1- معرض يوسف عبدلكي، صالة الشعب، دمشق، شباط 1978

– تفاجأت بما يتوفّر لدي من الكتب والنشرات والبطاقات التي وزّعت مع معارض يوسف عبدلكي. منها ما أحضرتُه عند حضوري بعض هذه المعارض، ومنها ما أحضره لي أصدقاء، أو أرسله لي يوسف نفسه، استجابة لطلبي وإلحاحي أحيانًا. أحسب، أجملها، الكتاب الخاص بمعرض عبدلكي في كلّ من قاعة أخناتون في القاهرة، 2004، وقاعة الفنون في الكويت، 2005، وخان أسعد باشا في دمشق، 2005 الذي أصدرته غاليري الأتاسي (الصورة 1)، المتضمن بعضًا من أجمل ما كتب عن يوسف، تلك الشهادة النادرة للفنان الكبير حسن سليمان 1928-2008: “عن عبدلكي أتكلّم”، ثم “يوسف عبدلكي وحلم الحياة المقطوع” للشاعر نزيه أبو عفش، والذي أتساءل الآن كيف فاته أن يسمّيه “… شريان الحياة المقطوع” الذي يلفّ على رقبتي وأنا أقرؤه الآن، كأني لم أفعل هذا سابقًا، مع أني كنت قد وضعت خطوطًا تحت بعض عباراته، كما أفعل دائمًا، مثل وصفه ليوسف أوّل تعارفهما بأنه: “مفتون بالأمل”، و”رغم جميع الخيبات والمحن والكوارث والأعطاب التي تخلّفها عقائد الاستبداد والمطاردات والسجون / المعاهد الوطنية لتأهيل الخارجين على الصراط الرسمي للعقيدة” ثمّ وبالقفز فوق عبارات أكثر من أن تذكر كلّها: “أحقًّا أن بلادنا –سورية– حزينة إلى هذا الحدّ!؟.. يبدو لي أن: نعم..”. ويبقى المجلد الكبير عبدلكي الذي أصدرته (غاليري أيام) دمشق، بمناسبة معرضه فيها، كانون الأول – 2007 (الصورة 2)، الذي يطمح لتقديم الجسم الكامل لتجربة عبدلكي، طبعًا، بحدود ذلك الزمن، لأنه، رغم السياقات الجلية في تجربة يوسف، إِنْ في الأسلوب أو في المضامين والمعاني، فإنَّ لا أحد يمكن له أن يتوقع ما يمكن أن تذهب إليه تحولاته. مع التنوية بالمقدمة المميزة التي كتبها إميل منعم، الذي سبق وكتب لمعرض ثمانينات يوسف عبدلكي (الصورة 3) بنصٍّ هام آخر “رعشة تبحث عن سلالتها” في مسرح بيروت، 1995.

– من بين هذه الكتب والكراسات والنشرات كلّها، الكبيرة والهامة، اخترت الكتابة عن الكراس الأصغر والأبكر بينها، وهو دليل معرض يوسف عبدلكي، صالة الشعب، شباط 1978، دمشق، الذي أحتفظ به منذ أكثر من 41 سنة. السؤال الأوّل الذي أسأله لنفسي هنا: “ترى هل كنت أعلم أنني سأحتاجه يومًا عندما أكتب عن صاحبه، أم أن الأمر يتعلق بهوسي بجمع الأشياء والذكريات، ما دام ليس الوحيد الذي أحتفظ به .. .”. أمّا السؤال الثاني الذي يتوجب علي ألا أكتفي بسؤاله، بل، أن آتي بجواب عنه مقنع لحدّ ما، فهو: ” لماذا اخترت الكتابه عنه بالذات، رغم قدمه، ورغم صغره، ورغم ضآلة أهميته بالمقارنة مع الكتب الأخرى التي ذكرت آنفًا؟”. جوابي: “… لأنه قديم وباكر، ففكرة أني أحتفظ به منذ 41 سنة، أي ما يقارب النصف قرن، وأنه استطاع النجاة من حادثتي الغرق والحريق اللتين تعرض لها مرسمي، وفقدت بسببهما الكثير من محفوظاتي، حقيقة تذهلني. ولأنه أيضًا صغير جدًا، وأليف جدًا، ومتواضع جدًا، بالمقارنة مع غيره من بقية الكتب ذات الطبعات الممتازة حقًا، في الوقت الذي لا أرى أنه أقلها أهمية على الإطلاق، بل بالعكس، أراه شديد الأهمية، وأرى أن المرء قادر أن يستنتج منه أكثر الأمور جوهرية في تجربة صاحبه. ولأنه، أيضًا، طبع متأصّل بي، أن أقوم دائمًا بهكذا اختيارات. كأن أرسم كنيسة اللاتين في شارع بغداد، أجمل شوارع اللاذقية، ليس من واجهتها، ببوابتها الكبيرة وبرجيها العالين ذي الجرسين، كما يفعل الجميع، بل من جانبها الشمالي الذي تكاد أشجار السرو تخفي كل معالمه ما عدا بعض الأجزاء من نوافذه العالية.

الصورة رقم (1)
الصورة رقم (2)
الصورة رقم (3)

الغلاف (الصورة 4): لا عنوان للمعرض، هذا أول ما تلاحظه، حتى لا يوجد عبارة “المعرض الأوّل” أو “المعرض الثاني”. هناك فقط رسم نصفي بالأبيض والأسود لرجل عار يشيح بوجهه إلى الخلف أبعد ما يستطيع، بينما يمدّ إلى الأمام يديه المقيدتين من رسغيهما على أبعد مدى ممكن، بل إلى أقرب مدى ممكن، ليخرج طرف إحداها من المربع الأسود الذي يتوسط الغلاف. سجين، أشبه ما يكون بالعبد، يحاول، بكل ما أعطاه الله له من عزم وقوّة، قطع القيد الذي يكبل يديه، وبدل أن يصرخها بفمه، يفتح قبضتيه كفم فاغر، ويضم أصابعه كأسنان: “انظر إلي.. مغلول اليدين، انظر إلى الحبل الذي يقيدني. لا حياة لي من دون أن أقطعه!؟”

الصورة رقم 4

الرسم المطبوع على الجهة الخلفية من لوحة الغلاف، بعنوان أيلول 1، حفر على المعدن، 35-25 سم، 1976(الصورة 5): هنا أيضًا بشر مغلولون. مغلولون، إمّا من أيديهم أو من أقدامهم ، ثلاثة أجساد ذكورية عارية تسقط ببطء، وكأنها في طريقها لتتراكم فوق بعضها، في قعر هاوية معتمة تحيطها الصخور.

