لقاء مع صنع الله ابراهيم أجرته هنادي زرقة

 

س: لنبدأ بروايتك الأخيرة التي تحمل عنوان 1970، تستخدم ضمير المخاطب مع عبد الناصر، تعامله معاملة الند للند، ما الذي أردت قوله؟

ج: هذا صوت الراوي. وهو تكنيك أتاح فرصة واسعة لاستعادة الماضي ومناقشة تفاصيله والتعليق على بعض منها.

س: في رصدك لحياة عبد الناصر وتفاصيله اليومية، عادات الأكل والنوم والمرض وعلاقته بأحفاده، تسبغ عليه صفات تجعلنا نتعاطف معه، مع أنك تعرّيه في مشاهد أخرى، فهو لا يتخيل نفسه إلا في السلطة أو القبر ويُعجب بزعيم كوريا وبعبادة الفرد، وذلك من دون أن تنسى إنجازاته. هل نحن إزاء نظرة عادلة إلى الرجل بعد مضي هذا الزمن وتوالي دكتاتوريات أسوأ؟

ج: يصعب استخدام لفظ “الدكتاتور” عند الحديث عن عبد الناصر. هل يمكن، مثلاً، استخدامه بالنسبة إلى لكاسترو أو سوكارنو أو نكروما؟ هل يُقارن بستالين أو باتيستا أو هتلر؟ ثم إنَّ الفقرة الخاصة بزعيم كوريا في الرواية لم تعن إعجابه به، إنما السخرية منه ومن عبادة الفرد. والأمر يتجاوز “النظرة العادلة”، أي الحكم عليه، إلى محاولة فهم عناصر الشخصية وليس محاكمتها.

س: تستخدم الوثيقة منذ زمن في رواياتك، وتأتي الوثيقة في روايتك 1970 لتشهد على ما جرى في سوريا ولبنان والأردن واليمن والعالم آنذاك، وليس في مصر وحدها. لا شك أن ذلك يتطلب جهداً كبيراً، وهو جهد بات هيّناً الآن في زمن الإنترنت. لكن ماذا عن رواياتك السابقة، كيف كنت تفعل ذلك؟

ج: هذا سؤال ذكي. بالفعل، لم تعد الصحف مغرية كمصدر لوثائق الرواية، لكن هناك مصادر أخرى، كما أن هناك مجالاً أوسع للتخييل وهناك إمكانية لاختلاق الوثيقة، هناك إمكانيات أخرى عديدة. أعتقد أنني اختبرت بعضها في رواية شرف. وفي رواية وردة كان الاعتماد على أرشيف جبهة ظفار، أمّا في اللجنة فكان المصدر الرئيس هو كتاب أصدرته شركة كوكا كولا بمناسبة مئة سنة على تأسيسها.

س: حضور المرأة باهت في الرواية. والدة عبد الناصر، زوجة السادات التي تهتم بعبد الناصر، زوجته نفسها التي لا تدخل غرفته بحضور زوّار، وابنته التي غدت سكرتيرته فيما بعد، لا يتجاوز الحديث عن إحداهن “سطرين” لماذا؟

ج: لم أكن أعرف أن حضور المرأة بشكل بارز هو شرط من شروط العمل الأدبي!

المسألة (في رواية 1970 عن عبد الناصر) محاولة تلخيص تجربة نصف قرن في ضوء الكوارث التي تتابعت

س: في نهاية الرواية تحمّل عبد الناصر وزر الهزيمة تقول: “ضعت وضيعتنا إلى حين”، لكن هذه الجملة تحمل عتباً أكثر منه تقريعاً، هل تصالحت معه في النهاية؟

ج: لم يكن الأمر تصالحاً من عدمه. المسألة محاولة تلخيص تجربة نصف قرن في ضوء الكوارث التي تتابعت: ضياع الاستقلال الوطني وانتصار القوى الرجعية وشيوع فكرها.

س: أصدرتَ روايتك الموسومة 1967 بعد 47 سنة على كتابتها. وتقول في مقدمتها إنك لم تغيّر فيها شيئاً. هل يعني هذا أنّك لو كتبت 1967 الآن كنت ستكتبها بالطريقة نفسها؟

ج: نعم، مع تعمق أكثر.

