شاهدنا، أيمن وأنا، فيلم نوستالجيا لتاركوفسكي في نسخة مرممة سنة 2003، في مركز “بومبيدو” وسط سنيّ دراستنا. كانت تلك المرة الأولى التي أشاهد فيها هذا الفيلم في صالة سينما حقيقية. المرة الأولى التي أستوعب فيها “حكايته” بحقّ. المرة الأولى التي يتاح لي فيها الوقت والوجود المادي لأتأمل الغرف التي يتجول ضمنها أويبكي أو يحتضر بطل الفيلم. بعد نهاية الفيلم ومشهد الرجل الذي يحاول أن “يداري على شمعته” كما كان ليحلو للشيخ أن يصفه “لو رآه”، خرجنا مع الجمهور الغفير إلى الباحة الواطئة خارجاً ومركز باريس السياحي والتاريخي بسمائه الرمادية وباعة بطاقات البريد والشاورما التركية. كنت أفكر بكتابةٍ مخطوطة على جدار إحدى الغرف كُتب عليه بوضوح: 1 + 1= 1.

فجأة قال أيمن :

“هكذا يجب أن يكون الفن أو لا. إما أن تبدأ من القمة، من المستحيل، أو لا تبدأ.”

تأملت عينيه الزرقاوين الصافيتين مثل ماء بحيرة وذقنه الشقراء العريضة، كان أشبه بنسر جارح. وتذكرت مشاهدتي المتكررة لفيلم تاركوفسكي الآخر المرآة في دمشق، وكنت قد سجلته على شريط “في إتش إس” من التلفزيون السوري في بداية التسعينيات. في نهاية ذلك الفيلم يسأل رجل امرأة في وضعية حب خالصة على أرض غابة:

” ماذا تريدين؟ صبياً أم بنتاً؟”

لا تجيبه رغم أنه “سيحرق عمرها”، كما تقول عاميتنا، لاحقاً. تتأمل المرأة التي كانت مستلقية على صدره ثم اعتدلت، تتأمل ذات تنفس الطبيعة في السهل المفتوح والشجر الذي تحيله كثافته شاشة سوداء ترى فيها ونرى معها اجتياح الماضي للحاضر والمستقبل مثل سوناتا لباخ تجتاحنا وحيدين.

تذكرت كلّ ذلك وفكرت في الطرق المتعددة لأن تكون فناناً ومعنى الفنّ.

مضينا بعدها إلى مطعم المدينة الجامعية الدولية حيث كنّا نقيم. أكلنا وجبة الستيك الصناعي والبطاطا المقلية ذاتها واستأنفنا حديثاً متصلاً عن الكوكا كولا وفالتر بنيامين وعليم كاسيموف لم يكن بقية أصدقائنا يعتدون به كثيراً.

كان لأيمن في سنوات الدراسة تلك ولع كبير بجوزيف بويز. ذهبنا معاً إلى “بومبيدو” نفسه وتأملنا البيانو في الملجأ المغلف بالقماش الخاكي والرمادي الثقبل والبيانو نفسه مغلفاً بذات القماش مع الصليب الأحمر على ذيله المخمد. أحضر أيمن إلى غرفته جذع شجرة مقصوص غدا طاولة دائمة لسهرات الطلاب لديه. انتزع من ممرات الميترو لوحة إعلانية للتبرع لأفريقيا وألصقها بالأشخاص الذين أتلفهم الجوع على جدار ذات الغرفة ومزقها ورسم عليها وغلف ذات السهرات بتلك البقايا. قبالتها كانت على الحائط صور فوتوغرافية له ولسعيد شقيقه في طفولتهما سنة 1980 أو بعدها يبتسمان أمام جدار في بيروت. كان يرتدي تيشيرت خاكي عليها نجمة حمراء ويصخب مثل بيانو بويز المغلف. عمل وقتها جزءاً من بحثه الأكاديمي على رمزية الصبّار في أعمال الفنان الفلسطيني عاصم أبو شقرا. ومعه تأملت مطولاً لوحات الأخير لنبتات الصبار المجتثة من الأرض والمسجونة في أصص على شبابيك. وكان أيمن حاداً وحاضراً مثلها أيضاً في نزق مترع بطاقة لا تهدأ وسؤال لا يتوقف عن الشبابيك والأبواب والأصص وحاويات نقل البضائع وكلّ ما يمكنه أن يحتوينا.