الصورة رقم (5)-

كلمة نقابة الفنون الجميلة، بعنوان أسود وأبيض، وفيها ذلك الكلام الذي نعرفه عن قضية الإنسان والمعاناة والصدق مع النفس وغيرها، إن كانت مجرد تكرار بالنسبة إلى كثيرين، هي هنا، بالنسبة إلى يوسف، صحيحة لدرجة المطابقة.

يا طير البرق تأخرت، حفر على المعدن، 25-21 سم، 1976(الصورة 6): هنا أحد أصحاب تلك الأجساد الثلاثة، الذين كنا نحسبهم جثثًا، يهبّ خارجًا من الحفرة المعتمة، ينطلق صارخًا، النور يضيء وجهه وصدره ويمتد إلى ساعديه حتى يصل، بخمس ضربات ضوء صغيرة، إلى أطراف أصابع يده اليمنى. ومن الزاوية العليا على اليمين، طائر يقتحم اللوحة كسهم مشتعل. منذ 1976 ويوسف عبدلكي ينتظر طير البرق ويستعجله.

الصورة رقم (6)

الحصان والحصان المضاد: أحسب، لأسباب متنوعة، أنه لم يكن في 1978 في سورية من يستطيع أن يكتب عن يوسف عبدلكي أفضل وأدق من الفنان رضا حسحس (1939- 2016)، مكتشفًا منذ ذلك الوقت، الصراع الذي كانت وما زالت تقوم عليه تجربة عبدلكي الفنية، فللحصان هنا مدلولان متناقضان، متقابلان، ككفتي ميزان، حصان الناس مقابل حصان السلطة، حصان الحرية مقابل الحصان المضاد، حصان الاستبداد. المساحات السوداء والرمادية الممتدة والمسيطرة على مساحة اللوحة، مقابل الشكل، إنسان، حصان، طائر، وهو يشغل جزءًا أو زاوية منها، فيقول، ملخصًا كل هذا: “أصبحت المتناقضات داخل اللوحة بؤرة العمل.. ومفتاحه”.

العشاق، حبر صيني، 103-69 سم، 1977 (الصورة 7): ترى من في جيلنا، لا يعرف هذه اللوحة؟ أذكر منذ عدة سنين لا أكثر، أنَّ عملاً نحتياً مطابقاً لها 100% فاز في إحدى المسابقات. من الواضح هنا أن الحصانين العاشقين لا يرمزان لمضمونين متناقضين، فالحصان الأشهب ذو العين الغائمة بالدمع، يقترب برأسه من عنق الحصان الصارخ، المشرئب برأسه عاموديًّا ما أمكن، الجاحظ بعينيه، للأعلى، حيث نرى، عند الحافة العليا للمساحة المطلوسة بالسواد، بطن قدم حافية مع جزء مظلل من الساق!. أحد ما معلق على مشنقة.

الصورة رقم (7)

المشهد الحالي، حبر صيني، 244-132 سم، 1978 (الصورة 8): يتألف هذا العمل المركب من لوحتين مربعتين كبيرتين واحدتهما فوق الأخرى. يظهر في قاع السفلى منهما رأس حصان بعرف أشقر خافق، وفم مفتوح يظهر منه فكا أسنانه، ورغم أنه مغلول القائمتين الأماميتين (أعترف أنني حسبتهما في البدء رأس حصان آخر)، ورغم القيد الأسود المشدود بحزم حوله، فهو قادر على الوثوب عالياً باتجاه الحصان المضاد الذي يحتل كامل مساحة اللوحة العليا، كأنه وحيد قرن بدروع معدنية لامعة، صفائح سميكة تربط بينها قضبان ومسامير وتتخللها تروس وأنابيب، تعمم القسوة على كل جزء من بدن هذا الحصان المصاب بداء الكلب والذي تحول إلى وحش، إن لم يكن بطبيعته وحشاً.

الصورة رقم (8)

أيلول 2 (الصورة 9): هذه المرة رسم جماعي لأحصنة من النوعين، تلتحم لدرجة لا يمكن للمشاهد أن يفرق بينها، في قتال وحشي، الأحصنة المضادة، الرمادية، تعض وتنهش وتقطع أوردة أعناق الأحصنة البيضاء. كل ذلك فوق، وأمام، وعلى جانبي، وتحت، دبابة.

الصورة رقم (9)

– ورقة سمراء ثالثة، عن يوسف عبد لكي، 1951، ولد في القامشلي، أقام معرضين شخصيين 1973 و1974، اشترك بمهرجان برلين، فاز إعلانه عن معرض الزهور الدولي بدمشق بالجائزة الأولى، شارك بالعديد من التظاهرات الفنية في سوريا وخارجها (بلغاريا، بلجيكا..)، كل هذا قبل تخرجه من كلية الفنون الجميلة بدمشق 1976، قسم الحفر بدرجة … شرف.

– (……..) حفر على الحجر، 47-32 سم، 1975 (الصورة 10): تكاد تكون الرسم التوأم للوحة الغلاف، فربما هما لذات الشخص، حيث تتضخم اليدان بعامل المنظور، بينما تصغر الكتفان والرأس. إلّا أنه يمكن بسهولة ملاحظة عدم وجود قيد على اليدين رغم التصاقهما. الأمر الذي يفهم منه أن استخدام القيد المعدني أو الحبل أو شريط النايلون، ليس شرطًا لأن يكون الإنسان معتقلًا: البشر، نحن، معتقلون بالخوف، باليأس، بفقدان الأمل. إلّا أنه، رغم كل هذا، يجب الانتباه إلى النظرة، فهي ليست نظرة إنسان مستسلم. شيء بعيد عن يوسف، وقتها، ولليوم آمل، بعد كل هذا السنين أن يرسمنا مستسلمين.

الصورة رقم ( 10)

– صفحة الأعمال: 38 عملًا مقسمة حسب أنواعها، 15 عملًا حفر على المعدن (من بينها عندما قال يوسف عبدلكي لحبيبته تعالي، همست فاتحة ذراعيها -بحسب معرفتي لا حبيبة يمكن أن ترفض دعوة كهذه!- وأما آن لهذا الفجر)؛ 9 أعمال حفر على الحجر (ليتوغراف)، نكتشف بها أن اللوحة (……..) عنوانها الاعتقال، إلّا أنه، لسبب أو لآخر، تم وضع نقاط بدلاً عنه. الأعمال الباقية، 3 قلم رصاص (من بينها خمسة ذهبوا.. نحن باقون)؛ 5 حبر صيني (من بينها سنة يا حبّي ولا، الحب و اللا توأمان عند يوسف؛ 5 دراسات (من بينها فرج الله، أتراه فرج الله المرتقب أم فرج الله الحلو؟)

حمامة 1 (الصورة 11): تصلح، باستخدام تقنيات يوسف المتأخرة، أن تكون موضوعًا من مواضيع مرحلة التسعينيات وما بعدها. (الصورة 12) الحمامة ذاتها بإضافة بسيطة، فقط لتوضيح الفكرة أعلاه.

