من زاوية بعيدة عن مرمى الرؤية، وبعد سفر بصري طويل، يحدد وحده كيف ومن أين يأتي الإبهار والقدرة على إبداع ما أسماه كثيراً بالنص الموازي، في ترجمته الفاتنه لرواية أو مجموعة قصصية أو ديوان شعر.

بدايةً، هو لا يصمم أي أغلفة والسلام: لا بد أن يقنعه العمل أولاً، ثم يبدأ في التجول داخل سراديب النص كي يقترب تدريجاً من لحظة الاشتباك وخلق الرؤية الجمالية للنص كصائد ماهر للحظات الفارقة التي تحدد مصائر الخطوط والألوان وحركتها المعبرة عن روح العمل في المساحة الصغيرة لغلاف الكتاب.

من سنوات أصبحت بعيدة الآن، زارتني سيدة سويدية بصحبة جاري المكسيكي. تفاهمت وصاحبي بإنكليزية صناعة يدوية معتمدة على الإشارة أكثر من الكلام. قال لي بفرح إن “الليدي” تسأل عن الدار المصرية ذات الأغلفة الجميلة، فغمرني شعورٌ طاغٍ بالتقدير والفخر وأنا أكتب بالإنجليزية “أحمد اللباد”، وصديقي المكسيكي يترجم للسيدة كيف أنطق اسم صاحبي الأقرب وأخي.

لم يكن أحمد هدية السماء وحدها، بل أيضاً هدية آباء وأساتذة كبار كانت أدوارهم عظيمة وحاسمة في اكتشاف هويتنا وملامحنا وانحيازاتنا، يتقدمهم الأب الراعي ابراهيم منصور حارس روح جيل الستينيات. وقرب منتصف عام 1999، وملامح “ميريت”  لم تكن قد تشكلت بعد، نصحني الأستاذ والصديق الراحل عّم سيد خميس، بزيارة الأستاذ جمال الغيطاني لسماع نصائحه في التخطيط لمستقبل الدار، وأيضاً لشكره على تشجيعه الدائم لدار لم تكمل بعد عامها الأول.

أولى ملاحظات الروائي الكبير كانت غياب السياق العام البصري المختلف عن الكتب الصادرة، رغم إقراره بتميزها وأهمية ما تلتفت له من قضايا غائبة عن ساحة النشر. ونصحني الغيطاني وخميس معاً، وقبلهما العم ابراهيم منصور، بزيارة  إمبراطور الغلاف المتوج، التشكيلي والرسام والكاتب الأستاذ محيي الدين اللباد. وهناك، في مكتبه بمصر الجديدة، رحت أسمع النصائح مثل تلميذ مرعوب من نتيجة الامتحان. طمأنني بابتسامة تليق بأب وأبدى تعاطفه البالغ مع تجربتنا كدار مستقله تحاول شق طريقها بعيداً عن التابوهات ورعاية الغولة أم عين حمرا أو أي غولة تشبهها في الشروط ووضع المحاذير، لكنه قال إنه لا يملك الوقت أو “الخلق” للمعافرة. وقال لي: “لو تحمس أحمد اللباد لتجربتكم هتعرفوا تعملوا حاجه حلوه أوي مع بعض”. وكأن الاستاذ كان يقرأ الغيب، فبعد تلك الزيارة بوقت قليل لم يعد يمكنني الحديث عن “ميريت” أو احتكار نجاحاتها وحدي، فبجوار الاصحاب والأساتذة الذين غمرونا بعطفهم وساندونا في البداية الشاقة، أصبح أحمد اللباد مالك الإنجاز البصري وصاحب العلامة المميزة التي لاتخطئها عين، وصانع الفرح لعدد كبير من رموز الجيل الذي لم تكن ملامحه قد تشكلت بعد في ذلك الوقت،  في الشعر والقصة والرواية.

قبل اكتمال العشرية الاولى لـ”ميريت”، كنت في جناحنا الصغير بمعرض أبو ظبي الدولي للكتاب، ولا أنسى إعجاب العم والكاتب الكبير خيري شلبي بالمشهد المنسجم للكتب. وقال للأستاذ محيي اللباد: “من الطبيعي أن تنجح الدار، ليس بالنصوص الجديدة فحسب، بل بالقدرة الجمالية العجيبة التي يتمتع بها أحمد ولَم يبخل بها علي “ميريت”” .

يمكنك أن تملّ  فقر الموارد وحصارها الخانق، لكن الشريك الرئيس يملك من التسامح والإصرار على الدعم ما شجعني طوال الوقت على الاستهانة بأي حصار أو معارك زائلة، ما دامت رغبته ما زالت منحازة للمقاومة والدفاع عن مساحة صغيرة محررة تعلي من شأن العقل وتنتصر للحرية التي تسحق في طريقها أي معايير رقابية سخيفة مفروضة من الاٍرهاب الفكري الديني والمجتمعي والسلطوي. لقد ظل أحمد على عهدنا الأول به، أمير الضوء الذي يخطف البصر بألوانه البهيجة التي تودع النور في القلب وتحرضه على التماسك والمقاومة والانحياز للحياة وللحرية والجمال.

قبل احتفال “ميريت” بعشر سنوات، فاجأني بدعوة إلى العشاء في التوفيقية بعد مرورنا بالمشرب، وفاجأني بتصميم بوستر الاحتفال. تقريباً فعلها ثانية  في الاحتفال بالعام العشرين مع تغيير طفيف في كيفية الإعلان عن مفاجآته الحانية العطوفة، المحبة والمحفزة على النهوض أياً كان حجم التحدي وطبيعة الأزمات .

شهادتي بالطبع مجروحة وشخصية جداً، وربما لا تليق بمكانته كفنان أو كصديق، الفنان الذي رسم يوميات الثورة وصورها وكتب طوال الوقت دفاعاً عن الحرية وانتصار العقل  وحق الإنسان في الجمال والسعادة، بنفس درجة الحماس لحقوق الصحة والتعليم، وحرية الرأي والفكر والاعتقاد.

 
×