على التلة المواجهة لجبل صهيون في القُدْس، ترتفع طاحونة الهواء، لا كي تطحن القمح، وإنما كصدى لذكرى أوَّل مشروع يهودي خارج بلدة القُدْس القديمة ارتبط بالمتمول اليهودي البريطاني موسى منتيفيوري الذي بنى الطاحونة في عام 1858م، وتمكّن بعدها بثلاث سنوات من الحصول على فرمان من السلطان العثماني ببناء أول حي خارج أسوار القُدْس القديمة، لإيواء فقراء اليهود.

طاحونة المنتفيوري، أو طاحونة باب الخليل، تقع على أرض النقفورية الغربية التي تملكها بطريركية الروم الأرثوذكس. طلب منتفيوري الذي شغل منصب عمدة لندن، وساطة الملكة فيكتوريا لدى السلطان العثماني، والحجة مساعدة يهود القُدْس بسبب مجاعة سنة 1864م في فلسطين. لا يوجد ما يشير إلى أنّ السلطان نفسه اهتم بتأثير المجاعة على الفلسطينيين.

نجحت المساعي، ونُقلت الأرض من ملكية البطريركية لحاكم القُدْس أحمد باشا آغا العسلي الدزدار الذي دعا ناس القُدْس للاستماع لفرمان السلطان في شأن بناء الحيّ اليهودي الجديد. ويبدو أن الحس المبكر لدى النَّاس في شأن أي مشروع صهيوني، جعلهم يرفضون الاستماع لفرمان سلطان المسلمين، ويتحججون بإقامة الصلاة.

زار مونتيفيوري فلسطين سبع مرات ما بين الأعوام 1827-1875م، وعلق المثقف والسياسي الفلسطيني المستشرف يوسف ضياء الخالدي على إحدى زيارات السير مونتفيوري للقدس، موجهًا كلامه إليه: “يجب أن توجهوا الجهود لتعليم يهود اليشوف المهارات الزراعية بدلاً من توزيع الهبات السنوية أو ‘الحلوكاه’ عليهم”. نصيحة مجانية من مثقف استشعر الخطر الصهيوني على بلاده إلى من كان يعرف ماذا يريد بالضبط.

الواقع أن أناس القُدْس من مسلمين ومسيحيين ويهود عاشوا ينتظر كل منهم “الحلوكاه” أو “الصُّرَّة”، يحدوهم شعور بأنهم مندوبون عن أصحاب الديانات الثلاث القلقة في مدينة الله.

يُسمى حي مشكينوت شأنيم أيضًا حي يمين موشيه، ويمكن ترجمتها بـ”إحسان موسى”، ومن المهم الالتفات إلى ما توحي به لفظة “يمين” في ثقافات الشرق القديم. وحتى الآن، توجه نصائح من بعض الشيوخ كوجوب الدخول إلى الحمام وإلى أماكن أخرى باليمين، وإلَّا فلن تحصل البَرَكَة، المخاصمة للأرض المقدسة منذ قرون.

كان وجود الطاحونة مناقضًا لأهواء القُدْس وهوائها، وتصميمها البريطانيّ كان يناسب القمح الأوروبيّ اللين، أمّا القمح الصليبيّ الفلسطينيّ فيتطلب طاقة أكبر من نظيره الأوروبي

ترتفع الطاحونة نحو 15.24 مترًا. وهي مبنية من حجر القُدْس المحلي، صممتها شركة هولمان من كانتربري التي انتدبت مهندسًا للإشراف على تركيب أجزائها التي أُرسلت من الجزر البريطانية إلى بحر يافا، ومنه نُقلت على الِجمال إلى القُدْس عبر طريق باب الواد. ورغم انها تحمل اسم مونتفيوري، إلَّا أنَّ الذي موّلها اليهودي الأميركي يهوذا تورو، والهدف تمكين يهود الله في مدينة الله ذاتيًا. ومن أجل ذلك أيضًا، بنيت مطبعة ومصنع للنسيج.

أحبُ الوقوف قرب الطاحونة التي أصبحت حديقة صغيرة ومطلّاً على أسوار القُدْس الغربية وجبل صهيون ووادي الربابة وغيرها من المواقع. وبالطبع، كان الأمر مختلفا جدًا عند إقامتها، حيث كان يمكن رؤية حي الثّْورِي، وجبل المكبّر وشارع بيت لحم.

أجلس في المكان، متمسكًا بحقي فيه كحفيدٍ للذين رفضوا الاستماع لفرمان السلطان. أقرأ وأتأمل في تاريخ القُدْس، وفي أحيانٍ ليست نادرة، أراجع مخطوطات كتب قبل دفعها للنشر.

ما الذي كانت تطحنه الطاحونة؟ هل فعلاً كانت تطحن القمح لليهود الفقراء؟ لقد عانت من رياح القُدْس المتقلبة، ويقال أنها كانت تعمل، إذا حالفها الحظ، نحو 20 يومًا في السنة، مع توفر نسائم قوية. كان وجودها مناقضًا لأهواء القُدْس وهوائها، بالإضافة إلى أنَّ معضلة أخرى واجهتها، فتصميمها البريطانيّ كان يناسب القمح الأوروبيّ اللين، أمّا القمح الصليبيّ الفلسطينيّ فيتطلب طاقة أكبر من نظيره الأوروبي.