الصورة رقم (11)
الصورة رقم (12)

بالتأكيد مضى زمن، أقرب لأن يكون دهرًا، على هذا المعرض، الذي يمكن القول عنه إنه ثبّت، مرة وإلى الأبد -هذه الكلمة الأخيرة يجب ألا يسمح باستخدامها إلا عند الحديث عن الفن والأدب و.. الحبّ- أقدام يوسف عبدلكي في ساحة الفن التشكيلي السوري. أعمال كثيرة فيه تنبئ بكل ما رسمه يوسف، وأيضاً ما حدث له، ليس فحسب أنه قد أثبت صدق نبوءته واعتقل وصار هو نفسه مغلول اليدين، بعد انتهاء فترة المعرض بأشهر ثلاثة لا أكثر، بل خلال هذا النصف قرن بكل كوارثه، إن في التحولات البسيطة نسبيًّا في عقد الثمانينيات من القرن المنصرم، أو في التغييرات الكبيرة المفاجئة، الأشبه بالانعطاف الحاد في نهاية عقد التسعينيات الذي تنبّه له جميع متابعيه، وجميع من كتب عنه لاحقًا، تلك الرسوم الكبيرة بالفحم للأحذية والزهور الغريبة والتفاح والموز والبصل والقواقع والطيور الميتة والسكاكين المغروزة والأسماك ورؤوسها المقطوعة ذات الأشداق الشاغرة والجماجم والعظام الصغيرة والكبيرة بعد أن يسلقها وينظفها حتى تغدو كأنها عاجاً… جميعها، جميعها تحمل، تحبل، بها هذه الرسوم، حتى يكاد يصحّ تمامًا أن أعكس ذلك القول الذي لطالما صدقت أنه صحيح: “لا تستطيع أن تحكم على الكتاب من غلافه”. إلى، هنا، وبالنسبة إلى يوسف عبدلكي، نعم “تستطيع أن تحكم على الكتاب من غلافه”، لا غلاف معرض 1978 فحسب، بل تجربة يوسف عبدلكي منذ البداية، أي منذ نصف قرن من الزمن -وما أدراك ما هذا النصف قرن من الزمن- إلى اليوم -وما أدراك ما اليوم- وكذلك إلى البعيد البعيد من الأيام.

 

2- يوسف عبدلكي رجل الخطوط في “رجل أقوال”

مذكراتي التي كنت بدأت كتابتها منذ عامي الدراسي الأول في كلية العلوم الاقتصادية في جامعة حلب، أي منذ 53 سنة, بعنوان رجل أقوال، وهو لقب كان يناديني به صديقي الشاعر العراقي مهدي محمد علي، وكنت في السابق أستظرف عنواني هذا، باعتباره نقيض “رجل أعمال”، وهو ما لم أكنه أو أرغب في أن أكونه قطّ. غير أني رحت أفكر بتغييره منذ فترة. والحقيقة أنني بعد أن فكرت بإعداد المخطوطة للنشر، أهملتها وانشغلت عنها بأمور أخرى، لا أظنها أشد أهمية، إلا أنه لا يبدو أني سأنتهي منها، لا في المستقبل القريب ولا في المستقبل البعيد، هذا إذا كان قد بقي لي ولأمثالي مستقبل ما. المهم، في هذه المخطوطة الكبيرة المسهبة التي جمعت فيها ما هبّ ودبّ من ذكرياتي وأفكاري وأقوالي المأثورة وغير المأثورة، إضافة لما أسمّيه إحضاراتي الشعرية، أي الخواطر والصور التي أنطلق منها أحياناً لكتابة الشعر، هناك ذكر لأسماء كثيرين من أصدقائي ومعارفي وأناس مرّوا مرورًا خاطفًا في حياتي، والأحداث التي جرت لي معهم، الهام منها والتافه. ولا ريب، أنني في هذا السفر الضخم، قد أتيت على ذكر يوسف عبدلكي مرات عديدة. ولست متأكّدًا الآن من أني نقلت من دفاتر مذكراتي كل ما كتبته عنه.

30/1/1977: في دمشق، أجري الترتيبات لمعرضي في المركز الثقافي (أبو رمانة)، مع أني ما عدت متحمسًا للأعمال التي سأعرضها، وأشعر أنني تسرعت بالعرض في دمشق. بندر عبد الحميد ونزيه أبو عفش كانا في انتظاري. لقاءات مع محمد خير الدسوقي وتوفيق الأسدي ومحمّد كامل الخطيب. وزيارة ليوسف عبدلكي في غرفته الصغيرة في حي باب شرقي أو باب توما، لا أعرف دمشق كفاية لأحدد، وإطلاعي على عدد غير قليل من رسومه، منها ما يرسمه للأطفال، لأخرج بشعور، أو قل بخلاصة، أني أنا الآن أفضل، لكنه غدًا سيكون هو الأفضل.

16/4/1977: أول رسالة تصلني من يوسف عبدلكي. عنوانه: (دمشق/ شريبشات/ الإطفائية/ بناء 5/ط 1. هاتف /229236/. [لم أجد هذه الرسالة بالذات، في العلب الكرتونية التي أخرجتها من مرسمي بعد الحريق. ربما سأفعل هذا، أو بالتأكيد سأفعل، أعدكم، إذا حدث وتوفّي يوسف قبلي. صحيح أنه يصغرني بسنتين، وذو صحة جيدة، ولكن لا أحد يعلم. حلوة الصراحة].

25/7/1977: رسالة من يوسف عبدلكي، هذه المرة مختصرة يخبرني فيها أن 13 آب القادم هو الموعد النهائي لمعرضي في المركز الثقافي العربي بدمشق، ثم يقول: “مجموعتي عن الخنازير لم أنجز منها إلّا القليل، وإحداها بعنوان “موطني موطني” لأن النقابة المكرمة رفضت عرضها في معرضي حمص وحلب. كتبت “مقطع شعري” صغير بعنوان “طوبى للمجانين” … أعرف سلفاً أنه لن يعجبك، لا لشيء إلّا لكونه اعتداء سافر على كاركم. اطلب من الوزارة أن تطبع لك الإعلان، وسأكون مسرورًا إذا صممته لك…”، مذيلًا الورقة الصغيرة الرقيقة التي كتب عليها الرسالة بسطر جاء تحت الإمضاء والتاريخ: “إذا أحضرت لي معك كتاب الأطروحة الفنطازية سأكون ممنونك” (الصورة 13).