س: نكاد لا نجد حوارات سياسية في 1967، ولا ترد الهزيمة بشكل مباشر، بل نتلمسها في ارتباك الأشخاص وخوفهم، بمَ يشي غياب مثل هذه الحوارات؟

ج: بالفعل. كان الخوف مسيطراً. وهذه إحدى سمات الفترة الناصرية. كان الجميع يتلفتون حولهم ولا يجرأون على النبس بشيء.

س: يظهر أبطالك الذكور مأزومين جنسياً، في روايتك برلين 1969، في روايتك 1967، وفي روايتك ذات وغيرها، لماذا؟

ج: ألسنا كلنا؟!

س: تحملك التجارب السياسية من مكان إلى آخر، وردة في عمان، بيروت بيروت، برلين 1969، نجمة أغسطس في منطقة السد العالي… ماذا عن سلطة المكان في الرواية، أم أنَّ التجارب السياسية هي التي تجعل للمكان سلطة؟

ج: التجربة الشخصية هي الأساس. الاحتكاك بمكان وبما يجرى أثناء ذلك من أحداث في ضوء ما تثيره من إسقاطات سياسية واجتماعية وشخصية أيضاً.

أصبح الشكل والمضمون لديّ لا ينفصلان، يبدآن معاً ويتطوران سوياً في أثناء العمل

س: تركز في رواياتك على الشكل، أو على العلاقة بين الشكل والمضمون، وهذا ما أثار في عام 1981سجالاً بينك وبين الناقد والمفكّر محمود أمين العالم حول روايتك نجمة أغسطس، هل يشغلك شكل الرواية قبل كتابتها؟

ج: كان ذلك في البداية. كانت ستينيات القرن الماضي مرتعاً لتجارب جديدة مثيرة في الأدب والفن بلغت أقصاها في ابتداع ما سُمِّيَ بـ”اللارواية”. كنت أبدأ من محاولة التجريب في الشكل. في نجمة أغسطس، سيطرت عليَّ الرغبة في اتّباع شكل يتماثل مع السدّ العالي نفسه. ومع النضج في التجربة الحياتية والكتابية صار الموضوع هو نقطة البدء. وأصبح الاثنان تدريجاً لا ينفصلان: يبدآن معاً ويتطوران سوياً في أثناء العمل.

س: حملت ثورات الربيع العربي 2011 أملاً كبيرًا في التغيير، لكنها سرعان ما أُخمدت ولم تأت أُكلها. كيف يرى صنع الله ابراهيم مستقبل هذه البلاد بعد هذه الثورات؟

ج: ارتدت إلى الوراء. نجحت الثورة المضادة وما زالت، إلى حين!

س: هل تقرأ للأدباء الشباب، أو لنقُل لمن هم بين الأربعين والخمسين؟ هل لمست أثراً للثورات على أدبهم، من حيث حرية التعبير، أم أن معدل الخوف قد زاد؟

ج: هناك طبعاً زيادة في معدل الخوف، لكن ما حدث أنعش المواهب وجذب إلى الميدان أقلاماً جديدة واعدة، خصوصاً من جانب النساء اللاتي وفدن بكثرة وجسارة إلى ميدان التعبير.

القديسون أسطورة.. لم يكن هناك قديسون ولن يكون

س: شقت رواية ذات طريقها إلى التلفزيون، وكان ذلك عملاً جميلاً، حتى إن كثيراً من الشباب عاد إلى قراءة الرواية. ثمة جيل ابتعد عن السياسة ولا يتابع سوى روايات الجيل الجديد، لكن ذات أعادته إلى صنع الله ابراهيم، هل تعلم ذلك؟ إن كنت تعلم، ما الذي يعنيه لك هذا؟

ج: للأسف هذا أثر التليفزيون وليس الكتاب، لكن لا بأس!

س: بعض أفراد جيلي يرون فيك قديساً، ما رأيك بظاهرة القديسين في الأدب؟

ج: هذه أسطورة. لم يكن هناك قديسون ولن يكون. الأمر ببساطة هو الإخلاص للمهنة ومحاولة إجادتها.

المزيد من هذا المؤلف

يا حرية!

 
×