سيناريو محمد ملص

 

“الفيلم هو ذلك الخليط المكوّن مما عشناه بالفعل، وما نرغب في عيشه، وما نخاف أن نعيشه”.

– فرانسوا تروفو

 

في البدء

كانت العتمة…

ثم خلق الله العالم على صورته، فكانت الصورة.

ثم جاء الإنسان وأعطى الصورة طعمه، ورائحته.

فكانت الدنيا.

وصار للدنيا سينماها.

 

يومها…

كنت وأنا عم بشوف، قول لحالي، هذا منام! لازم بس أصحى أتذكره.

كان كل شيء عم بشوفه، عم يترك في نفسي طعم من الراحة. وكنت فرحان وأنا عم بشوف ابني علا الله الصغير، وكأنه يمثـل. وعم يقلد صبي في فيلم كوروساوا “دوديس كادين”.

كان ابني يمشي أمامي وهو يقود الترام ويردد:

دوديس كادين!

دوديس كادين!

وكنت عم بحس أني راكب في هذا الترام. بس الشيء الغريب كنا وكأننا نسير على على جسر معلق وطويل، وكنا كمن يدور في مكانه على هذا الجسر.

بعدها أحسست أني نزلت من عربة الترام، وتركتها تمضي مبتعدة، وتقدمت على مهل، لأطل على النهر من تحتنا. ففوجئت حين بدا لي النهر ساكناً، وعبارة عن مساحة لاحدود لها، وهي ليست إلا مستنقعا أخضر. وبدا لي فضاء هذا المستنقع رمادي اللون، وثمة قمر صغير تحجبه أحياناً سحابات صغيرة. وكانت السكينة تتلبس كل شيء.

شعرت بشيء من الوحشة يتسرب إلى داخلي. وبالقلق على إبني، فالتفت نحوه، رأيته يمضي مبتعداً، فخشيت أن يغوص في هذا المستنقع.

ركضت إليه على عجل، فوصلت إلى طرف الجسر، وشاهدت المستنقع الساكن كيف لحظتها صار يبـقبـق، وأن ثمة أشياءً أخذت تطفو على سطحه. ومع كل بقبقة كان يظهر شيء يبلعط قليلاً، ثم يعوم على السطح. وسمعت صوت البقبقة وصداها،  وبلا إرادة شفت حالي عم بتقدم وأغطس في مياه المستنقع اللزجة.

فرأيت الأشياء التي تطفو وتعوم، كأنها رئـات لا يزال فيها حياة، وبعضها كأنه قلوب تنبض، وأخرى كأنها أكباد عم بتضخ دم.

قربت أكثر بخوف وحيرة.

كان ابني علا الله الصغير أكثر شجاعة وتصميماً، فقد خاض في المستنقع وتوقف بعد خطوات مني، وأخرج من صدره عدسة مكبرة ومد يده إلى المستنقع واستخرج منه واحداً من هذه الأشياء الحية.

اقتربت منه، ثم وقفت وراءه تماماً، فوضع العدسة المكبرة فوق هذا الشيء الحي الذي بين يديه، فبدا لي يشبه كبداً ما.

تأملت هذا الكبد عبر العدسة المكبرة، ولا أعرف كيف تذكرت فيلم ايزنشتاين “المدرعة بوتيومكين”. وصرت شوف ألوان هذه الدنيا التي تحيط بي، تغيب شوي ورا شوي، وصار كل شيء كأنه أبيض وأسود. وخلف العدسة رأيت الكبد عليه أثار دعسة بسطار، وحروق دائرية صغيرة كأن أحدا أطفأ سجائره فيه.

وفجأة صار الصوت الذي يصلني هو صوت موسيقى فيلم  “المدرعة بوتيومكين”.

فتحت عيوني فانقطعت الصورة، وراحت الموسيقى، وهرب المنام  مني.

ارتفعت شوي من الفراش واستندت على مرفقي، وتأملت المكان الذي أنا نائم فيه،  حسيت حالي كأني جوا فيلمي “أحلام المدينة”، ورأيت باب الغرفة الصغيرة التي كنا نعيش فيها ونحن صغار مغلقاً، ووراء زجاج النافذة المجاورة للباب عتمة وكأنه ليل.

التفت إلى جانبي، فرأيتها وقد غفت بعمق وغطى شعرها الكستنائي وجهها الذي أدارته عني. كان الغطاء الأخضر الذي التحفنا به قد كشف جزءاً من ظهرها الجميل، وإحدى ركبتيها.

