حاورته: هنادي زرقة

س: تتنقل بخفة بين الرواية والشعر، تكتب الرواية بنفس الشاعر، هل تسيء الشعرية للرواية؟

ج: لا أعتقد أن “الشعرية” يمكن أن تسيء إلى أي نص أدبي، بالعكس. واعتقادي نابع ممّا تعنيه “الشعرية” لي، لا ككاتب فحسب، بل كقارئ ومتذوّق. فأنا أبحث عن الشعريّة في كل السياقات، وفي أمكنة ولحظات خارج النصوص، المكتوبة والمرئية. الرواية جنس أدبي رَحِب ولا حدود لما يمكن أن يستوعبه. ولا شروط، نظرياً، باستثناء الشرط الجمالي. الأمر يعتمد على أسلوب الكاتب وخياراته ومغامراته في نهاية الأمر.

س: تستعير اسم عملك الشعري الأخير من الإنجيل «كما في السماء». لم اخترت هذا العنوان؟

ج: تهيمن على مناخ معظم النصوص حزمة أسئلة وهواجس محورها هو جدلية السماء والأرض، بمعانيها وإحالاتها الغنيّة، وارتباطها بجدليّات وتعارضات ثنائية أخرى بين الديني وبين الدنيوي. كما تشتبك الكثير من قصائد الديوان مع سرديات ومفردات “الكتاب المقدّس” ولغته، وتسائلها وتحاورها بنزق أحياناً، وبجدية أيضاً. بدا لي أن “كما في السماء” هو العنوان الأنسب وراق لي.

س: “كما في السماء” إنجيل للعراق، لكنه مثقل بالموت، هل ثمة انبعاث للحياة بعد هذا الموت الكثيف؟

ج: نعم، الأمل بالانبعاث تجسّد في الشباب الذين تظاهروا مطالبين بحياة جديدة. وهكذا حرّفتُ الجملة الأولى من “إنجيل العراق الضائع” التي كانت «عراقنا الذي في الهباءات، فليتقدّس اسمك» إلى «عراقنا الذي في المظاهرات، فليتقدّس اسمك، ولتكن مشيئتك.» لكن المأساة هي أن ثمن الانبعاث، هو المزيد من الموت. أحد المتظاهرين الشباب، الذي كان صديقاً عزيزاً، اغتيل بدخّانية في رأسه. لكنّي أقول لنفسي إنه ما زال يتظاهر، هناك، في الأعالي، ويطالب الآلهة المتقاعسة بحقوق البشر.

س: أسماء مجموعاتك الشعرية غريبة بعض الشيء: “موشور مثقل بالحروب” “ليل واحد في كل المدن”، “كما في السماء”. هل يتعبك اختيار عنوان الكتب؟

ج: يهمّني اختيار العنوان كثيراً، ويستهويني البحث عنه. قد يحيّرني، لكن الأمر يستحق. ولابد أن أعترف بأنني أحبّ عناوين كتبي. قبل سنوات طويلة قرأت جملة تقول إن “العنوان هو بمثابة المشعل الذي ينير قراءة النص والطريق إليه”. أحب العناوين التي تستوقفني في الكتب، وأحب لعناويني أن تستوقف القارئ/ة. “لمن طللٌ كعنوان الكتابِ؟”.

س: ثمة متاهة من المذكرات والأحلام والمشاهدات اليومية التي ترد في رواية “إعجام” وعملية تلاعب باللغة يقوم بها بطل الرواية “فرات”، وهو اسم النهر الذي يجري في سوريا والعراق اللذين حكمهما حزب “البعث”. إلى أي مدى ترى أن الرواية تعبر عن المشرق العربي على اختلاف أنظمة حكمه؟

ج: مع أن في الرواية إشارات واضحة وصريحة إلى عراق الثمانينيّات، وأجواء الحرب مع إيران (19080-1988)، وخطاب النظام الحاكم وحزب “البعث” وأيديولوجيته وشعاراته، فإن الكثير من القراء، العرب وحتى الأجانب، يجدون في الرواية أصداء، وبدرجات مختلفة، لتجربة الحياة في ظل نظام دكتاتوري، أو نظام الحزب الواحد الأوحد، التي مرّوا بها شخصياً. فعلى سبيل المثال، إحدى القارئات، وهي من أصل يوغسلافي، كتبت لي بعد أن قرأت الرواية بالإنكليزية، لتخبرني كيف أنها تفاعلت مع الرواية وأنها أعادتها إلى تجربتها في يوغسلافيا. لا شك أن أنظمة المنطقة (وغيرها في مناطق أخرى) تشترك في استخدام أدوات وأساليب القمع والبطش وتتسابق فيما بينها في هذا المجال. في الثمانينيات في العراق كنا نقرأ روايات أميركا الجنوبية عن الدكتاتوريات وكأنها تحكي عن حالنا. لكن تظل هناك فروق. أعتقد أن للرواية وقع خاص لأولئك الذين “عاشوا” حقبة “البعث”، بنسختيه، وتأليه القائد وترديد شعارات النصر الدائم وتبعاتها الكارثية.

