“لماذا لن تستطيع الإبداع في مصر؟” ليس مجرد سؤال عابر، بل هو عنوان لدراسة أصدرتها مؤسسة حرية الفكر والتعبير (منظمة مصرية غير حكومية) في العام 2016. وثّقت هذه الدراسة كيف أن نظام الرئيس المصري الحالي، عبد الفتاح السيسي، أزعجه الانفجار العفوي للفنون والثّقافة الذي حدث في مصر بعد ثورة يناير 2011، وانتشار الفن المستقل وفنون الشارع وأنواع الفنون الأخرى ذات العلاقة المباشرة مع الجمهور.

ترى الدراسة أن السّلطة المصرية قررت تسخير مؤسساتها المختلفة التي تدين لها بالولاء للسيطرة على الإبداع في مصر بحججٍ مختلفة. يأتي على رأس حجج السلطة دائمًا الحفاظ على عادات وتقاليد المجتمع.

لا لأغاني المهرجانات

في حي “بولاق الدكرور،” أحد أكثر أحياء محافظة الجيزة المصرية ازدحاماً وفوضى، يقود محمد صبحي التوك توك الخاص به (مركبة نارية ذات ثلات عجلات) الذي اشتراه منذ سنوات ليكون معينه على الحياة. وفيما كان صبحي يعبر زحام الشوارع كانت أغنية المهرجانات الشهيرة التي سببت جدلاً واسعاً في مصر مؤخراً “بنت الجيران” ترتفع من سماعات التوكتوك الخلفية.

يردد صبحي كلمات الأغنية مع مؤدّيها حسن شاكوش بإتقانٍ شديد، ما يظهر أن السائق المصري الذي يبلغ من العمر 26 عاماً استمع لها عشرات المرات حتى صار يحفظها عن ظهر قلب.

وفق صبحي فإن الدولة لا تستطيع بأي شكل من الأشكال أن تمنع أغاني المهرجانات، فهي صارت واقع لا ينكره عاقل في شوارع وحواري مصر. ويضيف لـ”أوان” إن أقصى ما يمكن للدولة المصرية فعله هو منع بث الأغنية عبر الإذاعات والقنوات المصرية سواء الحكومية أو الخاصة. سيظل التوك توك، بحسب صبحي، المنصّة الأهم لإذاعة أغاني المهرجانات في مصر، خصوصاً أن خط سيره هو المناطق الشعبية التي ليس للدولة أي قدرة على التحكم فيما يحدث فيها.

وفي الأسبوع الأول من فبراير/شباط الماضي، حصدت أغنية “بنت الجيران“، للفنان حسن شاكوش، المركز الثاني في قائمة المواد الأكثر استماعاً على موقع “ساوند كلاود” الشهير، كما حققت نسبة مشاهدة ضخمة على موقع يوتيوب. لكن يبدو أن نجاح الأغنية التي يغنيها مع شاكوش صديقه عمر كمال، جعل الدولة تلتفت لأغاني المهرجانات التي طالما تجاهلتها ومنعت مطربيها من الظهور في الإذاعات والقنوات المقرّب معظمها منها.

وسرعان ما أصدرت نقابة المهن الموسيقية في مصر، وهي الجهة المخوّلة بمنح تصاريح الغناء في البلاد، بياناً يوم 17 فبراير/شباط بمنع العديد من مطربي المهرجانات من الغناء، أو إقامة أي حفلات، كما رفضت انضمامهم للنقابة، قبل أن تتراجع عن القرار في الرابع من مارس/آذار الجاري وتقرر إنشاء “شعبة للأداء الشعبي”.

ويقول المطرب المصري ونقيب المهن الموسيقية، هاني شاكر، لـ”أوان” إن نقابته لم ولن تعترف بأغاني المهرجانات، مضيفاً أن من يغنون هذا النوع من الأغاني سيحصلون فقط على ترخيص سنوي بالغناء، بشرط التزامهم بما يقول إنه “المعايير الرقابية والذوق العام”. ويؤكد شاكر أن النقابة ستلغي هذا التصريح إذا لم يلتزم الفنان بذلك الشرط.

ويرفض شاكر الاتهامات الموجهة للنقابة بأنها تتقمص دور الرقيب، ويشرح أن دور النقابة هو “الحفاظ على عادات وتقاليد المجتمع المصري”، مشدداً على رفضه هو شخصياً لأي جمل “خارجة” في الأغاني، مثل جملة “خمور وحشيش” التي جاءت في كلمات أغنية “بنت الجيران”.

تقول دراسة “لماذا لن تستطيع الإبداع في مصر؟” إن “هناك مواضيع بعينها تتمتع بالكراهية من قبل الرقباء والوصاة على الإبداع في مصر أكثر من غيرها

ولأيام عديدة بدأت بانتهاء الأسبوع الأول من فبراير/شباط الماضي، قامت وسائل الإعلام المصرية، سواء الحكومية أو الخاصة، بما يمكن اعتباره حملة ممنهجة ضد أغاني المهرجانات، لدرجة أن أحد المواقع المصرية المقربة من النظام نشر تقريراً عن الحكم الديني للاستماع لأغاني المهرجانات.

