عن سلسلة “دراسات بالغريف في السينما العربية” (Palgrave Studies in Arab Cinema) التي تصدر عن  بالغريف ماكميلان، صدر كتاب “سينما محمد ملص: رؤى مخرج-مؤلّف سوريّ” (The Cinema of Muhammad Malas: Visions of a Syrian Auteur) لكلّ من سميرة القاسم (صندوق القدس للتعليم وتنمية المجتمع، واشنطن العاصمة) ونزار عنداري (كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة زايد، أبو ظبي).

تطمح هذه السلسلة إلى تقديم منظورات جديدة وتحليلات معمقة للسينما العربية. وتركّز كتبها على مخرجين-مؤلّفين معروفين وجدداً، وحركات تاريخية ومعاصرة، وأفلام بعينها، ولحظات مهمة في تاريخ السينما والثقافة العربية. وهي تستخدم طرائق البحث المتعددة التخصصات والتوثيقية لتقيم صلة متينة مع شتى الثقافات والأساليب والأنواع السينمائية في العالم العربي. وتشكّل الوثائق الأولية والمقابلات الجديدة مع المخرجين والمختصين السينمائيين جزءًا أساسياً من هذه السلسلة التي تنظر إلى السينمائيين على أنّهم مثقفون في سياقاتهم التاريخية والجغرافية والثقافية. ويتناول كتّابها قضايا ذات صلة تربط النصوص السينمائية بمختلف الفروع المعرفية، في جمعٍ بين التحليل الصارم والوثائق المادية والأدلّة البصرية. كما تطمح إلى الربط بين كتبها وبين أفلام ومواد رقمية من خلال الإنترنت، ما يوفّر لباحثي وطلاب المستقبل وسيلة لتناول صانعي الأفلام العرب وأنواع السينما العربية ومواضيعها بمزيد من العمق، ويحثّ القرّاء على رؤية أطر جديدة للثقافات والسينما.

جاء كتاب “سينما محمد ملص: رؤى مخرج-مؤلّف سوريّ” في اثني عشر فصلاً وملحق هو بمنزلة سجلّ لأفلام ملص ومنشوراته وجوائزه. يتناول الفصل الأول الموسوم “سينما الذاكرة” فيلميّ ملص أحلام المدينة (1984) والليل (1992) اللذين يُعَدَّان من التُّحَف في تاريخ السينما العربية، كاشفاً عن صوت محمد ملص السينمائي المميَّز. كلُّ من هذين الفيلمين عبارة عن رحلة شبه سِيَريّة ذاتية تتقصّى على نحوٍ شعري ذكريات ملص عن سوريا، من قصة ترعرعه في دمشق في خمسينيات القرن العشرين إلى تأمّل شعري في ضياع موطن أجداده، مدينة القنيطرة. ويتّكئ هذا الفيلم الأخير، الليل، على إشاريات التصوير الضوئي ونقاطه اللافتة كي يتأمّل في إخفاقات القومية العربية وحدود الذاكرة. ويمحو ملص بحذاقة الحدود بين الواقعية والتخييل، الماضي والحاضر، الحقيقة والتاريخ بينما تواجه الشخصيات فلسطين، والقومية العربية، والبطريركية، والديمقراطية في سوريا.

الفصل الثاني يحمل عنوان “من القنيطرة إلى موسكو وبالعكس”، وهو عبارة عن واحدة من ثلاث نسخ منقّحة لمقابلة مع ملص تبدأ بتعريفه المخرج-المؤلف (auteur). وتُراجع سنوات تكوينه في القنيطرة ودمشق والتي ستنعكس في أفلامه اللاحقة، وكذلك في دراساته السينمائية في معهد غيراسيموف للسينما في موسكو. ويسهب ملص في الكلام على علاقته بأستاذه إيغور تالانكين وكيف استكشف مع تلاميذ آخرين أشكالاً سينمائية جديدة. كما يتطرق إلى علاقته مع الروائي المصري صنع الله ابراهيم في سياق صنعه فيلم الدبلوم كل شيء على ما يرام، سيدي الضابط (1973) وصلة هذا الفيلم بحرب حزيران 1967مع إسرائيل.