في تلك الفترة اكتشفنا عمل كاباكوف: الرجل الذي طار إلى الفضاء من شقته. عمل التجهيز الجميل الذي يتلصص فيه الجمهور من الخارج وعبر شقوق في الجدران على غرفة رجل وحيد ثبت أرجوحة مطاطية في سقف غرفته وطار بفضلها ثاقباً ذلك السقف وانهال غبار الاسمنت ونثار الخشب على الملصقات السوفييتية على جدران تلك الغرفة وكوب شايه وسريره الخشن. كانت المرة الأولى التي أستوعب فيها معنى التجهيز الفني والبعد الحواسي للفن التشكيلي. بعدها دخلنا مرّة إلى قاعة في “بومبيدو” يُعرض فيها عمل من الستيريوبول يمثّل عدة حيوانات على طريقة الرسوم المتحركة يقفون في صف لصورة التحقق في قسم شرطة. وتنتقل دائرة ضوء على وجوههم مع موسيقا ايقاعية مضحكة. وقفت في لحظة أمام القرد بحيث جاءت دائرة الضوء على وجهي كمشتبه. ضحك أيمن بصخب وتبادلنا المواقع فوقف أمام الكنغر أو شيء من هذا القبيل منتظراً بقعة الضوء ثم حول عينيه مع الضوء، لكنه اصطدم عند محاولته الانتقال بخرطوم الفيل التالي في الصف والذي لم نحسب له حساباً. ركضنا ضاحكين بجنون خارج تلك القاعة مع فكرة أننا ربما حطمنا عملاً فنياً في معبد الفن الحديث.

رأيت صديقي من جديد وقد أصبحنا أربعينيين، رأيته والمدينة البحرية المرهقة تستيقظ ببطء مؤلم، رأيته يفرد أشياءه كلّها بأغرب مزيج من الحرص والتخلي كما كان دوماً، ويقول لي: لا فائدة

اصطحبت أيمن مرة لمسرح شايو. شاهدنا عرضاً مستعاداً من 1977 لديدييه فلامان اسمه احذر المناطيد. عرض شبه صامت ينتمي إلى مسرح الصورة فيه صور من أهوال الحرب العالمية الأولى فيها الكثير من سيلين وشابلن وكيتون. لكن الهول الحقيقي كان التحية التي قام بها فلامان للجمهور المتحمس في النهاية وهو يستعيد مسرحيته المنتجة قبل ربع قرن وقد ابيض شعره وشعر ممثليه. كان هناك شخص يصرخ في الصالة: “فلامان… فلامان…” وفلامان يرتجف وينشج أمام مسرح الألف كرسي الذي كان مرة مقر عصبة الأمم بعد أن صنع عرضاً مسرحياً تحيةً لجندي قتيل في 1914 لا يعرفه هو ولا يعرفه أحد.

ارتجفنا ونحن نتأمله.

في الليل استمعنا، ونحن نحتسي العرق، لشهرام ناظري وتوم ويتس وفجأة ظهر خبر في نشرة الأخبار عن المسرحية فأشرنا إلى الشاشة وقال لنا أصدقاؤنا بابتسام: كنتم هناك؟!.

وفي اليوم التالي كان هناك دائماً فنان آخر أو فيلم آخر أو مسرحية.

أتيت بعدها بخمس سنوات إلى بيروت بمسرحيتي الأولى الشريط الأخير لبيكيت. نسينا مع صديقي رامي السينوغراف يومها تفصيلاً صغيراً: أن نحضر المكتب الذي سيجلس إليه ممثل المسرحية. وقضى أيمن معنا النهار بأكمله بحثاً عن مكتب لكراب بطل بيكيت الذي “باع ست نسخ من روايته في أعالي المحيطات بسعر مخفض”. وجدنا المكتب أخيراً في بيت يمنى شقيقة أيمن هدية من أهلها. وكي نحمله من سبيرز إلى الطيونة ومسرح دوار الشمس ضمه أيمن إلى صدره واستلقى في صندوق سيارة مرسيدس سرفيس مفتوح وعبرنا به بيروت إلى تلك الخشبة في 2010.

التقيت بأيمن بعدها بثمانية أعوام في معرضه الأخير في بيروت. نمت في مرسمه الكبير في الحمرا وتأملت لوحاته وسطوحها وملامسها وأبعادها المتنوعة. شاهدت المدينة ومسرحيته الكئيبة عنها وعن مرور ذلك الماضي وتلك الصور في مطحنة الإنجاز وغياب المعنى أو حضوره القاسي في مكان لا يريد أحد فيه أن ينسى أو يتذكر بحق.

عند الفجر في ذلك المرسم، في زاويته الضيقة وسط فضائه الواسع، الزاوية المرسومة بأربعة كراسي متقابلة تشبه في حميمية قربها من بعضها زاوية السرير وجذع الشجرة والكرسي في غرفة البيت اللبناني في المدينة الجامعية في باريس، رأيت صديقي من جديد وقد أصبحنا أربعينيين. رأيته والمدينة البحرية المرهقة تستيقظ ببطء مؤلم. رأيته يفرد أشياءه كلّها بأغرب مزيج من الحرص والتخلي كما كان دوماً. يقول لي : لا فائدة. ويبتسم محبّاً وجميلاً.

1+1=1

 
×