ويقول مصدر من نقابة المهن الموسيقية لـ”أوان”، رافضاً نشر اسمه أو وظيفته إن النقابة كثيراً ما تتلقى تعليمات من جهاتٍ عليا لم يسمّها، مضيفاً أن قرار منع أغاني المهرجانات كان أحد تلك التعليمات. لكن هاني شاكر نفى هذا الأمر، وقال إن نقابته لا تتلق تعليمات لكنها تصدر فقط “ما تراه في مصلحة الشعب المصري.”

وفي التاسع من مارس/آذار الجاي، أطلق الفنان حسن شاكوش أغنية وطنية غازل فيها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تحمل عنوان “شموخ النسر.” وفي حين اعتبر مراقبون أن الأغنية رسالة من شاكوش للنظام المصري بأنه معه ومستعد لدعمه، رفض شاكوش في اتصال هاتفي مع “أوان” التعليق على هذا الاتهام.

ويرى مراقبون أن مؤسسات الدولة المصرية بدأت منذ 2013 فرض مزيدٍ من القمع والتضييق على الحريات العامة، بالإضافة إلى وجود خطابٍ رسمي تتبناه الدولة، ممثلة في الرئيس السيسي، يتم من خلاله معاداة الإعلام والثقافة. وخلال العام 2018 وحده، تم إصدار قرارين يحملان قيودًا كبيرة على حرية الإبداع؛ حيث أصدر رئيس مجلس الوزراء قرارًا بإنشاء لجنة عليا للمهرجانات والاحتفالات، كما أصدرت وزيرة الثقافة المصرية قرارًا بإنشاء سبعة أفرع للرقابة على المصنفات الفنية في محافظات مصر.

المهمة الأساسية هي تلميع النظام

تقول دراسة “لماذا لن تستطيع الإبداع في مصر؟” إن “هناك مواضيع بعينها تتمتع بالكراهية من قبل الرقباء والوصاة على الإبداع في مصر أكثر من غيرها، منها كل ما يخص النظام السياسي وتناول أجهزة الدولة وأدائها بأي شكل غير المديح.” وفي الفترة الأخيرة ظهرت أعمال فنية مصرية تعرضت لاتهامات بأنها تهدف لتلميع صورة النظام المصري. من ضمن هذه الأعمال فيلم “الممر”، الذي صدر في العام 2019، وقام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتكريم أبطاله، كما وفر الجيش المصري تسهيلات كبيرة لصناعه أثناء العمل عليه لاقي الفيلم أيضاً اهتماماً من مؤسسات مصرية عدة، منها دار الإفتاء المصرية، التي تغزّلت فيه يوم 8 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وقالت إنه “عمل فني وجّه ضربة موجعة لقادة حروب الجيل الرابع الذين يستهدفون تثبيط الروح الوطنية، ونشر التفرقة والاختلاف، ويكيدون لمصر بوابل من الشائعات والأكاذيب عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الحديثة”.

وفي السنوات الأخيرة، شددت الدولة المصرية من قبضتها على الدراما المصرية، خصوصاً تلك التي تعرض في شهر رمضان. وفي العام 2018، قال الصحافي المصري مكرم محمد أحمد، رئيس “المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام”، إن الدراما في بلاده أصبحت “سداح مداح” بعدما تولى أمرها القطاع الخاص، ودعا الدولة للعودة إلى سابق عهدها في هذا المجال، في إشارة إلى الفترة التي كانت الدولة تنتج فيها وحيدة الأعمال التي تعرض على شاشات التيلفزيون. وفي الواقع، كثيراً ما يتعرض المجلس لاتهاماتٍ من نشطاء وحقوقيون بفرض قيودٍ على القنوات المصرية، وحاول “أوان” التواصل مع مكرم محمد أحمد لكن لم يتسن لنا الوصول له.

وإلى جانب نقابة المهن الموسيقية والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، يرى مصريون أن “مؤسسة الأزهر” الدينية لها دور هي الأخرى في التضييق على الإبداع. في العام 2018، قال الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر، إن مؤسسة الأزهر تؤمن بأهمية الفن والإبداع “في إطار القيم والأخلاق والتراث والمبادئ والقيم”، مضيفاً أن المؤسسة الدينية “مع الفن الهادف، وضد الفن الهابط الذي يتنافى مع قيمنا وأخلاقنا”.

يقول سائق التوك توك محمد صبحي لـ”أوان” إن الدولة المصرية تريد من المصريين الاستماع للأغاني التي يفضلها السيسي فقط، ويضحك ساخرًا وهو يقول: “فليتركوا كل شخص يسمع الأغاني التي يحبها.” أما مؤسسة حرية الفكر والتعبير فترى أن مصر شهدت في السنين الأخيرة فترة لم تشهد مثلها من قبل، من غلقٍ للمجال العام، ومصادرة لأبسط حقوق الإنسان، وتختم بأن “الإبداع لم يجد المناخ المناسب لينمو ويزدهر، بل لينشأ من الأصل، فهو العدو اللدود – بجانب التعليم والثقافة بشكل عام – لكل نظام يفضّل مواطنيه صامتين بلا دراية ولا رأي”.

* من ملف: من أين يأتي الأمل في قَفْر؟

 
×