تأملت ملياً قطرتا العرق بين أوبار ظهرها، فاستقرت عيناي على حبة البن التي رسمتها يد الرب تحت كتفها الأيسر، فتسربت الطمأنينة العميقة إلى روحي.

نظرت إلى الساعة المرمية إلى جانبي، فكانت قد تجاوزت منتصف الليل.

نهضت على مهل وخطوت فوق الفراش خلسة. ثم تناولت ملابسي وأشيائي بحذر، ومشيت على رؤوس أصابع قدمي كي لا تصحو من نومها. فتحت الباب وخرجت وأغلقته من خلفي بالهدوء نفسه.

وقفت في الفسحة العتيقة بين الغرفة والسلم المؤدي إلى الأسفل. وتأملت هذا الليل وراء الدرابزين الخشبي وقد التفت وتداخلت أوراق الياسمين الخضراء بزهورها  البيضاء الصغيرة، وعبقت رائحتها في هذه الفسحة العتيقة، فتناهى إلي صوت أمي في المشهد الذي صورته هذا اليوم وهي تقول لي:

“لك ابني!

كأن الإنسان بيقطف من هالعمر لحظة، لحظة كأنه ما في شيء بها الدنيا لا قبلها ولا بعدها؛ وها اللحظة لك ابني إلها ريحه، ريحه ما بتعرف من وين؟! “.

فشعرت بتمزق بين أن أخرج من الفيلم، أو أن أعود إليه. وعاد لي هذا الإحساس بالتيه بين العيش في الفيلم، وبين العيش في الواقع.

تناهى إليَّ بعدها صوت أزيز الدرجات الخشبية تحت قدمي، وأنا أهبط من عالم لأدلف في آخر.

في أسفل الدرج جاءني صوتها:

علا الله! شو رايح؟

توقفت والتفت إليها وتأملتها بصمت وهي تقف عند عتبة الغرفة وقد أمسكت طرف الباب بيد وبالأخرى أطراف الغطاء لتستر به جسدها، فبدت لي في هذه العتمة ظلا  يمكن لعيني أن تملأه بما يحلو لها من الصور، ولعل صورة أمي في الفيلم أولى هذه الصور.

فتناهى الي صوتها تقول:

الله معك!

فكان لصوتها طعم من الحزن لا يتسرب إليه أي ظلال أو صور.

دلفت الدهليز العاتم وفتحت الباب الدمشقي القديم، وخرجت.

بدا لي الشارع مثلما كان في طفولتي، وكما صورته في الفيلم، لكنه هذه المرة كان خاوياً من الناس وكانت الدكاكين مغلقة.

دخلت الحارة الضيقة التي تخرجني من هنا، والتي تنتهي بجسر خشبي صغير فوق واحد من فروع بردى السبعة. عبرت الجسر ونظرت إلى سور دمشق العتيق فكان  “الحمام” وراء النوافذ الزجاجية للبيوت المتكئة على جدار للسور، لا يزال كما صورته يتطاير ويصطدم بالزجاج وهو يحاول الخروج.

في التاكسي بدا كل شيء ينتمي إلى اليوم. وأدركت أن التاكسي تأخذني إلى جهة من دمشق حيث أسكن. أما الليل الذي كان فلا يزال ليلا. ولم أستطع أن أعرف منذ متى  بدأت تمطر، وبللت زخاتها كل شيء في الخارج.

كان سائق التاكسي صامتاً ومستغرقاً في داخله وعيناه تائهتان في المجهول. وليكسر الصمت لجأ إلى الراديو، فأدار المفتاح وأخذ يتنقل بين المحطات كلها، التي كانت  تتحدث بنبرة واحدة عن الإنذار الموجه للنظام العراقي للخروج من الكويت.

كما خرجت من هناك خلسة، حاولت الدخول إلى بيتي خلسة.

فتحت الباب الخارجي وتجنبت إنارة الضوء في الممر، فاصطدمت بزجاج الباب المفضي إلى الصالون، وتصادى صوت الصدمة ورن بقوة في هذا السكون، وأخذ يضج في رأسي وأنا أمسح جبيني مبربراً باللعنة لهذا الإغلاق غير المعتاد.        

في الصالون كان ثمة ضوء جانبي على الطاولة، فبدا المكان كأن معركة قد دارت في أرجائه. الكراسي مترامية على الأرض، وشظايا زجاجية متناثرة. المرآة الكبيرة المعلقة على الجدار المقابل لم يبق منها سوى قطع صغيرة عالقة في إطارها المذهب، بينما كان التلفزيون يبث نقاطه وفراغه بعد أن أنهت المحطة برامجها.