يحاول الفصل الثالث، “سنوات باكرة وذكريات”، رسم صورة لسنوات دراسة ملص في موسكو وأهمية القنيطرة في أفلامه الأولى. وذلك من خلال مقتطف وجيز من مذكّرات أدبية كتبها ملص بعنوان “بورتريه صديق” عن صنع الله ابراهيم حين كانا شريكي غرفة واحدة في موسكو؛  وصور لدمار القنيطرة في الواقع وكما صوره ملص في كل شيء على ما يرام، سيدي الضابط، والقنيطرة 74، والذاكرة.

الفصل الرابع، “تعاون وتسجيل”، هوعبارة عن المقابلة الثانية مع ملص، يتناول فيها تعاونه السينمائي مع طيف من صنّاع السينما، من المخرج المصري الشهير يوسف شاهين إلى كثير من الشخصيات المهمة في تاريخ السينما السورية. كما يتطرق إلى محاولاته مع عمر أميرلاي وأسامة محمد إطلاق نادٍ للسينما مستقل في أواسط سبعينيات القرن العشرين اهتم بتقديم المعرفة وشكل منفذاً إلى الثقافة السينمائية العالمية. كما يأتي ملص في هذا الفصل إلى فيلميه التسجيليين حلب: مقامات المسرّة والمنام، ويتأمّل في علاقته بزميله المخرج قيس الزبيدي الذي تعاون معه في عدد من أفلامه.

الفصل الخامس، “المرارة والمذكرات في الأفلام التسجيلية”، يضع أفلام ملص التسجيلية في سياق علاقتها بالسينما التسجيلية العربية ونظرية السينما التسجيلية المعاصرة. وهذه الأفلام المكرّسة لقضايا هامشية وأشخاص هامشيين في المجتمع العربي، تقدم نظرة إلى المجتمع العربي ملؤها المرارة. القنيطرة 74 (1974) والذاكرة (1975) يتحديان القواعد التقليدية في السينما التسجيلية العربية. نور وظلال (1994) والمدرّس (1995) وحلب: مقامات المسرّة (1996) هي “أفلام امتنان”، تركّز على فنانين مهمين في التاريخ السوري: مخرج (نزيه الشهبندر)، ورسّام (فاتح المدرّس)، ومغنٍّ تقليدي (صبري مدلل). أمّا فيلما الذكريات، المنام (1987) وفوق الرمل، تحت الشمس (1998)، فيركز أولهما على أحلام اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان، في حين يركّز ثانيهما على الأدب الذي كتبه المخرج المسرحي غسان الجباعي في المعتقل.

يمحو ملص بحذاقة الحدود بين الواقعية والتخييل، الماضي والحاضر، الحقيقة والتاريخ، بينما تواجه الشخصيات فلسطين، والقومية العربية، والبطريركية، والديمقراطية في سوريا

يقدّم الفصل السادس، “مقتطفات من المنام: مفكرة فيلم“، ثلاثة مقتطفات من الترجمة الإنكليزية لمفكرة ملص المنام: مفكرة فيلم، المكتوبة أثناء إخراجه فيلمه التسجيلي المنام (1987) عن اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات اللبنانية. وتروي هذه المفكرة انغماسه في حياة تلك المخيمات، شاتيلا وبرج البراجنة ونهر البارد وعين الحلوة، من 1980 إلى 1981 أثناء صنع الفيلم. وجمعه أحلام المشردين والتقاطه مدى  تشابك جراحهم وشدائدهم مع تفتت نسيج القومية العربية.

يعرض الفصل السابع، “خلف المشاهد والأفلام قيد الصنع”، وثائق أولية توفّر صوراً تاريخية لسوريا خمسينيات القرن العشرين، كما يعرض صوراً خلف المشاهد أثناء تصوير ملص فيلميه أحلام المدينة (1984) والليل (1992).