الصورة رقم (13)

6/10/1977: زيارة يوسف عبدلكي وهالة عبد الله لبيت أهلي في اللاذقية. استضفتهما في غرفتي التي تحتوي مكتبتي ولوحاتي وأقفاص عصافيري. استعرضت أمامهما رسومي الورقية كلّها، فأبدى يوسف إعجاباً متحفّظاً بأغلبها، وهالة بالقرب منه صامتة. يتعامل معي كرسام لا كشاعر، حتى إننا لم نأت على سيرة الشعر إطلاقًا، وهذا ما أفضله في حضرة الرسامين. كما طرح بعض التساؤلات وبعض الملاحظات التقنية، مثل أنّ إدخال قلم الرصاص على بعض رسوم مجموعة بشر وتواريخ وأمكنة من دون رسوم أخرى، جعلها تنقسم إلى نوعين مختلفين، وهذا ما وافقته عليه. بعد الزيارة أرسلت له رسالة مسهبة نوعًا ما، مما جاء فيها:

“مرة، أثناء خدمتي العسكرية في الجبهة، كنت أكتب تلك القصائد القصيرة، التي نشرها لي زكريا تامر في مجلة الموقف الأدبي، حين كان يرأس تحريرها، بعضًا منها، تحت عنوان، هو من اختاره: (رحلات شقائق النعمان). مرة أقول، جمع المسؤول الحزبي في الكتيبة، وكان مساعدًا قضى جل خدمته العسكرية في سلاح الهجانة، الذي أحلّوه ووزعوا عناصره على القطعات العسكرية الحدودية، مسودات هذه القصائد، التي كنت أرميها كيفما اتفق، فتحمل الريح بعضها بعيدًا، وتعلق بالأشواك المنتشرة على طول الخط الحدودي، وربما تعبره، وأخذها إلى قائد السرية، بظنّه أنها قد تتضمن معلومات عسكرية، ولكن بعد قراءته سطرًا أو سطرين منها، وكان من المعجبين بالشاعر سعيد عقل، كما عرفت لاحقًا. صاح به: “يا عبد الله، جاسوسك هذا ليس إلاّ من شعراء آخر زمن، ألا ترى كثرة النقاط فيها!؟”.

“حتى الآن، لا أظنني أجدت كفاية أن أكون أنا، لذا فأني غالبًا أحاول أن كون نحن. متعمّدًا الخسارة بالطريقتين، وكأنه عليك أن تتحقق من كونك أنت الخاسر دائمًا. حتى إني، وبصراحة، لست متماسكًا على الإطلاق، ولكني تعلّمت أن أخاطر وأقفز. فأشعر كأني كوب زجاجي يرميه البائع بطريقة معينة على أرض الرصيف، ليبرهن للمشتري بأنه غير قابل للكسر، فإذ به ينكسر”.

2/6/1978: يزورني ع. ش في المديرية، منذ زمن لم يفعل، هذه المرة جاء ليسرّ شيئًا محدّدًا، أزاح كرسي الخيزران الذي أضعه بجانبي ليجلس عليه زواري واقترب مني أكثر ما يمكن، وقال لي هامسًا إن حملات الاعتقالات مستمرّة، وأن العديد من الأصدقاء تم اعتقالهم بتهمة الانتساب لرابطة العمل الشيوعي أو حتى بصداقاتهم مع أعضائه…”منهم صديقك الرسام يوسف عبدلكي. ومن الممكن، فلم يتأكّد هذا بعد، أن تكون معه خطيبته هالة عبد الله لأن حملة الاعتقال تطال عضوات الرابطة أيضًا”. فلم أجد ما أقوله وأنا أضع يدي على رأسي، سوى: “يا للهول”.

18/9/1987: وصلتني البارحة اللوحات التي سنقيم بها المعرض الأوّل ليوسف عبدلكي في اللاذقية. أسعدني أن أكون أنا من اختاره يوسف وهالة ليساعد في إقامة هذا المعرض الذي أتوقّع أن يكون حديث المدينة كما يقال. وضعت اللوحات على طوان مكتبتي (فكر وفن) كما وصلتني في علبها، مرفقة برسالة من هالة تقول إنها كتبتها على عجل، لكنها تضمنت عدة مقاطع لافتة، جيدٌ أن أستفيد منها: “.. وإذا حصل واشترى أحد ما لوحة، فأرجو الاحتفاظ باسمه وعنوانه ورقم النسخة المباعة”، و”كما أرسلت كمية من البروشور والأفيش.. لتوزيع جزء منها في الطرقات… وبيع بمبلغ (5) ليرات الباقي في صالة العرض (إذا كان هناك إمكانية لذلك) أو توزيعها على المهتمين..”، وختمتها على النحو التالي: “تغمرنا الثقة بقدراتك ورغباتك الصادقة ومحبتك… هاله”. [الرسالة ما زالت محفوظة لدي].

22/9/1987: قمت بزيارة مدير مركز الفنون التشكيلية أحمد الخير، صديقي منذ أيام إعطائي دروساً بالرسم وعلم الجمال في المركز قبل سنوات، لمعرفة الإجراءات اللازمة لحجز الصالة لأسبوع أو أكثر، في موعد محدد، رأينا أنه من الجيد، من دون أدنى شك، ألّا يكون المعرض قبل انتهاء دورة ألعاب البحر المتوسط في اللاذقية في 29 من هذا الشهر.

6/10/1987: وأنا في مكتبي في مديرية التخطيط، اتصل بي المدير وطلب مني الحضور لغرفته، حيث رأيت عنده شخصين واقفين ينتظراني، حدست أنهما عنصرا أمن من أوّل ما وقع عليهما نظري، أو ربما من رؤيتي وجه المدير مصفرًا إلى تلك الدرجة، وهو يقول لي بما معناه أن هناك تشابهًا بالأسماء، لكن العنصرين لم يمهلانه حتى ينهي جملته، حيث أمسكني كلّ منهما من طرف ونزلا بي المصعد، ثم ونحن نقطع الشارع رفع أحدهما كنزتي حتى غطّت رأسي وأدخلاني السيارة وهما يسألاني ما إذا كنت أعرف هذا وذاك، مرددين جملة: “سوف تعترف بكل شيء”. حين وصلنا إلى فرع الأمن العسكري، كما تبيّنت لاحقاً، تفاجأت وأنا مقيد ومعصوب العينين ومكوّم على الأرض، أن من بين المعتقلين أخي رفعت، وذلك عند سماعي صوته الراعش يجيب باسمه الكامل على سؤال أحدهم. وعندما علمت بعد أوّل جلسة تحقيق معي، أننا هنا ضمن حملة اعتقال واسعة على أعضاء حزب العمل الشيوعي بالتخصيص، رحت أفكر فيما إذا كانوا قد عرفوا بلوحات يوسف عبدلكي القابعة على طوان مكتبتي، استعداداً لأن أقيم معرضّا لها في اللاذقية. ولحسن الحظ، عندما اعتقلوا أخي من المكتبة، لم يفكروا بالصعود للطوان، فهم عادة لا يبحثون عن هذا النوع من الأدلة. التقارير ومن ثم الاعترافات هي الأدلة التي يحتاجونها ويأخذون بها عادة.