قاومت الطاحونة العائقين غير المؤاتيين، وعملت نحو عقدين، حتى ظهرت في القُدْس مطحنة تعمل على البخار عام 1878م.

رُمِّمت الطاحونة، بعد سنوات طويلة من الإهمال، في ثلاثينيات القرن الماضي من قبل البريطانيين. لكنّها عادت لتدخل حالة من التدهور، وسيطرت العصابات الصهيونية على الموقع الاستراتيجي في عام 1948م. وهاجم المناضلون الفلسطينيون يمين موشيه وطاحونته أكثر من مرة، واشتبكوا مع البريطانيين والعصابات الصهيونية. وفي آخر مرة حققوا نصرًا، لكنّهم لم يحتلوا الحيّ. وكتب عارف العارف متحسرًا: “ولم يُعرف بعد لماذا لم يحتل المناضلون الحيّ”. لم يُعرف الأمر حتى الآن..!

أعاد الصهاينة سيطرتهم على حي يمين موشيه وحصنوه، وسيطروا على طرق المواصلات الإستراتيجية بين باب الخليل وباب النبي داود ومحطة قدس شريف وشارع بيت لحم.

أراد البريطانيون فرض وجودهم فقرروا تفجير الطاحونة، الأمر الذي سيدخل في الأدبيات الصهيونية من باب الفخر بأنهم عانوا أيضًا من الاحتلال البريطانيّ، وسموا العملية “دون كيشوت” للتقليل من أهميتها.

جنود بريطانيا العظمى التي كانت على وشك أن تكف عن عظمتها، أولئك الجنود الذين أوكلت لهم مهمة التفجير، كانوا بالصدفة البحتة من مسقط رأس مونتيفيوري، وعندما لاحظوا اسم مواطنهم على اللوحة التعريفية “أعادوا تفسير” الأوامر وفجروا فقط مركز المراقبة في الجزء العلوي من الطاحونة.

لم تتكرر، مسألة إعادة التفسير قطّ، عندما كان الأمر يتعلق بالعرب الفلسطينيين قليلي الحظ، وقليلي التخطيط.

رممت الطاحونة في عام 2012 كجزءٍ من الاحتفالات بالذكرى الستين لتأسيس دولة الاحتلال.. تكفلت بالأمر منظمة هولندية تحمل اسم “مسيحيون من أجل إسرائيل”

في عام 1973، تحوّلت مستوطنة يمين موشيه إلى دار ضيافة للكُتّاب والفنانين والموسيقيين العالميين الذين يزورون دولة الاحتلال، وافتتحت في منازل الحيّ مراكز موسيقية وفنية، وكف عن أن يكون موئلاً للفقراء. في الواقع، كان قد كفّ عن ذلك منذ زمن بعيد.

رممت الطاحونة في عام 2012 كجزءٍ من الاحتفالات بالذكرى الستين لتأسيس دولة الاحتلال. تكفلت بالأمر منظمة هولندية تحمل اسم “مسيحيون من أجل إسرائيل”. وأرسل النموذج الأصلي للطاحونة الذي صممه توم هولمان، إلى هولندا، ونجحت المنظمة في تجنيد الأموال، وشحنت أجزاء الطاحونة إلى القُدْس، لتعود الطاحونة للحياة يوم 25 تموز 2012م، ولكن من دون حياة، وإنما كنُصب.

في أسفل الطاحونة، وفي غرفة زجاجية، تجثم عربة مونتيفيوري التي استخدمها في أسفاره في فلسطين وخارجها خلال جهوده لمساعدة اليهود في العالم. في عام 1986م أحرقت العربة، ولم توجه شرطة الاحتلال التهمة لأحد ولم تعتبر أن الحادث جرى على خلفية قومية، والمقصود أنَّ الفاعلين من الفلسطينيين، وفشل الشاباك (مخابرات الاحتلال الداخلية) في إيجاد الفاعلين حتى الآن.

في عام 1990، أصلح ايتمار نويمان العربة باستعمال الأجزاء المعدنية الأصلية. تم هذا بتبرع جيلفورد وديان جلازير من لوس انجيليس. أسماء المتبرعين لمشاريع الاحتلال في القُدْس المحتلة، تملأ الشوارع والحدائق.

ما الذي كانت تطحنه الطاحونة؟

كتب شاعر “قدسهم” يهودا عميخاي (1924-2000) تحت عنوان “المطحنة في يمين موشيه”، وبحسب ترجمة الشاعر الراحل أحمد حمزة غنايم:

“هذه المطحنة عمرها ما طحنت طحيناً

طحنت هواء مقدساً وعصافير

أشواق من عند بياليك، وطحنت

مطراً وحتى قذائفَ،

لكنها عمرها ما طحنت الطحين

الآن اكتشفنا،

وتطحن حياتنا كل يوم،

لتصنع منا طحين سلام

وتخبز منا خبز السلام

للأجيال القادمة.

**

ما زالت طاحونة القدس تطحن، ولكن من؟ ولصنع السلام لمن؟

 
×