على الطاولة الكبيرة التي تتوسط المكان، قالب الكاتو وقد ذابت الشموع الصغيرة المغروسة فيه، فتذكرت أن اليوم هوالعيد الخمسين للسنوات التي عشتها.

تقدمت من الطاولة وشظايا الزجاج تئز تحت قدمي، فلاحظت على طرف الطاولة مغلفاً ممزق الأطراف انتزع منه ما كان يحتويه. تناولت المغلف  الذي بدا بلونه الأسمر وكأنه مغلفاً رسمياً. توجست قليلاً، وطغى المغلف على اهتمامي.

بحثت على البلاط عمّا يمكن أن يكون قد ارتمى من داخله، فعثرت بين الشظايا والأشياء المتناثرة على ورقة بختم، تبين لي منها أنه كتاب من محافظة مدينة دمشق، فلم أكلف نفسي عناء معرفة محتواه، فوضعته على الطاولة، ومضيت لأعرف ماذا جرى.

توجهت في البداية إلى غرفة ولديّ. فقد شعرت بالقلق عليهما من هذا الذي رأيته من حطام.

كانت ابنتي ندى تغفو على سريرها وعلى وجهها آثار خدوش وكدمات، وثمة بعض البقع الحمراء على رقبتها. وإلى جوار سريرها تبعثرت ثيابها حول حقيبة صغيرة، وكأنها حاولت جمع أشياءها ومغادرة البيت.

أما ابني علا الله  فقد فتح عينيه بصمت حين رآني، فطلبت منه أن يعود للنوم فأدار وجهه نحو الحائط وأخفى رأسه تحت الغطاء.

اتجهت إلى غرفة النوم وأنا أشد غضباً فحركت أكرة الباب فامتنع علي. ضربت على الباب بقبضتي صارخاً:

افتحي الباب!

انتظرت قليلاً فلم يتناهى إلي أي صوت. ضربت الباب من جديد، ثم بعنف أكبر وأنا أردد:

افتحي الباب أحسن ما أكسره!

واندفعت أحاول فتح الباب بكتفي وقدمي مردداً عدداً من الشتائم واللعنات. فتناهى إلي صوت المزلاج الداخلي، فأدرت القبضة وانفتح الباب بقوة واصطدم بالجدار بصخب كبير.

حين شاهدت زوجتي وهي تعود إلى السرير دون أن تلتفت إلي، وعلى وجهها أيضاً آثار المشادة والشجار، لا أعرف لماذا تبدد شيء من شعوري بالغضب، وأحسست بالاستياء.

استلقت هي في السرير مديرة وجهها إلى الحائط، فسقطت في حالة من انعدام الحيلة.

كانت رائحة الخرائب تفوح في أنفي.  

أخذت أخلع ملابسي استعداداً للتمدد. لكني حين نظرت إليها استعدت شيئاً من السخرية مما دفعني للتساؤل ممازحاً:

كمان اليوم تقاتلتم حبا؟

رفعت رأسها قليلاً ونظرت إلي، تحاول أن تستوعب ما أقول، لكني بنبرة أكثر سخرية قلت:

هيك خربت “راكور البنت”!  كيف بدها تكمل التصوير بها الوجه المخرمش؟

عادت ووضعت رأسها على المخدة وأغمضت عينيها، ثم تمتمت:

ما بيهمك شيء إلا التصوير!

لم يكن أمامي إلا أن أستلقي إلى جوارها، وأنا أفكر بأن هذا الاعتياد وهذه الاستكانة لما يجري، لابد وأن يكونا قد نقلا الخراب إلى داخلي أيضاً.

فقطعت علي وأز السرير النحاسي والتفت بجسدها نحوي وقالت:

هلأ أنت، مافي شيء بالدنيا بيشغل بالك إلا الأفلام؟!

فأجبت ببساطة:

لأ! مافي شيء!

سألت بحدة:

ونحن؟

أنتم؟ شوبكم؟

قالت:

نحن شو؟

قلت مازحاً:

أنتم كمان أفلام!  

حينها شعرت وكأنه لاجدوى من الحديث، فالتفت بجسدها مديرة ظهرها لي، وأز السرير النحاسي. بعدها سرى تنفسها الرتيب في هذا الصمت، الذي بدا لي وكأنه   أكثر ريبة.

هلأ أنت، مافي شيء بالدنيا بيشغل بالك إلا الأفلام؟!

فأجبت ببساطة:

لأ! مافي شيء!

سألت بحدة:

ونحن؟

أنتم؟ شوبكم؟

قالت:

نحن شو؟

قلت مازحاً:

أنتم كمان أفلام!  