18/10/1987: أعدت أعمال يوسف عبدلكي إلى دمشق، بالسرعة الممكنة، بعد أن استحال عرضها، نتيجة ما حدث. ولكن ليس قبل أن أقدم لنفسي مكافأة على إنقاذي لها، بالتأكيد لو عرفوا بأمرها بطريقة أو بأخرى لصادروها وعملوا بها ما تظنون أنهم يعملون. كما لا أحد يدري ماذا كان سيحل بي وبأخي، فالأخوة يلمون الشباب لمجرد قراءة نشرة، أو جلسة شاي. اللعنه عليك يا يوسف أفندي، نارك ما بتدفي ولكن دخانك يعمي. المكافأة كانت ما أظنّه واحدة من أجمل وأهم لوحات المعرض، وردة سوداء، 1978 (الصورة 14)، وهاهي معلقة في بيتي على حائط غرفة الطعام.

الصورة رقم (14)

11/2/1980: رسالة بقلم خشب أزرق، من يوسف عبدلكي (الصورة 15): “أحوالي سيئة منذ عام… أصبحت للمرة الأولى منذ 1971 دون مرسم. استطعت أن أمشّي حالي بمرسم أصغر من علبة كبريت مدفعين… أي الانتظار بدون أفق ولا معنى”. “وصلني كتابك الأخير.. فرحت لصدور شيء جديد لك بعد “بشر وتواريخ وأمكنة” قرأت فيه حساسيتك وجمال اللغة المتـأنفة عن الزخرف المعروف في الشعر العربي الجديد.. كذلك بعدك عن لزوجة العواطف وسيولتها.. إذن شكرًا”.

الصورة رقم (15)

7/8/2001: اتصال من نزار صابور: “أنا في المرسم، مرّ”، عاد منذ أسبوع من فرنسا. كان لديه هناك معرضان، الأوّل، في حزيران، في صالة معهد العالم العربي في باريس، لأساتذة من الفنانين التشكيلين السوريين، من الجيلين الثاني والثالث في الفن التشكيلي السوري الحديث؛ الثاني، معرض خاص بأعماله في قصر بوندي في ليون بعنوان عالمان. ما سرّني، فوق كل هذا، هو أنه أحضر لي صورتين ليوسف عبدلكي، يبدو في كليهما، على نحو متتابع، واقفًا بجانب حائط كتب عليه عبارة: “منذر… صباح الخير” محاطة بدائرة تشبه التفاحة (الصورة 16).

الصورة رقم (16)

6/5/2005: معرض يوسف عبدلكي في خان أسعد باشا: ليس من عادتي أن أسافر إلى دمشق لأحضر معارض فنية أو أمسيات شعرية، لكن معرض يوسف بالنسبة إلي وإلى أمثالي أشبه بعودة ظافرة. انطلقت من اللاذقية في الساعة الواحدة ظهرًا ووصلت دمشق في الخامسة. 7.30 مساء ذهبت إلى المعرض. كان هناك أصدقاء كثيرون.. نزار صابور وزهير دباغ وهالا محمد وسوسن سلامة تتحرك على مسند. سلمت الأغراض التي أوصاني عليها صبحي حديدي وأختي مرام لهالة عبد الله. معرض هائل حقًا. بعدها رغبت بالسفر إلى اللاذقية مباشرة، لكن يوسف أبقاني لقضاء السهرة في مطعم أثري مع عدد من الأصدقاء منهم منير الشعراني وأصلان عبد الكريم وآخرين لا أعرفهم، أظنهم جميعًا من حزب العمل الشيوعي. عند الثانية ليلًا، ودعت الجميع وأخذت تكسي إلى محطة باصات اللاذقية، وعدت.

– 10/6/2005: يجمع الصديق بدر زكريا 400 ليرة سورية ممن يرغب في حضور حفلة فندق الريفييرا التي سيقيمها رفاق يوسف وأصدقاؤه احتفالًا بقدومه إلى اللاذقية، أما أنا فلا، لأني مدعو من قبل يوسف شخصيًّا.

استقبلت، أنا ومازن شمسين ومنذر عباس، يوسف في محطة الباصات. جاء مرتديًا قميصًا أحمر مع صديقه منير الشعراني, قلت له: “زاغت عيوننا بهالقميص”. دخلنا معه صالة الريفييرا أنا ونزار صابور وأسامة محمد وجلسنا على ذات الطاولة. شعرت، وأنا أحد أبعد الناس عن حزب العمل الشيوعي، فكرًا وتنظيمًا وممارسة، وكأنني أكتسب أهمية خاصة عندهم بسبب هذا.

بينما كان بدر زكريا يتلوّى ويدور ويلف حول نفسه ولكن لا يقع برقصته التعبيرية الشهيرة، أصرت زوجته كلاديس وشدتني من يدي للنزول والرقص معهما. أظنني خيبت ظنّها برقصي الرصين الفاتر. قال أسامة إن رقصة بدر تستحق أن تصوّر بفيلم تسجيلي، ويتمنّى أن يصوّرها بنفسه يومًا ما.

انتهت السهرة في الثانية والنصف ليلًا، وكان علي أن أوصل يوسف إلى محطة الباصات، لكن محرك سيارتي الفوكسفاكن بولو، لأول مرة منذ شرائي لها قبل سنتين، لم يعمل، فقام بدفشها مسافة ليست قصيرة حتى دار المحرك، كل من الفنانين الكبار يوسف عبدلكي وأسامة محمد ومنير شعراني. ترى هل كان هذا بقصد منها أو، ربما، مني؟ لأنه شي لا يصدق، ذكرى تاريخية، أن يقوم بدفش سيارتك هؤلاء الثلاثة. ولكن للأسف لا أحد التقط لنا صورة.

– 12/4/2007: عدت البارحة من حلب، بعد أن حضرت مع عدد من الأصدقاء، افتتاح معرض يوسف عقيل في صالة سرمد. أجد رسوم عقيل جميلة أكثر مما أقدرها، تتصف بعقلية استشراقية واضحة، شعرية، تزيينية، متقنة. أذكر مرة في دمشق أني انتقدت لوحة له أمام صديقنا المشترك مأمون صقال، عندها اعترض يوسف بحدة اضطرت مأمون الذي يقدر الجميع رأيه لأن يقول له: “أظن أنه عليك أن تفكر جيدًا بما يقول منذر..”. ولا أدري ماذا كنت أفعل. سبق أن رسم لي يوسف عبدلكي على ورقة أمامه بروفيلاً كاريكاتوريّا (الصورة 17)، بأنف عملاق، طويل وغليظ بآن. كيف أسامحه على هذا؟؟ بالتأكيد لن أضعها في برواظ وأعلّقها على حائطي.

