توفي اليوم، في مدينته حمص، الأكاديمي والمفكر العربي السوري الطيب تيزيني (1934-2019) الذي يمكن عدّه بيسر أول محاولة فكرية وفلسفية سورية حديثة تنطوي على مشروع واسع ومتكامل في قراءة ماضي الفكر والمجتمع العربيين وحاضرهما واستشراف مستقبلهما، بمنهج ماركسي جدلي تاريخي.

انطلق مشروع الطيب تيزيني هذا منذ عام 1967 مع أطروحته التي أعدها للحصول على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من ألمانيا عام 1967 بعنوان تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة وراحت تتبلور مع كتبه المتلاحقة: مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط (1971)، حول مشكلات الثورة والثقافة في العالم الثالث، الوطن العربي نموذجاً (1971)، من التراث إلى الثورة: حول نظرية مقترحة في التراث العربي (1976)، الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى (1982)، من يهوه إلى الله (1985)، في السجال الفكري الراهن: حول بعض قضايا التراث العربي منهجاً و تطبيقاً (1989)، على طريق الوضوح المنهجي: كتابات في الفلسفة والفكر العربي (1989)، فصول في الفكر السياسي العربي (1989)، مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر (1994)، من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي: بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي وفي آفاقها التاريخية (1996)، النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة (1997)، من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني (2002)، من اللاهوت إلى الفلسـفة العربية الوسيطة (2005)، بيان في النهضة والتنوير العربي (2005)، وذلك فضلاً عن عديد من الكتب الجامعية والكتب المشتركة مع آخرين ومئات الأبحاث والمقالات.

يقوم فكر د. تيزيني على أساسين فكريين قد يبدوان للنظر المتسرع متناقضين هما: رفض فكرة الخصوصية التي تفصل الفكر والمجتمع العربيين عن بقية العالم، ونقد المركزية الغربية التي تنزع عن الفكر والمجتمع العربيين أصالتهما أو تميزهما في الإطار الإنساني الجامع. وهذا ما يسّر اعتماد مشروعه على المفهوم المادي للتاريخ. كما أنَّ هذا ما يقف خلف نقده كلّاً من الفكر البنيوي والفكر الديني والفكر الاستشراقي ووجه عملته الآخر الفكر الاستغرابي كما يتجلى لدى محمد عابد الجابري مثلاً.

لم تنفصل عودة د. تيزيني هذه إلى التراث عن نقده الحاضر وفكره وأشكال فساده المجتمعي والسياسي والثقافي وما يواجهه من تحديات عالمية حضارية. لكن هذا الارتباط اشتدّ مع التحولات الحادة التي شهدها العالم منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي مع انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته، إذ راح التيزيني يتحدث عن النهضة العربية بدلاً من الثورة، وعن الأمّة أو الكتلة التاريخية الحاملة لهذا المشروع، وينتقد كل ما يمكن أن يعوق هذه النهضة المأمولة على أيّ صعيد: من العولمة وفكرها الذي يتهدد الهوية العربية إلى التصورات البنيوية للعقل العربي إلى الواقع العربي بتبعيته ودولته الأمنية إلى الأصولية والإسلام السياسي باحتكارهما الحقيقة وما يدعوان إليه من دولة دينية هي وجه آخر للإمبريالية، وسوى ذلك من مُعيقات.

بل إنّ الارتباط السابق اشتد مزيداً من الاشتداد مع اندلاع الانتفاضات العربية حتى بلغ حدّ مشاركة د. تيزيني في اعتصاماتها السلمية (كمشاركته في الاعتصام السلمي أمام وزارة الداخلية في ساحة المرجة في دمشق عام 2011 و”شحطه” في الشارع على الملأ واعتقاله لساعات)، وتحدّثه إلى المتظاهرين والمعتصمين في حارات دمشق وسواها عن ضرورة السلمية والحفاظ على اللحمة الوطنية، ومحاولاته إقامة هيئات مجتمعية وسياسية لدرء الطائفية والمصالحة الوطنية، لا سيما بعد عسكرة الانتفاضة التى لم يُظهر د. تيزيني أي تأييد لها. وكان قد نشط قبل ذلك في مجال حقوق الإنسان وجرى انتخابه عام 2001 عضواً في لجنة الدفاع عن الحريات في الوطن العربي وساهم منذ عام 2004 بتأسيس “المنظمة السورية لحقوق الإنسان” (سواسية) وشغل منصب عضو مجلس إدارتها.

بقي د. تيزيني في سوريا طوال السنوات الماضية ولم يغادرها إلا لماماً. وكان عاكفاً على كتابة سيرته الذاتية. ولا تزال تتردد في مسامع السوريين كلماته التي أطلقها في “اللقاء التشاوري للحوار الوطني السوري” الذي انعقد برئاسة نائب الرئيس السوري الأسبق فاروق الشرع في صحارى يومي 10 و11 تموز 2011، وفي نقل مباشر على التلفزيون السوري: “لا بديل من فكّ الدولة الأمنية المهيمنة في سوريا … يجب البدء بإخراج السجناء الذين بقوا سنوات مديدة، وهم بالآلاف … تاريخية اللقاء نصنعها نحن بتأسيس دولة القانون التي انتهكت حتى العظم”. كما لا تزال تنتاب أبصار السوريين دموع د. تيزيني التي انهمرت مرتين وهو يتحدّث أمام مستمعيه في ندوة فكرية في طنجة 2015 عن “المجتمع والسلطة والدولة في مطلع القرن 21 مغرباً ومشرقاً”، الأولى وهو يتحدّث عن الرِّفعة الوطنية السورية مشيراً إلى ردّ فارس الخوري، الوزير ورئيس مجلس النواب، على المستعمر الفرنسي الذي أراد استخدام مسيحيّته في التفرقة بين السوريين. والثانية متأسيّاً على احتضار بلده بعيداً عمّا هجس به من نهضة وتجديد وتقدّم.

يبقى الطيب تيزيني معنا بأعماله، بقراءتها ونقدها ودفعها قُدُماً كما يليق بقامة مثله.

المزيد من هذا المؤلف

Related Articles