لم يكن لدي أي فضول لمعرفة ماجرى، فقد اعتدت أن لا يكون هناك ماهو جديد،  في الصراع بين ندى وأمها، فالعنوان الظاهر لهذا الصراع هو الحب الذي يختفي وراءه كل شيء.

كنت أحس أن هذه المرأة التي أدير لها ظهري، وأستمع إلى تنفسها الرتيب، تعيش في فضاء من التعذيب الذاتي المسدود. فقد فقدت الأمل في العثور على الصورة   المشتهاة التي رسمتها للعلاقة بيننا، فلم تعد تجد أمامها إلا اللجوء إلى تكسير الصور في مراياها الخاصة.

كانت ترى ابنتها من خلال مرآتها الذاتية، وبالتالي كانت تعتبر أن الصورة التي تبحث  عنها ندى، ليست إلا الصورة ذاتها التي فشلت هي في العثور عليها. الأمر الذي يدفعها إلى تكسير المرآة، وأن تشدها لترى صورتها في مرآة متكسرة.      فهي كمن يفقد كل شيء، ويتصرف وكأنه يحتل كل شيء.

كان كل منا يغمض عينيه الآن ويستلقي مديراً ظهره للآخر، ويتحدث مع نفسه  وكأنه يتحدث مع الآخر. كان كل منا كأنه ضفدع يحدق في نفسه، في مرايا الحلم  والانتظار.

كانت تغرقني دائما في عالم من الأسئلة، وكنت كلما توقعت سؤالاً، تفاجئني بالسؤال الذي لم يخطر في بالي.

فحين كنت أتوقع أن تسألني أين كنت؟

تسألني أجيت بالتاكسي ولا بالباص؟!

وحين كنت أتوقع أن تسألني لماذا تأخرت؟

تسألني ليش بردان؟ وتنهض لتتحرى الأمر، ثم تنفخ على ظهري وكأني أجبتها بأني أشعر بالبرد. ثم تعود وتدير ظهرها وتغمض عينيها لتطرح السؤال الجديد.

وحين كنت أستاء من سؤال ما، وأحار في الجواب، كنت أنهض بغضب، وأنظر إليها فتبدو لي الجروح والكدمات على وجهها كأنها “راكور” في هذا الفيلم الذي نعيشه. فأعود وأستلقي وأدير ظهري لها.

هكذا كان يبدأ المشهد بيننا، أما “الميزانسين” فهو أن يلتف كل واحد منا عن الآخر، ويلتفت إليه ليسأل أوليجيب. وفي كل التفاتة كان السرير النحاسي يئز من جديد.

كأن كل ما جرى حتى اللحظة لم يكن إلا صوراً ثابتة، ولا بد بعدها من أن تتحرك الصور ويبدأ الفيلم.

فقد انتفضت وخرجت من صندوق المرايا، و سحبت الغطاء عني، كأني  ضفدع آن الأوان لتشريحه. فأخذت تتلمس جسدي قطعة قطعة، وتتحرى كل التفاصيل فيه، كأنها تبحث عن أثر ما، عن بصمة أو طعم أورائحة.

ثم أخذت تبعثرالأسئلة والإجابات، الصوت والحركات، الكلام المحكي بيننا اليوم بالكلام المحكي قبل سنوات. فاختلطت حوارات الأفلام مع حوارات الحياة. وتؤول كل شيء بين الماضي والحاضر… ثم أخذت تخرج من تحت مخدتها الأوراق والقصاصات التي كانت تعثر عليها دائماً بين أوراقي أو تمزقها من دفاتري، وتقرأ جملاً منها وتنثرها فوقي وتغطيني بها.

كان المشهد الذي أتعرض له يثيرني بصرياً إلى درجة وقعت خلالها داخله، دون أي رد فعل منتظرا من يقول “”stop، لكني لم أدرك ما الذي عثرت عليه حين مدت يدها من بين الأوراق التي غطتني بها إلى وسطي وصرخت مذعورة، كأنها عثرت على البرهان الذي تبحث عنه، فنهضت رافعة يدها وأخذت تدور حولي ممسكة بالبرهان. تشم كفها وتصرخ:

رائحتها!

تكرر وتعيد وتدور ثم تخلط هذا تارة بندب للماضي واخرى برثاء للحاضر. وتتوعد بفرض  الصورة التي تريدها هي. وتهدد بأنه لن يكون أمامنا من الآن فصاعداً إلا الصورة التي تريد.