الفصل الثامن، “تأملات حول الذاكرة والتناص والأفلام الممنوعة”، هو المقابلة الثالثة. ويلقي فيه ملص الضوء على أشكال الذاكرة الكثيرة الفاعلة في فيلمه الليل، والدافع وراء صنعه فيلم باب المقام (2005)، وأهمية النساء في أفلامه،  وعلاقته بالتناص في فيلمه سلَّم إلى دمشق (2013). كما يعرض لثلاثة مشاريع لم تُعرَض: الفرات (1978)، والمهد (2009)، والبحث عن عايدة (2004)، ويختم بتأمل حول الذاكرة والنسيان.

الفصل التاسع، “باب المقام: من البدايات إلى كاريكاتيرات التفاهة”، يضع فيلم ملص باب المقام (2005) في سياق العلاقة بمدينة حلب بغنى تراثها الموسيقي. ويربط بين السرد الاساس عن قتل امرأة لانها تغني أغاني أم كلثوم وتعقيدات الدولة والمجتمع السوريين. ويمكن النظر إلى هذا الفيلم الذي تدور أحداثه خلال غزو العراق 2003، على أنّه مجاز لأفول المجتمع السوري ونبوءة بما سيأتي لاحقاً. وتحمل البدايات المتعددة للفيلم تحليلاً متقناً وموسيقياً لبلد راغب في قتل أغانيه كرمى لحداثة زائفة.

يمكن النظر إلى فيلم “باب المقام” الذي تدور أحداثه خلال غزو العراق 2003، على أنّه مجاز لأفول المجتمع السوري ونبوءة بما سيأتي لاحقاً

يدور الفصل العاشر، “سلّم إلى دمشق: عن البطريركية والمقاومة”، حول فيلم سلّم إلى دمشق (2013) الذي يرسم لوحة لشبان سوريين يعيشون في بيت جماعي خلال الأيام الأولى لما سيغدو حرباً أهلية، حين كان لا يزال ممكناً في عام 2011 تصور أنَّ الأمر أمر ثورة ضد الطغيان. يضع هذا الفصل الفيلم في سياقه ويتفحّص نقده للبطريركية بالنظر إلى كفاح أبطاله من أجل إضفاء معنى على كلّ من التمرد والماضي وهم يحاولون أن يشاركوا في الثورة ضد السلطة. والاستخدام المبتكر للتناص بتضمين إشارات فيلمية متعددة إلى عمل سابق لملص وإلى أفلام المخرجين عباس كيروستامي وثيودوروس أنجيلوبولوس وياسوجيرو أوزو، لتسهيل التأكيد على قوة السينما في تذكر الماضي.

الفصل الحادي عشر، “صناعة السينما في الالفية الجديدة”، عبارة عن مجموعة من الصور أثناء تصوير سلّم إلى دمشق (2013) وأثناء المقابلات التي أجريت في عام 2017 من أجل هذا الكتاب.

أمّا الفصل الثاني عشر والأخير، “عن سينما الدنيا لمحمد ملص”، فهو المساهمة الاخيرة لملص في الكتاب. وهو يتأمّل هنا أفلام ثلاثيته التي تُعنى بمفاهيم مختلفة للضياع والتي سيضيف إليها الفيلم الثالث الذي يعمل عليه، سينما الدنيا، ضياع الذات. ويتضمن هذا الفصل مقتطفاً من معالجة وسيناريو هذا الفيلم. يعنى السرد بمخرج بلغ الخمسين للتو مع انطلاق حرب الخليج في عام 1990. وتخبرنا المعالجة عن مواجهته الموت بحادث سيارة أثناء تصوير عمله الأخير، ما يدخله في حالة سُبات. لكن شفاءه يضعه في موضع فريد يمكنه من أن يفهم حياته. مرايا وذكريات ومشاهد سينمائية غنية تخيّم على جوّ هذا الفيلم المتخيَّل.

 

 
×