س: ثمة محاكمة بين الماضي والحاضر في رواية “يا مريم”، بين يوسف السبعيني الذي يرى ماضي العراق جميلاً لا طوائف فيه وبين مها الثلاثينية التي ولدت في حرب الخليج الثانية وهي لا ترى سوى الموت والحرب والطائفية. وفي النهاية تكون الغلبة لمها. لماذا هذه النهاية المأساوية؟

ج: أُسْألُ كثيراً عن هذه النهاية المأساوية والحزينة. لماذا لا؟ أولم تكن هذه هي النهاية الواقعية للآلاف المؤلفة في العراق ولما حدث في كنيسة النجاة وهو حدث محوري في الرواية؟ كما أن أولئك الذين لا يرون العالم والتاريخ والآخر بعيون طائفية، مثل يوسف، هم أقليّة مهددة بالانقراض. هذا ما كنت أشعر به حين كتبت الرواية. ثم أنني لا أحبّذ النهايات السعيدة، لا في الكتب التي أقرأها، ولا التي أكتبها. وأفضل النصوص والأفلام ذات النهايات الحزينة. “الفرح ليس مهنتي.”

الأمل هو بهذا الجيل الجديد الذي قاد ثورة ضد نظام مجرم مسخ الوطن ونهبه وضد خطابه وثقافته وميليشياته

س: يتحول جودي في رواية “وحدها شجرة الرمان” من نحات إلى غسل الموتى، تبدل الحرب مصائرنا. تكتب عن غسل الموتى على المذهب الشيعي. كيف استطعت الولوج إلى هذه العوالم؟

ج: حين قرأت عن محنة مغسلچي عراقي يريد أن يترك مهنته هزّتني حكايته، وفتنتني مهنة غسل الموتى وطقوسها الدقيقة. وبعد أن قررت أن يكون هذا هو موضوع الرواية، شرعت بالقراءة وبالبحث عن كل ما هو متاح عن الموضوع على الإنترنت. واستعرت كل ما وجدته في مكتبة الجامعة من كتب الفقه الشيعي. وأفادني الفقه كثيراً! في زيارتي قبل الأخيرة إلى بغداد قبل سنتين استوقفني أحد الشباب في معرض الكتاب وسألني إن كنت قد مارست المهنة بنفسي، وإلا كيف أصفها وأكتب عنها بهذه الطريقة، فضحكت وشعرت بالغبطة.

س: شجرة الرمان تشرب الماء الذي يتسرّب من غسل الموتى وتكبر. هل كانت شجرة الرمان الحربَ التي تشرب الدماء كي تكبر؟

ج: لا يجوز أن يختلط الماء الذي يغسل به الموتى بمياه المجاري. وفي المغيسل، في الرواية، ترتوي شجرة الرمّان بهذا الماء المرتبط بالموتى وبتطهير أجسادهم، لتثمر الرمان الشهي. شجرة الرمّان وعلاقتها بالموت استعارة لمفارقة وغرابة الوجود البشري والحياة على هذا الكوكب. فحياة البعض قائمة على موت البعض الآخر. وهذا ما يكتشفه جودي بعد أن يضطر للعودة وممارسة المهنة التي حاول أن يهرب منها: جدلية الموت والحياة. فبعد أن كان يظن أن الحياة والموت عالمان منفصلان بينهما حدود واضحة، اكتشف أنّهما متلاحمان. ينحتان بعضهما البعض. الواحد يسقي الآخر كأسه.”