كنت أحس أن ما يجري هو صراع  صور تبحث عن ضحايا أو متفرجين… وكأنها صور لا تعنيني شخصياً، إلا بكونها صوراً في سياق درامي لشخصيات في حالة من العجز والحيرة، في حياتها العامة والخاصة، والتي لا تجد أمامها إلا أن تعري نفسها وتنكأ جروحها وتعرض انكساراتها. شخصيات سجينة صناديقها ولا تتنفس إلا هواءً حبيساً يفوح الخراب.

حين ترامت على السرير وكأنه لم يعد لديها ما تقوله.. نهضت عن السرير وكأن عدوى الهلوسة والحسرة قد مستني، فأخذت أدور حولها وأنا أهذي حياتنا الخاصة التي أصبحت مغمسة بالخنوع والاستكانة والانتظار. وأن الخيبة قد استنفذت كل شيء فينا، وأنه لم يعد لدينا إلا أن يمضي كل منا إلى مصيره.

واندفعت للخروج، فرأيت ابنتي وابني، وكأنهما كانا على وشك التصفيق، لكن اندفاعي خارج الغرفة دفع بهما إلى الفرار والركض بذعر إلى غرفتهما وإغلاق الباب من وراءهما.

حين خرجت من الغرفة وقعت عيني على الرسالة الرسمية المرمية على الطاولة، فتناولتها وقرأتها، فتبين لي أنها كتاب رسمي من محافظة دمشق تطلب فيه من الأهالي الذين لهم قبورفي مقبرة الباب الشرقي، الحضور فور تلقيهم هذا الإشعار، لنقل الرفات المتبقية في قبور أمواتهم إلى مقبرة أخرى، نظراً لأن المقبرة الحالية سيمر المتحلق الجديد للمدينة فوقها.

شعرت  بالهول من جديد. وبدا لي هذا الأمر مفاجئا وغريباً. فقد شعرت بفزع التعرف على رفات أبي.

لم يعد لدي القدرة على حمل نفسي، فحاولت بإنهاك الإنفراد بنفسي  في غرفتي.

جلست وأعدت قراءة الرسالة. ثم فتحت درفة النافذة المطلة على الحديقة. فدخل قليل من الهواء البارد، وتناهى إلي صوت زخات المطر. ثم أخذ هذا الصوت يختلط بصوت المؤذن الذي بدأ يرتل تمهيداً لآذان الفجر.

فتحت عيني على خبطات متعددة لقبضة قوية على الباب الخارجي للبيت، تبعها صرخات مجروحة تردد بصوت يختلط فيه شيء من البكاء الداخلي:

إنها الحرب! لقد بدأت عاصفة الصحراء يا علا الله!

كان الصوت مألوفاً، وزاد من ألفته لكنته المغاربية.

فأدركت على الفور إنه يوسف الذي يصور الفيلم. فنهضت مرتبكاً من الخبطات التي كانت تتكرر بالقوة ذاتها!

فتحت الباب ، فارتمى يوسف على كتفي وقال:

أريد شراباً يا علا الله!

إنهم يقصفون بغداد!

ثم أخذ يناشدني أن أوقف التصوير ليعود إلى بيته.. ولتذهب السينما إلى الجحيم!  

 

فتحت الباب، فارتمى يوسف على كتفي وقال:

أريد شراباً يا علا الله!

إنهم يقصفون بغداد!

ثم أخذ يناشدني أن أوقف التصوير ليعود إلى بيته.. ولتذهب السينما إلى الجحيم!  

قبل أن أحاول أن أخفف عنه، أوآخذ بيده إلى البيت، رأيت مساعدتي مريم تقف إلى جوار السلم، وقد استندت بكتفها على الحائط تتأمل هذا المشهد. كما لاحظت بعيداً شخص آخر تبينت فيما بعد أنه سائق الفيلم.

أخذت بيد  يوسف ودخلنا، ودعوت مريم كذلك. وحاولت مباشرة الاهتمام بالشراب الذي يطلبه يوسف، لأني أعرف أن الشراب سيستطيع أن يبدد الحالة التي هو عليها الآن.  

دلفت مريم إلى البيت وأخذت تتأمل الحال الذي عليه الصالون وما حولها من شظايا، وتتحرى كل تفصيل وكأنها تقوم بعملها المهني بفحص وتدقيق “راكورات” المشهد الذي سنصوره.

لم يكن من الصعب أن تفصح نظراتها وحركاتها ومشيتها عن عدم مفاجأتها بما يمكن أن يحدث في هذا البيت. كما لم تخف سخريتها حين ألمحت إلى أن العواصف بدأت من جديد.

أخذت أحوص في مكاني أداري الحيرة التي أنا بها، فقد كان القرار الوحيد الواضح  هو البحث عن نبيذ ليوسف.

