

The pineapple’s

Aztec helmet

pomme,

نسيتُ ما تعنيه pomme

Irish potato,

cerise,

the cherry

z’aman

sea-almonds

by the crisp

sea-bursts,

au bord de la ourviére.

عودي إليّ،

يا لغتي.

عودي،

cacao,

grigri,

solitaire,…

 

يشير ريتشارد رورتي إلى أنّ “التضامن يجب أن يُبْنى من قطعٍ صغيرة، بدل أن يكون قائماً أصلاً وعلى نحوٍ جاهز، بشكل لغة نفهمها جميعاً حين نسمعها”. وبروح هذا التضامن، فإنّ والكوت يدعو إلى لغةٍ تؤدي وظيفةً رمزية. ففي حين تواظب القصيدة على التنقّل بين الأفعال الصغيرة المتعلقة بتسمية الطبيعة والأداء الواسع للسانٍ جماعي، نجد أنّ إيقاعها يسجّل “أجنبية” الذاكرة الثقافية. ففي نسيان اسم العلم، في كلّ عودة تعودها اللغة، تكشف زمنيةُ الترجمة المتفارقة عن الاختلافات الصميمية التي تكمن بين الجينالوجيات والجغرافيات. وما وصفتُه مراراً بأنّه يعيش في “وسط ما لا يُدْرَك”، أو يقطن مع سفيان في مقهى شاندار (في الآيات الشيطانية لسلمان رشدي)، على الحدود بين أوفيد ولوكريتيوس، بين أوبار (أعلى) ونيشاي (أدنى)، هو زمن وفضاء خلاليان. وتوسّط التاريخ يطرح المستقبل، مرّة أخرى، كسؤال مفتوح. ويفسح المجال لفاعليةِ ابتداءٍ تمكّن المرء من امتلاك علامات البقاء، ومنطقة التواريخ الأخرى، وهجنة الثقافات، من جديدٍ وفي كلّ مرة، كما هو الحال في حركة قصيدة والكوت. ففعل الترجمة الثقافية يعمل من خلال “اطّراد التغيّر والتحول” كي يُسْفر عن معنى انتماء الثقافة:

أجيالٌ تمضي،

أجيالٌ مضت،

moi c’st gens ste. Lucie

C’est la moi sorti:

هناك وُلدتُ.

 

ومن قطع القصيدة الصغيرة، من ذهابها وإيابها، ينهض التاريخ العظيم، تاريخ لغات الهجرة والشتات ومشاهدهما.

 

* من الفصل الموسوم “كيف تدْخُلُ الجِدَّةُ العالمَ: الفضاء ما بعد الحديث، الأزمنة ما بعد الكولونيالية وتجارب الترجمة الثقافية”، في كتاب هومي بابا موقع الثقافة.