الصورة رقم (17)

– 30/10/2008: بعد اتصالات عديدة، طلب يوسف منّي أن أشتري باقة زهر، بل سلة زهر، على حسابه طبعًا، وأستقبله في الساعة الثانية عشرة ظهرًا والسلّة معي في كراج الباصات. جاء يوسف بشعره الفضي المربوط من خلف على شكل ذيل الحصان، وبقميص أحمر آخر، أغمق. وتجهنا سويّة إلى مكتب المخلّص الجمركي الذي صادف أن كان صديقاً لي وخلّص ليوسف حاوية ليس في داخلها سوى أدوات وأعمال فنية. حاوية جمع فيها يوسف كل ما يمكن إحضاره من منفاه القسري في عاصمة النور. لم يترك هناك سوى ما لا يستحق عناء إحضاره، وما لاحاجة له به بعد اليوم. عاد يوسف عبدلكي إلى سوريا ليبقى فيها. سوريا التي تعاني ما تعانيه ويحكمها من يحكمها، هي المكان الذي يعطي معنى لكل ما يمكن أن يقوم به يوسف، معنى لتجربته الفنية وهي تتغير وتتطور، ومعنى لحياته وهو باق على تلك الأفكار والمبادئ التي يكرس كل شيء لأجلها. هذا أمر لا شكّ فيه، وهو ما كان يريده وينتظره طوال سنوات غربته هناك.

مررنا على كافيه ناي، والتقينا عددًا من الأصدقاء، كما تبضّعنا بعض الحلويات اللاذقانية التي يحبها، جزرية ومربى القرع ولوزينة على ما أذكر، ولم نجد في هذا الوقت من السنة من يبيع البوظة سوى جعارة في حي الأمريكان، بالقرب من مرسمي، فصعدنا للطابق الثاني وأكلنا، رغم أن الطقس كان أقرب للبرودة، لكن يوسف مدمن على البوظة صيفًا شتاء. قضينا الوقت ونحن نتبادل النكات والطرف. اللطيف، الهازل، الضاحك، هو الوجه الآخر الذي يعرفه كل من يصاحب يوسف. بعد ذاك تغدينا في بيت أهل فادي يازجي، عديل يوسف، عائليًّا وفنيًّا، فهو رسام ونحّات وصديقي في الوقت ذاته.

– ودعته قرب مديرية التبغ، عند مدخل المدينة، حيث سافر مع أغراضه بسيارة شاحنة، ولم أنس هذه المرة أن ألتقط لنا عددًا من الصور، يظهر فيها وهو يشم زهرة صغيرة، مرتديًا قميصًا أحمر آخر، من القرن المنصرم (الصورة 18).

الصورة رقم (18)

3- جُمجمةٌ بشريةٌ مُغبرَّة

إلى يوسف عبدلكي

***

فوقَ رُفوفِ شُعبةِ النَحت

في مركزِ الفُنونِ التَشكيلية

آلهةٌ مُقطَّعةُ الأوصال

وخَياشيمُ من جِبس

وآذانٌ صمّاء.

/

فوقَ الرَفِّ الأخير

بينَ رُكامِ نَماذجِ النَحتِ المُحطَّمة

تطُلُّ برأسِها

جُمجُمةٌ بشريةٌ مُغبَرَّة

يأنَفُ الجَميعُ أن يُبالوا بها.

/

حملتُها بيدَيَّ المُرتعِشتين

ووضعتُها فوقَ مِنشفةٍ بيضاء

أمامي على المِنضدة

وها هيَ مُنذُ ساعتين

تحدُجُني بنظرةٍ جوفاء

ليسَ لها قرار..

من دعوة خاصة للجميع، دعوة عامة لشخص واحد

 

4- أمّ الشهيد لا تنظر إلى الصورة.. لا تستطيع

لا أكتب بمناسبة معرض يوسف عبدلكي المقام حاليًّا، في صالة كامل، المزّة، فيلات شرقية، دمشق، من 17/12/2016 إلى 15/1/2017 الذي كنت، ربما، أول من أعلن عنه على صفحات الفيسبوك، مرفقًا مع بطاقة دعوته المطلوسة بالسواد. فهذا ما لم أفكر به، عندما كتبت، لا كثيرًا ولا قليلًا، إذ كتبت تعبيرًا مباشرًا عن شعوري، ليس غير: “ذلك الإصرار على الأمل”.

ليس بمناسبة المعرض، فقد كتب عنه الكثيرون، وبعض ما كتب، أعترف، لن أستطيع مجاراته في روعته وصدقه، رغم شعوري أنني، ربما أنا بالذات، لدي ما لم يقله أحد، أو على الأقل، ما لم يقله أحد بوضوح كاف، فلقد خرجت لتوّي، هذا إن كنت قد خرجت حقًا، من مجابهة مشابهة، لما جوبه به يوسف، وجرت مساءلته عنه، ولم ينقص سوى إصدار مذكرة استدعاء، بحقه، والتحقيق معه، بتهمة اختياره هذا المكان وهذا التوقيت لإقامة معرضه، وإن لم أكن، كما هو معروف عني وعنه، بجلادة يوسف وصلابته.

ليس بمناسبة معرض يوسف، فلطالما رغبت أن أخصّ تجربته، بجهد نقدي حقيقي، كنت على وشك البدء به، بعد أن أرسل لي ما ينقصني من نشرات وأدلّة معارض لم يتح لي حضورها، فإذ بنا جميعًا في قلب العاصفة، العاصفة التي ذابت نظراتنا في ذلك الأفق المعتم ونحن نرقبها ونرنوا إليها، وإذ بنا جميعًا ندع كل ما بأيدنا يسقط أرضًا، ونرفعها مهللين لطير البرق الذي كان يعبر سماء لوحات يوسف كلّها يومًا ما. ذلك أني، رغم المسافات والأزمنة التي كانت تفصل بيننا دائمًا، رافقت نمو وتطور تجربته، من مرسمه الضيق في باب شرقي أوائل السبعينيات إلى معرضه الشخصي في صالة نقابة الفنون في دمشق 1978 الذي أخذت إجازة 48 ساعة، خلال خدمتي الاحتياطية في إحدى المواقع الحدودية، وقدمت لحضوره، وصولًا إلى يوم اعتقالي أنا وأخي رفعت، في 18/10/1987، وأعمال يوسف مكدّسة في علّيّة مكتبتنا، استعدادًا لعرضها في اللاذقية، العرض الذي لم يحدث!؟، ما حدث، ما حدث الآن، أنه، خطر لي أن أضع لوحة أم الشهيد على واجهة حسابي الفيسبوكي، وأكتب عنها شيئًا، فإذ بي أقوم بقراءة أولية مختصرة لها، وجدت من المناسب أن أكملها هنا بنص خاص بها.