عثرت على زجاجة نبيذ، وعدت بها إلى الصالون. ففوجئت بأن مريم استعادت الإمساك بزمام الأمور، وبلباقة عالية أدركت ما يجب عليها أن تفعله الآن.

نهضت وتلقفت زجاجة النبيذ، ثم أخذت بيد يوسف وقادته وهي تقول له:

الزجاجة معي يا يوسف! سنشربها في اللوكيشن.

ثم التفتت إلي قائلة  وهما على وشك المغادرة:

طلع الصبح! سنسبقك وتلحق بنا!

ثم التفتت وهي على السلم  وقالت لي بمزاح:

لا تتأخر!

أطبقت الباب واتكأت برأسي على صفحته وأخذت نفساً عميقاً، فلم أجد بدّاً من أن أتحرك  إلى التصويرعلى عجل.

كان علا الله الصغير يقف على باب الغرفة، فمسحت على رأسه وطلبت منه أن يرتدي ملابسه على عجل لنذهب إلى التصوير.

                                     . . . . . . . .

وصلت المدينة السينمائية.

المكان لا يزال بعد أرض واسعة متصحرة محاطة بالأسلاك الشائكة، تتناثر في أرجاءها بقايا الديكورات والاكسسوارات المختلفة للأفلام السورية التي صورت.  أما هذا الديكور القريب فهو المدخل الأمامي لجامع الشركس في القنيطرة، يخص فيلمي إعلانات عن مدينة كانت تعيش قبل الحرب، الذي بدأت تصويره قبل أيام قليلة.

نظرت من حولي فاستغربت أن مريم تقوم بإعداد المشهد وكأنها لم تكن معنية  بعاصفة الصحراء ولا برغبة يوسف في إيقاف التصوير. فهي تتـنـقل بلا كلل بين الممثلين وعمال الإضاءة وتتابع الجاهزية لتصوير مشهد الموت المشتهى.

وقد كان الممثل فارس الحلو الذي يؤدي دورعلا الله الكبير، بين يدي الماكييرة     وقد ارتدى البيجامة الممزقة الخاصة بالمشهد. بينما ينغمس شامل بتوزيع القنابل الدخانية اللازمة.

لم أرى يوسف بين العاملين، وشاهدت مساعده أبو حنين يقف عالياً على  الكرين ويعطي التوجيهات لعمال الإضاء لتحريك العواكس قليلاً إلى اليمين أو إلى اليسار. ثم لمحت ابني الذي يؤدي دور علا الله الصغير، والذي كان إلى جانبي، قد هرع  ليقف وراء الباب الزجاجي للجامع، حيث يفترض أن يقف علا الله الكبير. وقد أخذ الصغير يخبط على باب الجامع، ويقلد يوسف حين اتى إلي في هذا الفجر:

أريد شراباً يا علا الله!

انهم يقصفون بغداد!

كانت كلمات علا الله الصغير تحدث التعليقات والسخرية بين العاملين  فصرخ أحد عمال الإضاءة لمساعد التصوير:

تمسّك منيح أبو حنين!

هلأ صاروخ صدام وهو رايح على إسرائيل بيطيرك معه!  

ونادى آخر:

شو شامل؟ هي ريحة القنابل الدخانية؟ ولا ريحة الصاروخ الكيماوي؟!  

فرد شامل:

هاي ريحة الباتريوت لك أبو حمزة!

فجأة رأيت السيارة – الخزان التي كانت مركونة بعيداً، والتي كانت قد استخدمت   لتصوير فيلم “المخدوعون” في السبعينيات تتقدم باتجاه ديكور جامع الشركس وتتوقف وراء الباب الزجاجي للجامع، وتناهى إلي صوت ضربات على الجدران الداخلية للخزان.

فتلمست نفسي وأنا عاجز عن الحركة وأغمضت عيني وتعوذت بالشيطان، ثم تساءلت مع نفسي أما تزال ضربات “المخدوعون” تصدح حتى اليوم!

لقد أفزعني الأمر!  

اقتحمت المشهد ، محاولاً إعادة الأمور إلى نصابها، وإنهاء هذا المزاح.

وسألت مريم بصرامة:

وين يوسف؟

أجابتني بميكانيكية ، كأن ما يجري لم يكن بالنسبة إليها أمر جدي قائلة:  

مالك سامع الضربات في الخزان؟

ثم مضت لتتابع عملها.

اتجهت إلى حيث أشارت، وأنا لا أعرف ما يمكن أن أفعله. فطرقت على الجدار الخارجي للخزان وصرخت منادياً:

يوسف!