س: في “فهرس” قد نلمح بعضاً من سيرتك الذاتية تتقاطع مع سيرة نمير بطل الرواية. هل يمكن للكاتب توظيف سيرته الذاتية في عمل أدبي؟

ج: هناك تقاطعات، وتشابهات. لكن هناك اختلافات كثيرة أيضاً. دعيني أقول إن الرواية ليست رواية “سيرية” كما كتب البعض في مراجعاتهم. أما بالنسبة لتوظيف السيرة الذاتية، فلم لا؟ هذا تقليد موجود في روايات كثيرة. كما ذكرت، لا قيود ولا حدود، برأيي، لما يمكن أن يوظفه الكاتب. الشرط الوحيد هو البعد الإبداعي والجمالي. وحتى لو ظهر الكاتب باسمه داخل الرواية، فإنه سيكون شخصية روائيّة.

س: تستخدم اللغة العامية العراقية في رواياتك. ألا يمثّل هذا تحدّياً أمام نشر الكتاب في العالم العربي الذي قد لا يفهم مفرداتها؟

ج: هناك من يكتب أو يشكو من مفردات لم يفهمها، لكن هناك الكثيرين الذين يحبّون المحكية/ات العراقية ويستمتعون بقراءتها. ثم إننا في عصر يسهل فيه البحث عن معنى تعبير ما أو مفردة. أقرأ كثيراً منشورات وتغريدات على وسائل التواصل الاجتماعي يستفسر فيها قارئ أو قارئة عن معنى مفردة بهذه المحكية أو تلك واجهها في نص أدبي. ويهب الآخرون للمساعدة. أنا شخصياً مغرم بالمحكيّات العراقية والعربية. و لا أتخيل أن شخصياتي يمكن أن تتحدث بالفصحى، لأنها لا تمثّل في مسلسلة تاريخية، أو مدبلجة!

س: رُشِّحت روايتك «فهرس» هذا العام ووصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة أفضل كتاب أدبي مترجم في أميركا. ماذا يعني هذا لك؟

ج: لا شك أنني سعيد. فهذا يعني أن الرواية حازت على إعجاب شخص أو أكثر من أعضاء لجنة التحكيم. كنت أهتم أكثر بأمور كهذه فيما مضى. ليست الجوائز مقياساً يعوّل عليه، أو مؤشراً دقيقاً للجودة الأدبية بالضرورة. وقلما تكون كذلك. وغالباً ما تلعب عوامل كثيرة، خارج النص، وحتى الصدف أحياناً، دوراً مؤثِّراً في وصول الأعمال إلى القوائم ومن ثم فوزها. هذا لا يعني أنني لن أفرح بترشيح أو فوز عمل لي. فهو أمر إيجابي عموماً. لكن التقييم الأهم، في النهاية، بالنسبة لي، هو كيف ستُقرأ الرواية، كعمل أدبي، بعد سنوات من الآن.

س: أستاذ وباحث في الأدب العربي، شاعر وروائي، ومشارك في إخراج أفلام وثائقية. كيف يمكن الجمع بين هذا كله؟ وما مدى تأثير كل منها على الآخر؟

ج: شاركت في إخراج فيلم وثائقي مع مجموعة من الرفاق وكانت هذه التجربة الوحيدة. كنت أظن في الماضي أن سنوات الدراسة والتحضير للدكتوراه وإنجازها والبحث والنشر الأكاديمي الضروري لضمان التثبيت في الجامعة، كنت أظن أنّها سرقت مني وقتاً ثميناً كان يمكن أن أنجز فيه مشاريعي الأدبية. خصوصاً أنني توقفت لسنوات طويلة عن الكتابة والنشر. لكنني أعتقد الآن أنني استفدت كثيراً من الدراسة الأكاديمية والبحث، ككاتب، خصوصاً أن موضوعها هو الأدب العربي الذي أهواه. ومع أن مهام التدريس تقتطع الكثير من وقتي إلا أنها تتيح لي أن أقرأ وأتعلّم.

س: النهايات مأساوية في جميع رواياتك. ألا يوجد بارقة أمل في عراق جديد؟ وعلى وجه الخصوص بعد اندلاع ثورة في العراق؟

ج: بالتأكيد هناك أمل. والأمل هو بهذا الجيل الجديد الذي قاد ثورة ضد نظام مجرم مسخ الوطن ونهبه وضد خطابه وثقافته وميليشياته. ومهما كانت الانتكاسات، ومهما توحشت الثورة المضادة والقوى التي تقف وراءها، شرقاً وغرباً، فقد أعاد هؤلاء الشباب والشابات تعريف معنى العراق. وهم يريدون عراقاً جديداً يليق بهم وبتضحياتهم وسيعودون إلى ساحات الاحتجاج، بعد أن تمر جائحة “كورنا”، لكي يواجهوا جائحة الطبقة السياسية.

 
×