حيث المهارة ما زالت فنًّا: لوحة أم الشهيد، فحم على ورق، 100-100سم، 2012 (الصورة 19) واحدة من لوحتين أطلق عليها يوسف عبدلكي الاسم ذاته، من بين رسوم معرضه ما قبل الأخير، الذي أقيم، في بيروت أولًا، ثم نقل إلى باريس، ثانيًا، وذلك خلال شهري آذار ونيسان 2014، ثم، ثالثًا، لم يسمح له بعرضه في بلده. تصوروا، ما زال هناك من يخاف الرسوم!؟. ورغم أنها، نسبيًّا، ليست من أعمال يوسف الكبيرة، بالمقارنة مع أعمال يصل عرضها، أو طولها، رغم أنها ورقية، إلى ثلاثة أمتار، أو حتى أربعة، وأحيانًا أكثر، فهي، أيضًا، تحتاج لأن تقف على مسافة منها، وتنظر إليها عن بعد، نظرة واسعة شاملة، بقدر حاجتك لأن تقترب منها، بالقدر الذي يُسمح لك، وتدقق النظر في أجزائها وتفاصيلها. رسام مسامات هو، يعتني عناية قصوى بكل سنتيمتر مربع في لوحته، العناية الزائدة التي تبدأ بالشخوص والأشكال التي عمومًا ما تشغل وسط اللوحة، إلى خطوط الحواف التي يحددها ضوء، ضوء ينبع من جهة ما غامضة، من دون رغبه منه في تبديد العتمة التي تعمّ لوحاته منذ بداية البداية، إلى نسيج السطوح، الذي يتناوب على رسمه رأس عود الفحم وبطنه وبعده حرف الممحاة. نعم ذلك الضوء الموزع على رأس المسمار، ذلك اللمعان في عين السمكة وعلى أطراف النبتة، تلك الأسلاك التي تلف حول الجمجمة، الشرايين البارزة على اليد المقطوعة، جميعها مرسومة ليس بالقلم، بل بالممحاة، مقدمًا تلك الأمثولة الفنية المعاكسة لمفهوم الفن الحديث، وربما الفن عمومًا، منذ ما يقارب القرن، وهي أنّ المهارة (القدرة) في الرسم مازالت فنًا.

الصورة رقم (19)

ما الذي تخفيه الحراشف اللامعة: الرسامون عمومًا، بشر قساة، وخصوصاً رسامي الخط (اللون بقعة متلاشية، عاطفة مفلوشة، إذا لم يحددها خط)، فما بالك برسامي الخط التعبيريين، الحفارين والطباعين بالحبر القوي، ورسامي الفحم والرصاص الغامق. منذ البداية، ظهرت القسوة في أعمال يوسف؛ الأحصنة ذات العروق النافرة، والمعتقلون نصف العراة بقيودهم، وذلك الوحش.. خليط الثور والخنزير والدبابة، الذي أخافني في معرضه الأول وكرهته. إلاّ أنه كان هناك، أيضًا، الهتاف والانفعال والألم. أمّا في الثمانينيات، فقد انصبّت أعمال يوسف، وكأن هذا كان استجابة لمبادئه السياسية، على رسم الأوساط الشعبية، ما في بيوت أناس متوسطي الحال، أزواج وعائلات من بيئة ريفية، أو التجمعات السكنية حول المدن، حيث اغتنت المفردات، وربما اكتظت، مع تنوع غير مسبوق في معالجة المساحات، أتاحتها التقنيات المبتكرة للحفر على الزنك. أمّا في التسعينيات، التي استخدم فيها يوسف العديد من التقنيات، ومنها الرسم بالباستيل، فقد احتلها جنرالات ورجال سلطة ومال، وخليلاتهم!؟، حيث السخرية هي الشعور المسيطر. بعد هذا جاءت الطبيعة الصامتة، لا بل يصح هنا أكثر، الطبيعة الميتة، جماجم خراف تلتف عليها أسلاك، عصافير ميتة مع سكاكين كبيرة مغروزة بجانبها، أحذية مستعملة بسيور مفكوكة، أسماك بعيون جاحظة وأفواه فاغرة وكأنها تشهق العدم، العدم الذي كان يوسف يعلم أنه لن يخرج منه سوى بعودته إلى سوريا 2005، إلاّ أن قيامة 18/3/2011، كان خليقًا بها، وكما لا نعرف من قبل، تفجير العاطفة في أعمال يوسف الكتيمة والمعتمة والقاسية، ما جعل أغلب المتابعات عن معرضه آنذاك، تستهلّ بعناوين: مثل “يوسف عبدلكي يرسم الألم السوري”، “سوريا يوسف عبدلكي.. جرح العالم”، “سوريا عبدلكي.. شهداء وثكالى وطيور ذبيحة”، “فنان الثورة يروي قصص سوريا المرّة”.

أعرف الابن، إنه لطفي مساعد معلم الكهرباء: لك أن تبدأ النظر من صورة الابن، تلك التي تستند إلى أسفل ظهر الكرسي. إنه ابن وحيد، تستطيع أن تتأكد، حيث لا صورة ولا وجود لابن آخر، في اللوحة، سواه. لم يصل إلى سن الجندية بعد، ذلك المفصل الحياتي الأصعب والمحتم في عمر الشباب السوريين، فليس هناك من أثر لتغضينة مهما كانت واهية، أو لنبت في شعر الشاربين أو اللحية. ولكن أيضًا، ليس ثمة من دليل ظاهر على طريقة استشهاده، فهو لا يحمل سلاحًا، كما في الصور المعروفة لبقية الشهداء، هناك فقط، خصلات شعره المتطايرة، وجبينه العالي العريض، ووجنتاه اللتان يضيئهما نور، أو يشع منهما نور، مهما حدقت لا تستطيع أن تحدد. ونظرته، أي نظرة هذه!؟، ليس هكذا يأخذ المراهقون صورهم، ليس بهذه الإطباقة على الفم. أتأمل الوجه جيدًا، إنه يبدو أليفًا، أعرفه، يا الله، إنه لطفي، الفتى الذي جاء مع معلم الكهرباء إلى محلي، المعلم يتحدث معي طوال الوقت، ولطفي يعمل طوال الوقت، ثم علمت أنه.. غاب.

الكرسي: ليس للجلوس هذا الكرسي، عالي الظهر، كسلّم، النحيل والمستقيم القوائم، كأنه مرسوم بالمسطرة، المحدد بخطوط عريضة غير مجسمة، مع أنه يمكن، بحملقة أشد، ملاحظة بعض التظليل، لكن الخطوط كلّها تشكل مساحات طولانية ضيقة، أغمق بقليل أو كثير من السطح. نعم، لم يرسم يوسف هذا الكرسي ليجلس عليه أحد سوى الصورة.