فأتاني طرقات مماثلة وكلمات كليلة:

إنهم يقصفون بغداد!

وحين أتتني تعليقات متناثرة، صرخت بحدة:

يوسف!  

وأسرعت وصعدت إلى سطح  الخزان، وفتحت باب الكوة العلوية على عجل  ونظرت إلى داخل الخزان. فوجدت يوسف متمدداً يتعتعه السكر، وقد احتضن الكاميرا بيد، وزجاجة النبيذ بالأخرى. ونظر إلي بحزن شديد ثم تمتم:

لتذهب السينما إلى الجحيم.

ثم أردف قائلاً:

أريد شراباً يا علا الله!

تركت الكوة مفتوحة ، وقفزت وجلست على طرف السيارة بصمت.

فبعث العامل العراقي رعد صوته الشجي ليخفف عن أحوالنا، وأخذ يؤدي موال خضيري أبو عزيز الذي كان قد غناه في فيلم “المخدوعون”:

لولا الرمل ينغسل!

لولا البحر ينشف!

نظرت أمامي فرأيت فارس الحلو يقف وراء الباب الزجاجي لجامع الشركس، بينما تصرخ مريم:

بروفه!

استعداد!  

أبدأ!

فدوّى انفجار وانبعث دخان كثيف، وبدأ فارس يخبط زجاج باب الجامع ويصرخ:

مؤامرة!

هي مؤامرة!

لا تهربوا يا عرصات!

فاندفعت وضربت على جدار الخزان ضربات عدة مناديا يوسف، فلم يأتيني أي جواب.

لم تكن لدي أي رغبة في توقف التصوير.

ولكن للتحايل على الوقت ريثما يصحو يوسف، أعلمت مريم بأني ذاهب قليلاً وسأعود.

أخرجت رسالة المحافظة وحملتها إلى فارس الحلو ووضعتها بين يديه قائلا:

اقرأ باعتبارك تلعب دور أبي!

قرأ فارس الرسالة وأطلق ضحكته الضائعة بين السخرية والمرح. ثم سحبت الرسالة منه. ومضيت إلى السيارة وطلبت من السائق التركي أن يقودني إلى دمشق.

فانطلق التركي بي.                                        

في السيارة كانت المرآة تعكس لدي المدينة السينمائية وهي تبتعد من ورائي، كما يبتعد الحلم بالفيلم الذي أصوره. أما وراء الزجاج من أمامي فقد كانت دمشق تبدو وكأنها تطبق فمها على جرحها تحت سماء رمادية، وقد غسل مطر الأمس دموعها. وعلى طرفي الطريق بدت الأشجار عارية.

وراء الزجاج من أمامي فقد كانت دمشق تبدو وكأنها تطبق فمها على جرحها تحت سماء رمادية

ضغطت زر المسجلة فانبعث صوت أم كلثوم تغني:

العين عزيزة والقلب غالي!  

ارتشف التركي جرعة الشاي وتلمض بطعمها ورفع الكأس أمام عينيه ثم التفت نحوي بكليته مبتسماً وقال:

دم الأرنب!

وفجاة كأن زلزالاً قد وقع، فارتج كل شيء بعنف شديد، وانزرعت في عيني غيمة وانشطرت الأشياء، وتقطعت الأصوات. واختلط صوت التركي بصوت أم كلثوم.  ثم أخذت تتقطع الأصوات والصور معاً، أما الغيمة في العيد فقد راحت على مهل نحو الإمحاء.

كأن هذا الارتجاج الذي صدمنا كسر العدسة، فتسرب الضوء إلى داخل  الكاميرا، وترك الصور تائهة بين الضوء الساطع، والعتمة الشديدة. بينما أخذت شلالات الشظايا الزجاجية تنهمر بصمت وتتناثر بلا انقطاع.  

 . . . . . . . . . . . .

في البدء كانت عتمة. وكان الصوت والصورة مطحونين كالهباب. ولم يكن هناك  إلا الوجع.

كان الألم الذي لا تعي كنهه، يطغى إلى الحد الذي يماهي بين الجسد والروح. ويكتسى كل شيء. فقد أخذ سياق الدنيا يتراخى، ويتحول بلمعانه المعدني إلى ما يشبه أسنان منشار يتلوى ويـئز ويأخذني إلى عتبة الاختفاء…

بعدها…

لا أعرف على أي سن من أسنانه تسرب إلي شيء من الهواء، فرأيت العالم قطعاً  معلقة، ينـفـذ إلي كنثرات صغيرة جارحة.

ورأيت شيئاً يشبه مرآة سيارة معلقة. مرآة ضخمة وقريبة كأنها مغروسة بي، ومرشوشة بدماء حمراء يتصاعد منها البخار. ورأيت عليها كفي متراخياً يمسك بشيء كاد أن يتفلت من أصابعي، وبدا لي هذا الشيء يشبه حبة البن.

كان وراء المرآة خزان فيلم “المخدوعون” حيث أختبأ يوسف، وقد اقترب الخزان مني كثيراً، وكان على وشك أن يبتلعني. بينما كان التركي قد طبَّ فوق المقود وغفا.

في القاع العميق لهذا التلاشي، بدا لي خزان “المخدوعون” قد ابتلعني. وفي العتمة  كانت جدران الخزان تتنفس بصوت مكتوم.

قلت في نفسي ربما يوسف هو الذي يتنفس بهذا الصخب، بعد سكره الشديد. لكن الغريب أن صوراً بدأت تظهرمع هذا التنفس على الجدران الداخلية للخزان. صور ناتئـة كأنها لشريط فيلم ما زال أشخاصه يتنفسون داخل كادراته.          

ثم أخذ الخزان يترجرج وكأنه أخذ يتحرك بنا ويمضي، وكان صدى ترجرجه يدوي في  رأسي.

في البداية لم أتعرف على هؤلاء في شريط الصور، فقد أخذوا مع صدى كل رجة  يهرهرون ويخرجون من الكوادر، فتبين لي أنهم الممثلون الثلاثة الذين كانوا في فيلم “المخدوعون”. وكان يبدو على وجوههم أنه قد مضى عليهم زمن طويل وهم داخل هذا الخزان.

حين اقتربوا مني بدت في عيونهم سخرية واضحة، تشبه تلك التي كانت في عيني يوسف وهو يقول لي لتذهب السينما إلى الجحيم.

تقدم الممثل بســـام لـطـفـي مني وهو يضحك وسألني:

فلسطيني؟

قلت:

سوري!

فضحكوا ثلاثتهم معاً، ثم هرهرت صورة الممثل محمد خير حلواني وقد بدا أكثر شيخوخة مما كان عليه في ذاك الفيلم ، وتقدم مني وقال ساخراً:

كمان انت من “المخدوعون”؟

فقلت له:

أنا من فيلم “إعلانات عن مدينة كانت تعيش قبل الحرب”!

فتحلقوا حولي، وأخذوا يناوشونني بالأسئلة:

أي مدينة؟

أي حرب؟

كنت أحس أن السيارة الخزان أخذت تسرع بنا كثيراً لتنقذنا من هذا اللظى، وتخرج بنا من هذا الاختناق…

ثم تناهى إلي شيء كالحفيف الحنون، وأحسست من الرائحة كأن مريم توشوشني، فأخذ صوتها يتناثر بكلمات متشظية، تبعث في داخلي الخطوط الغائمة لملامح وجهها، وتخرجني من هذه العتمة، وتضعني على عتبة الفيلم، فهمست لي:

كل شيء جاهز للتصوير.

ثم سمعت قرقعة معدنية، وانفتحت الكوة الفوقية للخزان ودخل ضوء قوي، وأطل منه الممثل فارس الحلو بالبيجامة الممزقة وهو يلهث ويتصبب عرقاً، وقال لي بحنان كلاماً لا أتذكر أني كتبته في السيناريو، ولا أتذكر أن أحداً خاطبني بمثله إلا أبي: قوم لك ابني!  قوم! سامعني!

لم يجد بي ما يطمئنه بأني أسمعه، فلم أستطع أن أنهض إليه أو أن أستجيب له.

فـدخل برأسه أكثر وصرخ بي وهو ينزع عنه البيجامة:

قوم خود بيجامة الفيلم، ورجع لي ها الكفن تبعي!

قوم لك ابني!

عم بستناك!

ثم خرج برأسه من الكوة واختفى.

لا أعرف لماذا أحسست أنه يغادر الفيلم ولن يعود.

حاولت أن أنهض، أن أناديه، أن أصرخ، أن أقول له:

لا تتركني يا أبي!

كيف لي أن أكمل التصوير إذا رحت يا أبي؟!  

ناديت مريم كي تلحق به، أن لا تتركه يعود إلى قبره!

وبدأت أطرق على جدران الخزان وأصرخ:

مريم!

ارتجت الصورة، ورجع الصوت بصدى عميق. وكأن صاروخاً لعاصفة الصحراء قد عبر من فوقنا وغمرنا بالرمال وخرس كل شيء من جديد.

 

 
×