الأب.. يوسف يرسم نفسه: هناك، في أعلى اللوحة، صورة ثانية، أو على الأصح لا أكثر من نصف صورة، وكأن هذا تأكيدًا على غياب صاحبها. نعم، غائب آخر. نحن بشر لا نعلق صور آبائنا إلاّ بعد رحيلهم. رجل يرتدي طقمًا وربطة عنق، كما عندما يأخذ الناس البسطاء الصور في الاستديو. استديو من؟ المصور عبود. هذا ما حرص يوسف على كتابته في زاوية الصورة، المصور عبود الذي صور يوسف بشعره الذهبي الطويل وهو في عمر السادسة. إذن، صحيحة تلك الفكرة التي مرت في خاطري، وأنا ألمح شبهًا ما بين صورة الأب ويوسف، بأن يوسف رسم نفسه.

لا تستطيع الأم النظر إلى الصورة: الأم الثكلى، أوّل ما لفت نظري قدماها في أسفل زاوية اللوحة، قدماها الرقيقتان الحافيتان. إنها أم صغيرة، إذن. ماذا تفعل؟ تجثو على ركبتيها، مسندة وجهها الذي يكاد يطابق وجه ابنها. انظر استقامة وعرض عظمة الأنف الذي تخفي نصفه السفلي. يداها مضمومتان ومتشابكتا الأصابع، على حافة الكرسي. إنها تصلّي!؟ تهدس!؟، بماذا!؟. لا أصدق أن أحدًا غير اللـه يعلم. عتم شديد تحت حاجبيها الكثيفين المنكسرين، يهبط ليملأ بالسواد عينيها، إنها لا تنظر إلى الصورة!؟ لا ريب أنها نظرت إليها، عندما، أنزلتها من الحائط، ووضعتها على الكرسي أمامها، ولا ريب أنها حملقت بها طويلًا، حتى تحجّرت عيناها، إلاّ أنها كفّت الآن عن ذلك.. ما عادت تستطيع.

 

5- العاريات.. شهادة وجود

لا ينبغي أن يغرّ المرء، كثيرًا أو قليلًا، معرفة أنَّ يوسف عبدلكي رسام ذو ميل سياسي ظاهر بقوة أقرب إلى الاندفاع والغضب. هو الذي بدأ كل شيء برسم أناس مغلولين بالأصفاد وآخرين يحطمون قيودهم ويصرخون، وخيول تصهل بأعناق طويلة وعروق نافرة، ووحوش مستولدة بواسطة عمليات جماع بين الثيران والخنازير والدبابات، فيقوم، مستجيبًا لهذا الميل، بالحكم على مجمل نتاجه، له وعليه، من هذه الزاوية المغرية، لندرتها في مسيرة الفن التشكيلي السوري والعربي عمومًا. ندرة أن يتكبّد رسام نادر السويّة الفنية كيوسف هذه المهمة الثقيلة القاسية التي حملها بكل أناة وصبر وأمل وإحباط، مستعينًا بقدرات شخصية وفنية -أستغربُ مقدار تلاؤمها- حرص صاحبها أن يطوعها بما يساعده على إنجاز أهدافه ومراميه الخاصة والعامة، الفنية والسياسية.

أجدني مضطرًا، الآن، كما دائمًا، لأن أتكلم عن تجربة عبدلكي باعتبارها تقدم دلائل، بل دروسًا، في الوقت الذي كان من الأفضل لي ولها أن أتأملّها كفنّ طليق، فنّ حرّ من القيود والشروط.. والدروس أيضًا.

ألخصّ هذه الدروس المستفادة على النحو التالي:

الدرس الأول: القدرة على أن تكون رسامًا هامًا وسياسيًّا ملتزمًا في آن. أقصد ذلك الجمع بين الأسلوب–الشكل والمضمون-المعنى، من دون أن يكون أحدهما على حساب الآخر، وإن يكن كلامي هذا ليس إطلاقيًّا بصورة كاملة. ذلك أنه، كإجابة عن السؤال: “كيف أثّرت المأساة السورية على أعمال يوسف عبدلكي؟”، أقول: بعد 2011، لم يكن معرض أم الشهيد (2014) الذي جمع أعمال يوسف بين 2011 و2013، خصوصاً لوحات الأرامل والشهداء، بسوية أعماله التي سبقتها وربما تخللتها، من رسوم الطبيعة الميتة، الأسماك والعظام والطيور الصغيرة الميتة قرب سكاكين عملاقة. كأنه بهذا يسخّر قدراته، ويقدم نوعًا من التضحية الفنية، مفسّرًا هذا بقوله: “سعيت لتكون عفوية.. ابنة اللحظة وابنة إحساسي”.

الدرس الثاني: أنّ الإجادة، المهارة العالية في الرسم، قوّة الخط، ما زالت ممكنة في الفن الحديث الذي تكاد المهارة والقدرات الحرفية أن تتراجع فيه إلى الصف الأخير في تقييم العمل الفني.

الدرس الثالث: لا يمكن لأيّ انتماء سياسي، مهما بلغ مستواه، أن يسجن الفنان خلف قضبانه. فما بالك إذا كان انتماءً للحرية، للثورة، كانتماء عبدلكي منذ بداياته، وأحسب أنَّ هذا ما كان يساعده على القيام بتلك الانتقالات الطبيعية الأشبه بحلقات متسلسلة، على درجات سلم لولبي صاعد، يمكن للمتابع رصدها بسهولة، شملت أدوات عبدلكي وآليات عمله كما شملت موضوعاته ومفرداته التشكيلية (مفردة الحذاء النسائي على سبيل المثال، التي انتقلت من مجرد تفصيل في لوحة المدير العام 1986 لتشكل الموضوع الرئيس لسلسلة لوحات بدأت في منتصف التسعينيات وحتى عام 2004، إلى رسوم تعبيرية قاسية، تعكس يأسًا عميقًا، شعورًا عدميًّا غير متوقع من قبل عبدلكي بالذات). ويمكنني هنا استكمال الإجابة عن السؤال بالقول أنّ الحدث السوري في 2011 الذي كان أشبه باستجابة مباشرة لكل ما وعد به وانتظره عبدلكي طوال كل تجربته الفنية والإنسانية، قد أخرجه منها، ولو إلى حين.

الدرس الرابع: يقدّمه لنا معرض العاريات (الصورتان 21 و22)، خصوصاً في المكان والتوقيت الذي أقيم به، وهو أن الفن الحقيقي، مهما كانت الوقائع الراهنة، مهما كانت الإحباطات، يجد طريقه للحياة، للعودة للعمل، وللنضال، بطرق لا يمكن توقعها، ذلك أنها تنبع من ذات الفنان التوّاقة أبدًا، المشرئبّة أبدًا، كأعناق أحصنة عبدلكي الأولى، كعارياته اليوم، للحب، وللحرية، وللحياة. الحياة الحقيقية بكل معانيها الوجودية.

صورة رقم (20)
صور رقم (21)

 
×